يرى خريج الرؤية الحاسوبية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ومؤسس شركة Y71 أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تتجلّى عندما تقوم بتمكين خبراء المجالات والطلبة والمؤسسات من تحويل المشكلات الحقيقية إلى حلول عملية.
في خضم التحولات المتسارعة التي يقودها الذكاء الاصطناعي، لا ينشغل أحمد الشامسي بالسؤال التقليدي حول ما يمكن للتقنية أن تستبدله، بل يطرح سؤالاً مختلفاً وأكثر عمقاً: من الذي يمكن أن تمكّنه؟
ومع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للصناعات والمجتمعات، يمثّل خريجون مثل الشامسي نموذجاً جديداً من المبدعين؛ ممن يرون في التقنية أداة لا غاية، تكتسب قيمتها الحقيقية عندما توضع في أيدي من يفهمون تحديات الواقع.
ويقول: “الذكاء الاصطناعي لن يستبدل من يتكيّف معه، بل سيضاعف أثرهم في الطب والهندسة والعمل البيئي”.
في هذا التصور، لا يُختزل مستقبل الذكاء الاصطناعي في مطوري البرمجيات وحدهم، بل يتسع ليشمل الأطباء، والمهندسين، والمعلّمين، وخبراء البيئة، وصنّاع السياسات، والمبدعين، إلى جانب جيل من الشباب القادر على تحويل المعرفة إلى تطبيقات.
شارك الشامسي مؤخراً في جلسة حوارية ضمن منتدى هيلي بعنوان “الذكاء الاصطناعي: نعمة أم نقمة: مستقبل الحوكمة والمجتمعات والثقافة”، إلى جانب معالي الدكتور خالد النعيمي، المدير العام للمؤسسة الاتحادية للشباب، ومعالي الدكتور سعيد الظاهري، مدير مركز دراسات المستقبل في جامعة دبي، ووهيدة الحضرمي، مستشارة الصناعات الإبداعية، فيما أدار الجلسة الباحث في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية صقر النعيمي.
وتركّزت مداخلته على فكرة محورية مفادها أن التعليم والثقافة والهوية ليست عناصر قابلة للاستبدال، بل ركائز ينبغي أن يعززها الذكاء الاصطناعي لا أن يضعفها.
وأشار إلى أن دولاً عدة بدأت بالفعل في تطوير تقنياتها بما يتماشى مع أولوياتها وقيمها، ما يفتح باب التساؤل حول كيفية ضمان أن تعكس أنظمة الذكاء الاصطناعي القيم المجتمعية والأطر الأخلاقية لكل دولة.
وبالنسبة له، فإن الدور الحقيقي لهذه التقنيات يجب أن يتمثل في دعم التعليم، وتعزيز الروابط المجتمعية، وصون الهوية.
مع تخرجه بدرجة الماجستير في الرؤية الحاسوبية من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، يرى الشامسي أن التعليم بحاجة إلى إعادة تصور، بحيث يتحول من مساحة للتلقي إلى بيئة تحفّز التجربة والابتكار.
ويؤكد أن دمج أدوات الذكاء الاصطناعي ونماذج اللغة الكبيرة مع التعلم القائم على المشاريع يفتح آفاقاً جديدة، حيث يصبح الطالب مشاركاً في البناء لا مجرد متلقٍ للمعرفة.
ويقول: “لا يكفي أن يتعلّم الطلبة الذكاء الاصطناعي، بل يجب أن يستخدموه في البناء والتجربة والإبداع بحيث تتحول القاعة الدراسية إلى مكان يجري فيه تجريب الأفكار بدلاً من دراستها فحسب”.
وينسب جانباً كبيراً من تطوره إلى البيئة التي وفّرتها جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، سواء من حيث التأسيس لنموه التقني أو الريادي.
ويقول: “زوّدتني الجامعة بمعرفة متقدمة في الذكاء الاصطناعي، وخبرة بحثية، ومهارات عملية في بناء الأنظمة الذكية ونشرها”.
ولا يختزل تجربته في الجانب الأكاديمي فقط، بل يشير إلى أن البيئة التعاونية وإتاحة الموارد المتقدمة كان لهما دور حاسم في تشكيل مسيرته.
ويضيف: “أصبح الحرم الجامعي بمثابة بيتي الثاني… والأشخاص الذين التقيت بهم، وروح المجتمع التي عشتها هنا، هي أكثر ما سأفتقده”.
كما أسهم العمل إلى جانب زملاء وأعضاء هيئة تدريس من مختلف أنحاء العالم في صقل منهجيته في حل المشكلات، وتوسيع رؤيته تجاه التعامل مع التحديات المعقدة.
ورغم إيمانه بأن الذكاء الاصطناعي أداة تمكين، يؤكد الشامسي أن التقنيات المتقدمة تتطلب أطراً حوكميّة مسؤولة تواكب سرعتها وتأثيرها.
ويشير إلى “التزييف العميق” بوصفه أحد أوضح التحديات في هذا السياق؛ فمع ازدياد واقعية المحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، تصبح المجتمعات أمام حاجة ملحّة إلى وسائل موثوقة تُمكّنها من التمييز بين ما هو أصيل وما تم التلاعب به.
وفي هذا الإطار، يلفت إلى مبادرة “تحالف توثيق وأصالة المحتوى” بوصفها نموذجاً يستحق التبني، حيث تتيح تضمين معلومات قابلة للتحقق داخل الوسائط الرقمية نفسها، توضح الجهة التي أنشأت المحتوى، وما إذا طرأت عليه تعديلات، بما يعزز موثوقيته ويحمي سلامته الرقمية.
ويرى الشامسي أن الخطوة التالية يجب أن تتجاوز مرحلة التحقق اللاحق، لتصل إلى دمج هذه المعايير في الأجهزة ذاتها، بحيث تُثبت أصالة المحتوى من المصدر منذ لحظة إنتاجه، لا بعد تداوله.
ويختتم هذه الرؤية بفكرة جوهرية: أن التقدم التقني، مهما بلغ، لا يكتمل دون أن يواكبه إطار واضح من الحوكمة، والأخلاقيات، والمساءلة.
ينطلق الشامسي من قناعة بسيطة لكنها حاسمة: الأقرب إلى المشكلة هو الأقدر على حلّها.
فالطبيب يفهم تعقيدات الرعاية الصحية بصورة أعمق من أي شخص خارج هذا المجال، وخبير البيئة يدرك أبعاد التلوث ومخاطره على الصحة العامة، والمهندس يعي القيود التشغيلية من واقع التجربة، فيما يعرف المعلّم كيف يتعلم الطلبة فعلياً.
ويقول: “ما تغيّر اليوم هو ما يمكن لهؤلاء أن يفعلوه بهذه المعرفة”.
فمع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم تعد عملية تطوير البرمجيات حكراً على فرق تقنية كبيرة، بل أصبحت أكثر سهولة وإتاحة من أي وقت مضى. فقد باتت النمذجة الأولية، والبحث، وتحليل البيانات في متناول نطاق أوسع من المستخدمين، وأصبح بالإمكان تحويل أفكار كانت تتطلب سابقاً فرقاً متخصصة وكبيرة إلى نماذج أولية قابلة للتطبيق خلال جزء بسيط من الوقت.
ولا يرى الشامسي في هذا التحول بديلاً عن المتخصصين التقنيين، بل خطوة نحو نموذج أكثر تكاملاً، تتقاطع فيه خبرات الميدان مع طاقات الشباب وأدوات الذكاء الاصطناعي، ليجتمعوا جميعاً حول مشكلات واقعية تستدعي حلولاً عملية.
يركّز الشامسي في جزء أساسي من رسالته على دور الشباب، وعلى الكيفية التي يمكن من خلالها للعمل الأكاديمي أن يكتسب قيمة أكبر بكثير عندما يرتبط باحتياجات العالم الحقيقي.
ويرى أن العديد من الأفكار الواعدة موجودة بالفعل داخل الجامعات، والهاكاثونات، ومشاريع التخرج. ويقول: “السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الأفكار ترتبط بالمشكلة المناسبة، وبالخبير المناسب في المجال، وبالمسار الذي يخرج بها إلى ما بعد قاعة الدراسة”.
وتعكس تجربته الشخصية هذه الفكرة بوضوح، حيث تمكن من التفوق على أكثر من 300 مشارك للفوز بالمركز الأول في هاكاثون الأمن السيبراني لدول مجلس التعاون لعام 2024. وقد استند فريقه إلى عمل كان في الأصل جزءاً من مشروع جامعي، في تأكيد على أن ما يبدأ كفكرة أكاديمية يمكن أن يتحول إلى حل عملي عندما يُوضع في الإطار الصحيح ويرتبط بمشكلة حقيقية.
ويرى الشامسي في ذلك فرصة عملية للجامعات والجهات الحكومية والشركات، تتمثل في طرح تحديات حقيقية من مختلف القطاعات كمشاريع رسائل علمية أو مشاريع تخرج أو نماذج أولية. وهو ما يتيح للطلبة اختيار مشكلات تتوافق مع اهتماماتهم، وفي الوقت ذاته يوفّر للقطاعات المختلفة أفكاراً جديدة وحلولاً في مراحلها المبكرة.
كما تنعكس هذه الرؤية في مشروعه الريادي، إذ استمد اسم شركته من «الشباب»، وكان هدفها منذ البداية تمكين الكفاءات الوطنية الشابة من تطوير حلول لمشكلات واقعية ليس ضمن قطاع واحد محدد، بل عبر مختلف المجالات ذات الأهمية.
ويقول: “يجب أن نثق بالشباب في البناء، مع وجود خبراء المجالات ضمن المنظومة”.
حظي الشامسي خلال مسيرته بعدد من محطات التقدير التي يراها امتداداً لالتزام دولة الإمارات بدعم الشباب وتعزيز الابتكار.
فقد نال شرف الحصول على جائزة عن أثره في مجال الذكاء الاصطناعي من معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، كما عبّر عن تقديره لصندوق الوطن والجهات المنظمة التي وفّرت هذه المنصة الداعمة.
وخلال مشاركته في معرض جيتكس، حظي بتكريم من سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم.
كما كان له شرف لقاء سمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان، وهي لحظة عززت لديه الالتزام بمواصلة البناء والمضي قدماً في مسيرته.
في حين يغادر كثير من الخريجين هذه المرحلة محمّلين بإنجازاتهم البحثية، يدخل الشامسي مرحلته المقبلة وقد بدأت شركته الناشئة بالفعل في التحرك. ومع تطلعه إلى المستقبل، يركّز على توسيع نطاق أثره وتعزيز حضوره في هذا المجال.
ويؤكد أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي تتحقق عندما يُمكَّن الشباب من أدواته، في الوقت الذي يظل فيه خبراء المجالات جزءاً فاعلاً في توجيه الحلول بخبراتهم الواقعية.
ويختتم قائلاً: “الجهات الوطنية تهيئ البيئة، والجامعات تطوّر الكفاءات، وخبراء المجالات يحددون التحديات، أما الشباب فهم من يأتون بالطاقة والفضول لصناعة الحلول“.
بعد ستة أعوام من الإنجاز العلمي المتسارع والتأثير العالمي، الحاصلة على المرتبة الأولى على دفعة عام 2026.....
في طليعة مرحلة جديدة من أبحاث الذكاء الاصطناعي، يسعى محمد معاذ إلى الارتقاء بقدرات نماذج الرؤية الحاسوبية.....
تشاو تشين يوضح كيف قاده تغيير مساره البحثي إلى تطوير حلول ذكاء اصطناعي تدعم الأطباء وتخفف أعباءهم.....