لم يكن انتقال الباحث تشاو تشين من شنغهاي إلى أبوظبي التحول الوحيد في مسيرته الأكاديمية عندما التحق بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كطالب دكتوراه في مجال الرؤية الحاسوبية عام 2022؛ فقد رافق هذا الانتقال تحول جوهري في مسار اهتماماته البحثية، أعاد توجيه بوصلته من عالم المركبات المستقلة إلى ميدان الطب وتقنياته المتقدمة.
قبل مجيئه إلى الإمارات، انصب عمل تشاو على تطوير نظم للمركبات الذاتية قادرةً على تحليل البيانات البصرية واتخاذ قرارات مستقلة دون تدخل بشري. غير أن حواراً مفصلياً مع مشرفه الأكاديمي – البروفيسور فهد خان – شكّل منعطفاً حاسماً كان سبباً في إعادة توجيه أبحاثه نحو التصوير الطبي، نظراً لما ينطوي عليه هذا المجال من إمكانات واعدة وتأثير مباشر على حياة الناس.
وعن هذا التحول – يقول تشاو: “لفت أستاذي انتباهي إلى الأهمية البالغة للبحث في مجال التصوير الطبي، بوصفه واحداً من أكثر المجالات أهمية وتأثيراً. كما أنه من المجالات التي يواجه فيها الأطباء ضغوط كبيرة بسبب التعامل اليومي مع كمّ هائل من الصور الطبية التي يجب قراءتها وتفسيرها بدقة عالية رغم ضغوط العمل؛ ومن هنا تبرز أهمية تطوير أدوات ونماذج تسهم في تخفيف هذا العبء، بما ينعكس إيجاباً في تحسين جودة الرعاية الصحية المقدمة للمرضى “.
وقد لاقى هذا التوجه تجاوباً من تشاو الذي كان يسعى دائماً إلى أن يكون لعمله أثراً ملموساً يتجاوز حدود المختبر. غير أن هذا التحول لم يخلُ من تحديات وَجدَ معها تشاو نفسه أمام مجال جديد كلياً يتطلب الإلمام بالجوانب التقنية والطبية في آن واحد.
ويوضح قائلاً: “لم يكن لدي أي خلفية في التصوير الطبي، وكان عليّ أن أتعلم الجانبين معاً، وهو أمر لم يكن سهلاً على الإطلاق. لكنني كنت محظوظاً بالعمل مع فريق متميز من الباحثين، حيث لعبت توجيهاتهم وأفكارهم دوراً محورياً في تقدمي، ولولا دعمهم لما تمكنت من تحقيق ما وصلت إليه”.
نجح الباحث تشاو في تطوير منظومة متكاملة من أدوات الذكاء الاصطناعي تعمل كـ “عين ثانية” للأطباء، قادرة على رصد تفاصيل دقيقة قد تغيب حتى عن أقوى الخبرات الطبية في إنجاز لا يقتصر على تحسين الرؤية التشخيصية فحسب، بل يفتح آفاقاً جديدة لرفع كفاءة الرعاية الصحية وتسريعها.
يوضح تشاو في هذا السياق أن الذكاء الاصطناعي بات يلعب دوراً محورياً في دعم الأطباء، قائلاً: “يمكن لهذه التقنيات أن تساعد في اكتشاف مؤشرات مرضية قد لا تكون مرئية بسهولة، إلى جانب تحسين دقة القياسات وتوفير الوقت”. ويضيف أن أطروحته البحثية تتألف من خمسة مشاريع رئيسة، تتكامل فيما بينها لتعزيز قدرات التشخيص الطبي.
ويركّز المشروعان الأوّلان على الكشف المبكر عن سرطان الثدي، أحد أكثر أنواع السرطان شيوعاً بين النساء، إذ يصيب نحو 2.3 مليون امرأة سنوياً حول العالم، وذلك باستخدام مقاطع الفيديو بالموجات فوق الصوتية. ويشير تشاو إلى أن تحسين دقة وسرعة هذا التشخيص يمكن أن يحدث فارقاً كبيراً. ولتحقيق هذا الهدف، طوّر تشاو نموذجي STNet وFA-DETR القادرين على رصد الأورام عبر لقطات متعددة بكفاءة عالية، بما يجعلهما مؤهّلين للاستخدام العملي في البيئات السريرية أثناء الفحص.
يشار إلى أن النموذج الأول قد حظي بالاعتماد خلال مؤتمر MICCAI، فيما تم اعتماد النموذج الثاني في مؤتمر MIDL، ما يعكس اعتراف الأوساط العلمية بأهمية هذه الابتكارات.
أما المشروع الثالث، فيتعلق بتحليل صور الموجات فوق الصوتية عبر تقنية التقسيم (Segmentation)، حيث طور الباحث أكبر قاعدة بيانات مفتوحة المصدر من نوعها عالمياً تحت اسم OpenUS، تضم أكثر من 471 ألف صورة مستمدة من 53 مجموعة بيانات عامة. وبالاستناد إلى هذه القاعدة، طور تشاو نموذجاً متقدماً يحمل اسم USSAM2، قادراً على تحديد ملامح أي بنية داخل الصور أو مقاطع الفيديو أو حتى المسوحات ثلاثية الأبعاد. ويؤكد تشاو أن النموذج يتميز بقدرته على الأداء بكفاءة عالية حتى مع بيانات لم يسبق له التعامل معها، وهي ميزة حاسمة للتطبيقات السريرية الواقعية.
وفي المشروع الرابع، قدم تشاو نموذج DB-SAM، الذي وصل إلى التصفيات النهائية لجائزة أفضل ورقة بحثية في مؤتمر MICCAI 2024. ويستند هذا النموذج إلى نموذج “Segment Anything Model” الشهير، حيث تم تكييفه للعمل عبر مجموعة واسعة من الصور الطبية، تشمل الأشعة المقطعية والرنين المغناطيسي والأشعة السينية وعلم الأمراض – ويضيف: “قمت بتدريب النموذج واختباره على 30 مهمة طبية مختلفة، وحقق نتائج تفوقت على الأساليب السابقة”.
أما المشروع الخامس والأخير، فيتناول مجال علم الأمراض المحوسب، وينتقل بالتحليل من مستوى الأعضاء إلى المستوى الخلوي الدقيق – ويوضح تشاو قائلا: “عملت على تطوير نظام قادر على تحديد الخلايا أو النوى بشكل تلقائي، مع إتاحة إمكانية تصحيح الأخطاء بنقرة واحدة من قبل أخصائي علم الأمراض”. ويؤكد تشاو، في السياق، أن هذه الخاصية تمثل إضافة نوعية، نظراً لغيابها في العديد من الحلول الحالية رغم أهميتها البالغة في تحسين دقة التشخيص.
رغم النجاحات التي حققها تشاو في تطبيق أبحاثه على أرض الواقع، فإن الطريق نحو هذه الإنجازات لم يخل من مصاعب، حيث واجه عدداً من التحديات التي تطلبت قدراً كبيراً من الصبر والمثابرة. ويستذكر تشاو تلك الفترة قائلاً: “مررت بلحظات كثيرة لم تنجح فيها التجارب كما كنت أطمح، واضطررت خلالها إلى إعادة التفكير في منهجيتي بالكامل”.
ويضيف شارحا أن بعض مراحل العمل في تلك الفترة استغرقت وقتًا وجهداً، لا سيما عند تطوير نموذج أساسي يعتمد على تقنيات الموجات فوق الصوتية، حيث قام بجمع وتنقيح البيانات من 53 مصدراً مختلفاً كان لكل منها تنسيقات وأساليب تصنيف خاصة ومستويات جودة متباينة، ما جعل عملية توحيدها ضمن قاعدة بيانات دقيقة ومتكاملة مهمة استغرقت أشهراً من العمل الدؤوب.
لم تكن كل هذه الضغوط والتعقيدات التي صاحبت التجارب والبحث إلا حافزا زاده تمسكا بهدفه ودافعاً مكنه من مواصلة المضي قدماً – ويوضح: “كنت أشعر أحياناً بضغط كبير، خاصة عندما لا تحقق التجارب النتائج المرجوة منها أو عندما لا تعمل النماذج كما ينبغي – لكن حماسي للبحث لم يفتر، لأنني كنت أتعلم شيئاً جديداً كل يوم، وهذا بحد ذاته كان مصدر لسعادتي”.
ويخلص تشاو إلى أن الإخفاق ليس نهاية الطريق، بل جزء أساسي من عملية التعلم – قائلاً: “هناك دائماً مخرجاً لكل تجربة و أعتقد أن مع كل فشل تكون هناك قيّمة ودرس مستفاد”. ويختم بالتأكيد على أن إدراك الأثر الإيجابي لأبحاثه شكّل دافعاً له – قائلاً: “معرفة أن عملي يمكن أن يساعد الأطباء والمرضى والمجتمع الأكاديمي كانت دائماً حافزاً يدفعني إلى مواصلة العمل”.
يستعد تشاو للانضمام إلى خريجي دفعة 2026، في محطة مفصلية تمهّد لمرحلة جديدة في مسيرته العلمية التي سيواصل من خلالها عمله البحثي كباحث لما بعد الدكتوراه في الجامعة نفسها، حيث يعتزم الاستمرار في العمل عند تقاطع الذكاء الاصطناعي والرعاية الصحية، واضعاً نصب عينيه هدف دعم الأطباء في اتخاذ قرارات أكثر دقة لصالح مرضاهم.
ولا يخفي تشاو تقديره العميق للتجربة التي خاضها خلال سنوات دراسته الأربع، مؤكداً أن رحلة الدكتوراه لم تكن مجرد مسار أكاديمي، بل تجربة إنسانية متكاملة – ويقول: “الدكتوراه ليست رحلة علمية فحسب، بل هي أيضاً رحلة شخصية”. ويضيف: “الصداقات التي بنيتها هنا والعلاقة مع مشرفي وزملائي والنقاشات العلمية وحتى لحظات الاحتفال بقبول الأبحاث – كلها ذكريات سترافقني مدى الحياة”.
يشير تشاو أيضاً إلى أن البيئة البحثية في الجامعة شكّلت عاملاً حاسماً في صقل تجربته – ويقول: “ما يميز الجامعة أن الجميع هنا يعمل في مجال الذكاء الاصطناعي، الأمر الذي يخلق بيئة غنية ومركّزة على البحث العلمي. كما يمكنك الدخول إلى أي مختبر أو مكتب وخوض نقاش عميق حول أحدث الابتكارات، وهذا الزخم الفكري يصعب العثور عليه في أماكن أخرى”.
بعد خوضه لهذه التجربة، يقدّم تشاو مجموعة من النصائح لطلبة الدكتوراه الجدد، في مقدمتها التحلي بالصبر – ويقول: “كن صبوراً لأن الدكتوراه رحلة طويلة ومليئة بالتحديات.. والفشل هو جزء من هذه التجربة، حيث إنه من الوارد أن تُرفض أبحاثك ما قد يجعلك تشعر أحياناً بالضياع وهذا أمر طبيعي، غير أن الأهم هو التعلّم من كل تجربة”.
كما يؤكد أهمية بناء علاقة قوية مع المشرف الأكاديمي، واصفاً إياه بأنه “المصدر الأهم للدعم والتوجيه”، مشدداً على ضرورة التواصل المستمر وطلب المساعدة عند الحاجة، والتعامل بجدية مع الملاحظات العلمية. كما أن زملاء الدراسة – يضيف – يشكلون أيضاً دعماً لا يقل أهمية، إذ “يفهمون طبيعة التحديات ويمكن التعلم كثيراً من تجاربهم”.
ويختتم بنصيحة جوهرية تتمثل في ضرورة التفكير منذ البداية في الأثر الواقعي للأبحاث – قائلاً: “من السهل الانشغال بالتحسينات التقنية البحتة، لكن القيمة الحقيقية تكمن في الأبحاث التي تحدث فرقاً فعلياً في حياة الناس”.
كلمة رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والبروفيسور الجامعي، إريك زينغ، الموجّهة إلى دفعة 2026 بتاريخ.....
في طليعة مرحلة جديدة من أبحاث الذكاء الاصطناعي، يسعى محمد معاذ إلى الارتقاء بقدرات نماذج الرؤية الحاسوبية.....
من الدورات الإلكترونية إلى الأبحاث المتقدمة، يعكس الصعود السريع لإبراهيم السراج مسار نمو قسم الروبوتات في جامعة.....