محمد معاذ – اسم لمع نجمه في سماء عالم الذكاء الاصطناعي كأحد المواهب البحثية والأكاديمية الصاعدة التي تسعى إلى الدَّفع بحدود هذه التكنولوجيا نحو آفاق أكثر عمقاً وشمولاً. فطموح هذا الشاب لا يقتصر على تطوير أنظمة ذكية تقرأ النصوص فحسب، بل يمتد إلى تمكينها من اكتشاف العالم وفهمه بصرياً بطريقة غنية ودقيقة أكثر في مسعى يعكس رؤية تتناغم مع شخصيته الابتكارية.
لم يكن، قبل سنوات قليلة، هذا المسار بديهياً أمام معاذ؛ إذ كان في باكستان يستعد ليصبح مهندساً كهربائياً، في وقتٍ لم يكن فيه الذكاء الاصطناعي قد بلغ مكانته العالمية الراهنة. غير أنّ معاذ وبفضل فراسته تنبه منذ عام 2018 إلى التحوّل القادم، وتمكن من استشراف الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه مستقبله.
بدأ معاذ تزامنا مع اقتراب تخرجه فعلياً رحلة انتقاله إلى مجال الذكاء الاصطناعي وتحديداً مجال تعلم الآلة، حيث خاض تجارب عملية في تطوير تقنيات التعرف على الوجوه وتتبع الأجسام. وقد أسهمت هذه المشاريع التي نفذها لصالح مؤسسات في قطاعي التجزئة والسلامة المرورية في كل من باكستان والسعودية في بلورة اهتماماته البحثية ورسم ملامح مسيرته المهنية.
واليوم، مع حصوله على درجة الدكتوراه في الرؤية الحاسوبية من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، يقف معاذ في طليعة جيل جديد من الباحثين الذين يسعون إلى إحداث نقلة نوعية في قدرات الذكاء الاصطناعي. ويتمحور هدفه حول تطوير نظم قادرة على فهم العالم المرئي بعمق يتجاوز المعالجة النصية – وهو طموح كبير يعكس شخصية معاذ وإصراره ورؤيته المستقبلية.
ويؤكد معاذ، في السياق، قائلاً: “إننا نعمل على تطوير تقنيات وخوارزميات جديدة أكثر كفاءة تكون قادرة على معالجة التحديات التي لم تُحل بعد، وذلك وفق مقاربة أساسها الإبداع باعتباره عنصرا مهما لا يمكن الوصول إليه دون إيجاد منظومة محفزة داعمة”.
وقد وجد معاذ هذا الدعم في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي التي فتحت أمامه الباب للانتقال بكل سلاسة من مسار الهندسة إلى فضاء البحث العلمي والابتكار، ضمن منظومة أكاديمية تدعم وتحتضن الأفكار الرائدة المبدعة.
تتموضع أبحاث محمد معاذ في صميم أحد أبرز التحولات التي يشهدها مجال الذكاء الاصطناعي اليوم، والمتمثلة في الانتقال من النماذج المعتمدة على النصوص إلى أنظمة متعددة الوسائط قادرة على فهم الصور ومقاطع الفيديو والتفاعل مع العالم المادي. ففي الوقت الذي أحدثت فيه النماذج اللغوية الكبيرة نقلة نوعية في قدرة الآلات على معالجة النصوص وتوليدها، تبرز تحديات أكثر تعقيداً في الأفق متمثلة في تمكين هذه الأنظمة من الرؤية والتفسير والاستدلال عبر أنواع متعددة من البيانات في آنٍ واحد.
وقد أسهم معاذ، في هذا السياق، في تحقيق اختراقات مهمة على هذا المسار البحثي. فقد تناولت أعماله البحثية المتعلقة بـ “Video-ChatGPT” إمكانات تطوير أنظمة قادرة على “التحاور” بشأن محتوى الفيديو، فيما قدمت تجاربه على نموذج “GLaMM” مقاربات مبتكرة لربط المعلومات البصرية وتحليلها بدقة أعلى. وقد حظيت هذه المشاريع باهتمام واسع داخل المجتمع العلمي، تُرجم إلى آلاف الاستشهادات الأكاديمية واعتماد متزايد في الأوساط البحثية.
كما شارك معاذ، خلال فترة عمله في شركة “مِيتَا”، في تطوير نموذج “PerceptionLM”، الذي يُعد من أوائل النماذج اللغوية متعددة الوسائط مفتوحة المصدر والقابلة لإعادة الإنتاج بالكامل، والقادرة على فهم الصور ومقاطع الفيديو على نطاق واسع. ويستذكر معاذ هذه التجربة قائلاً: “استغرق الأمر نحو عام كامل، لكننا تمكنا من تطوير نموذج يمكن إعادة بنائه من الصفر، دون الاعتماد على أي تقنيات أو مجموعات بيانات خاصة أو احتكارية”.
وأثمر هذا الجهد عن تطوير نظام مدرب على مئات الملايين من العينات البصرية، ما أتاح للمستخدمين التفاعل مع الصور ومقاطع الفيديو بطرق غير مسبوقة، وفتح آفاقاً جديدة أمام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مختلف المجالات.
بالنسبة لمحمد معاذ، لا تكمن أهمية هذه الإنجازات في بعدها التقني فحسب، بل في قدرتها على إحداث تأثير حقيقي في حياة الناس. فالقيمة – كما يراها – تُقاس بمدى انعكاس هذه الابتكارات على الواقع العملي.
ويؤكد معاذ، في السياق، أن “الإمكانات هائلة”، لافتاً إلى أن النماذج متعددة الوسائط، مثل “PerceptionLM”، تقف على أعتاب إحداث تحول نوعي في آليات التعامل مع البيانات البصرية. فبدلاً من قضاء ساعات طويلة في مراجعة تسجيلات كاميرات المراقبة، يمكن للمستخدم الاكتفاء بإصدار أوامر مباشرة لرصد الأنماط غير الاعتيادية أو تلخيص أبرز الأحداث في ثوانٍ.
ولا يقتصر تأثير هذه التقنيات على الجوانب الأمنية، بل يمتد إلى القطاع الصحي ويفتح آفاقاً متقدمة لدعم العمليات الجراحية، من خلال الإسهام في اكتشاف الحالات النادرة والخطيرة، بما في ذلك تفادي أخطاء جسيمة كنسيان أدوات طبية داخل جسم المريض. ويضيف أن “نماذج مثل PerceptionLM هي بمثابة نظم تأسيسية مرنة، قابلة للتكيّف مع طيف واسع من التطبيقات العملية”.
غير أن هدف معاذ يتجاوز هذه الاستخدامات، إذ يرى أن التأثير الأكبر للذكاء الاصطناعي لم يتحقق بعد، خصوصاً في العالم المادي. ويوضح أن “أحد المجالات التي لم يُظهِر فيها الذكاء الاصطناعي تأثيراً حقيقياً حتى الآن هي الروبوتات”. ويضيف شارحاً: “يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرسم لوحات فنية، لكنني أريده أيضاً أن يتولى مهمة غسل الصحون”.
يمكن استشعار هذا التوجه العَمَلي أيضاً في رؤيته لمفهوم النجاح في البحث العلمي. فالتأثير – برأيه – لا يُقاس بعدد الأبحاث المنشورة فقط، بل بمدى تبني الآخرين لها والاستفادة منها – ويتساءل: “كم عدد الأشخاص الذين يستخدمون أو يستفيدون من الأبحاث التي تقدمها؟” مضيفاً أن عدد الاستشهادات العلمية يعد مؤشراً واضحاً على قيمة العمل البحثي وتأثيره في المجتمع الأكاديمي.
ومع تسجيل أكثر من 6 آلاف استشهاد علمي باسمه، إلى جانب حصوله على زمالة “جوجل” العالمية للدكتوراه، رسّخ معاذ مكانته كأحد الباحثين المؤثرين في هذا المجال. غير أنه – مع هذا – ما يزال سقف طموحاته أعلى بكثير، إذ يسعى إلى تطوير أنظمة لا تقتصر فائدتها على الباحثين أو الشركات، بل تمتد ليستفيد منها المجتمع برمته.
ويختتم قائلاً: “أطمح إلى أن يصبح الذكاء الاصطناعي أداة نافعة لشريحة أوسع من الناس وألّا يظل حكراً على نخبة من المتخصصين، وأن يكون الهدف الأسمى منه هو تبسيط الحياة اليومية للجميع”.
لا يتردد محمد معاذ في تقديم صورة واقعية لمسار البحث العلمي، حيث لا يعد النجاح المبكر قاعدة يمكن الركون إليها؛ ففي السنوات الأولى من دراسته للدكتوراه، لم تتجسد له نتائج ملموسة بالقدر الذي كان يتوقعه، إذ خاض مرحلة اتسمت بالتجريب المتواصل، والتحديات المتتالية، وحالة من عدم اليقين.
وفي السياق – يقول: “في البحث العلمي.. لا يتحقق النجاح بسهولة.. ولا بد من خوض تجارب فاشلة مرات عدة قبل الوصول إلى نتائج ذات قيمة.. ويشكل هذا جزءاً أصيلاً من العملية.. والأهم أن تثق في تجاربك وتواصل التقدم”. ويعكس هذا الطرح فهماً عميقاً لطبيعة العمل البحثي، حيث يشكل الفشل محطة ضرورية على طريق النجاح.
العامل الحاسم الذي ساعده على تجاوز تلك المرحلة لم يكن فقط الصبر، بل الالتزام ومواصلة السير على الدرب، إلى جانب الدعم الأكاديمي الذي حظي به؛ ففي جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، لعب الإشراف العلمي دوراً محورياً في توجيه مسيرته، من خلال توفير الموارد المتقدمة، ورسم مسارات بحثية واضحة للتعامل مع التحديات المعقدة.
ويضيف موضحاً: “حل المشكلات التقنية يتطلب قدرات حوسبية متقدمة، لكن الاستمرار يحتاج إلى دعم معنوي حقيقي”. وقد أسهم هذا التوازن بين الإمكانات التقنية والمنظومة الداعمة في ترسيخ مسيرته البحثية. كما كان للتوجيهات المستمرة والمنتظمة دور بارز في الحفاظ على تركيزه، حتى في الفترات التي تأخرت فيها النتائج. ومع مرور الوقت، بدأت هذه الجهود تؤتي ثمارها، عبر إسهامات علمية نوعية شكلت ملامح مساره في الدكتوراه.
شكّلت أيضاً فترة تدريبه في شركة “ميتا” محطة مفصلية أخرى، إذ أتيحت له فرصة العمل إلى جانب نخبة من الباحثين في وادي السيليكون، والمشاركة في مشاريع كبرى ذات تأثير عالمي وإمكانات متقدمة، غير أن الأثر الأعمق لهذه التجربة تمثل في إعادة تقييمه لمستوى العمل الذي كان ينجزه.
ويستذكر قائلًا: “قبل ذهابي إلى وادي السيليكون، كنت أظن أن ما يُنجز هناك يفوق قدراتنا. لكن بعد العمل معهم، أدركت أننا نقدم عملاً بحثياً لا يقل جودة أو قيمة أو تأثيراً”.
ومع اقتراب مرحلة ما بعد التخرج، يستعد معاذ للعودة إلى “ميتا” بصفته باحث، حيث سيواصل تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي متعددة الوسائط، والبناء على إنجازاته السابقة، بما في ذلك مشروع “PerceptionLM”. ورغم هذا المسار المهني المتصاعد، يظل هدف معاذ الأول هو تطوير ذكاء اصطناعي يُحدث أثراً حقيقياً في حياة الإنسان. فالمستقبل – من وجهة نظره – لا يقتصر على تعزيز قوة الأنظمة، بل يتطلب جعلها أكثر ارتباطاً بالاحتياجات اليومية وأكثر قدرة على خدمة الإنسان بفعالية.
ويختتم قائلاً: “إننا نعمل اليوم على تقليل المجهود الذي يبذله المستخدمون في العالم الرقمي، لكن في العالم المادي ما يزال الذكاء الاصطناعي في مراحله الأولى – وأتطلع لأن أكون جزءاً من هذا التحول”.
وبصفته أحد خريجي الدفعة الأولى من الجامعة، يجسد محمد معاذ ملامح جيل جديد من الباحثين، يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والتقنية، والمساهمة في صياغة مستقبل أكثر تكاملاً بين الذكاء الاصطناعي واحتياجات العالم الواقعي.
كلمة رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والبروفيسور الجامعي، إريك زينغ، الموجّهة إلى دفعة 2026 بتاريخ.....
من الدورات الإلكترونية إلى الأبحاث المتقدمة، يعكس الصعود السريع لإبراهيم السراج مسار نمو قسم الروبوتات في جامعة.....
تشاو تشين يوضح كيف قاده تغيير مساره البحثي إلى تطوير حلول ذكاء اصطناعي تدعم الأطباء وتخفف أعباءهم.....