حين التحقت حنونة رشيد بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، لم تكن تخطو فقط نحو مرحلة أكاديمية جديدة، بل كانت تدخل تجربة غير مسبوقة ضمن الدفعة الأولى من خريجي وخريجات أول جامعة بحثية متخصصة في الذكاء الاصطناعي في العالم، بينما كانت ملامح الجامعة لا تزال قيد التطور والنمو.
تتوج حنونة مسيرتها حتى الآن بصفتها الأولى على دفعة عام 2026، وقد رسّخت لنفسها حضوراً بحثياً استثنائياً يوازي مسارات أكاديميين مرموقين بامتلاكها أكثر من 5800 استشهاد علمي، وما يتجاوز 7.8 مليون عملية تحميل لنماذجها، إلى جانب سجل نشر في نخبة المؤتمرات العالمية، من بينها مؤتمر الرؤية الحاسوبية والتعرّف على الأنماط، والمؤتمر الدولي للرؤية الحاسوبية، ومؤتمر نظم معالجة المعلومات العصبية، والمؤتمر الدولي لتمثيلات التعلّم.
إلا أن هذه المحطة لا تُمثل نهاية المسار، فبرغم الفرص التي فُتحت أمامها في وادي السيليكون، اختارت حنونة الاستمرار في الجامعة كباحثة ما بعد الدكتوراه، حيث تواصل العمل في المساحات التي تتبلور فيها الأفكار قبل أن تتحول إلى إنجازات.
غير أن البقاء هنا لا يعني اختيار المسار الأسهل فالعمل في طليعة النماذج متعددة الوسائط يفرض إيقاعاً عالي الكثافة، يجمع بين الضغط المستمر والإثارة المعرفية.
وتقول: “إنه مجال سريع التغيّر وشديد التنافسية، تتواجه فيه الفرق البحثية مع أكبر مختبرات الذكاء الاصطناعي في العالم، حيث لا مجال للتباطؤ، والتوقيت عنصر حاسم في كل شيء”.
هذه الكثافة هي ما تصفه بـ”المتعة”، وهي عبارة تختصر طبيعة شخصيتها: تركيز حاد، التزام طويل النفس، ودافع داخلي يتجاوز الإنجاز إلى المعنى والأثر.
واكبت رحلة حنونة صعود الجامعة نفسها، فقد بدأت ضمن أول دفعة ماجستير عام 2021، ثم واصلت إلى الدكتوراه في الرؤية الحاسوبية، في مسار لم يقتصر على التقدم الأكاديمي، بل شمل تشكّل هويتها كباحثة مستقلة.
وتوضح أنها التحقت دون رصيد بحثي يُذكر، لكن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي صقلتها لتصبح باحثاً مستقلاً.
وتقول: “خلال وجودي هنا، بنيت مسيرتي خطوة بخطوة من خلال العمل المتواصل، والإرشاد الأكاديمي، والالتزام اليومي”.
وتضيف: “لا أرى هذا التحول والنمو إنجازاً فردياً فقط، بل انعكاساً لما يمكن أن تصنعه البيئة المناسبة فعندما تتوفر المقومات، يصبح التقدم نتيجة طبيعية، بل وحتمية لمن يستجيب للتحدي”.
وتؤكد أن أكثر نصيحة أثّرت في مسيرتها كانت بسيطة في ظاهرها، عميقة في أثرها وهي: الحرص على اختيار المشكلة المناسبة في التوقيت المناسب، والاهتمام بها بالقدر الكافي لإنجازها بإتقان.
اليوم، لم تعد بحاجة إلى تقديم نفسها في المؤتمرات العلمية؛ إذ باتت أبحاثها هي بطاقة تعريفها، مرسخة موقعها داخل مجتمع الذكاء الاصطناعي العالمي، بالتوازي مع الحضور المتنامي للجامعة.
وترى أن لحظة الاعتراف بها كباحثة ضمن هذا المجتمع، وهي لا تزال في مرحلة الدكتوراه، تمثل أبرز ما تفخر به في مسيرتها حتى الآن.
ينصب عمل حنونة على النماذج التأسيسية متعددة الوسائط، التي توحّد بين الفهم البصري واللغوي، وتعالج تحديات أساسية تقف عند تقاطع البحث والتطبيق في الذكاء الاصطناعي.
ورغم حداثة تجربتها، نجحت في بناء سجل بحثي متماسك ومؤثر.
فقد كانت أعمال مثل GLaMM وVideo ChatGPT من بين أكثر إسهاماتها تأثيراً، ونالت استشهادات واسعة، وأسهمت في تشكيل وتوجيه أبحاث لاحقة في مجال الذكاء الاصطناعي متعدّد الوسائط.
كما استُقطبت للتدريب في كبرى الشركات التقنية في سان فرانسيسكو، حيث شاركت في تطوير نماذج متقدمة مثل Perception Encoder وPerceptionLM، ضمن منظومة بحثية لاقت انتشاراً واسعاً تجاوز 7.8 مليون عملية تحميل.
لكن مفهوم التأثير لديها لا يُقاس بالمنشورات وتجاوز المقاييس، بل يُقاس بمدى التطبيق على أرض الواقع.
وتقول: “أخبرنا بعض المستخدمين أنهم حصلوا على ترقيات بفضل استخدام نماذجنا. هذا بالنسبة لي هو المعنى الحقيقي؛ أن تقدّم شيئاً يمكن للآخرين البناء عليه والمضي به قدماً”.
ومن خلال حرصها على إتاحة أبحاثها بصورة قابلة لإعادة الإنتاج وسهلة الوصول، أسهمت في تمكين استخدام هذه النماذج في مجالات متعددة، من الطب إلى النقل والسلامة، ما وسّع نطاق تأثيرها إلى ما هو أبعد من حدود المختبر.
امتدت مسيرة حنونة على مدى ستة أعوام في سياق عالمي متقلّب، إلا أن ثباتها وتركيزها في العمل كانا العامل الحاسم. وترى أن البحث العلمي يتطلب قدرة على التكيّف مع الغموض، وصبراً على النتائج، ومرونة في التعامل مع الإخفاقات.
وتقول: “تعلّمنا أن نمضي قدماً بسرعة، دون أن نُثقل أنفسنا بالتساؤل المستمر عمّا حدث”. وفي مجال يتغير بوتيرة متسارعة، يصبح عامل الزمن جزءاً من التحدي نفسه.
وتوضح: “إذا استغرقت ستة أشهر في العمل على فكرة رائجة، فقد تكون قد فقدت حداثتها بالفعل”. وحينما يكون الحديث عن النماذج التأسيسية متعددة الوسائط فإن ذلك ليس مبالغة إطلاقاً.
وترى أن ما حافظ على زخم عملها هو البيئة المحيطة فهي ثقافة بحثية قائمة على التعاون، وشغف مشترك بين الطلبة وأعضاء هيئة التدريس، حيث يسعى الجميع إلى التقدم دون الاكتفاء بالحد الأدنى.
وتضيف أن هذه الروح الجماعية هي ما يمنح مختبرات الجامعة قدرتها على مواكبة الإيقاع العالمي المتسارع.
انتقلت حنونة إلى دولة الإمارات من الهند في سن الرابعة، وتعتبرها موطنها. وتعبر عن امتنانها العميق للمؤسسة وللدولة والرؤية التي أسهمت في بنائهما.
وتقول: “مثل هذه البيئات ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج رؤية واضحة وإيمان طويل المدى واستثمار حقيقي في الإنسان. وهذا ما فتح أمامي مسارات لم تكن لتتاح لولا ذلك”.
وترى أن الجامعة تقدّم نموذجاً نادراً لبيئة بحثية تقل فيها العوائق وتُعزَّز فيها القدرة على التركيز.
وتوضح: “من الصعب أن تجد مكاناً يجتمع فيه هذا المستوى من الطموح والجدية والالتزام بالعمل ذي القيمة. هذه البيئة تدفعك باستمرار لتكون أفضل”.
وفي حين يواجه كثير من الطلبة تحديات مرافقة للدراسة في الخارج، من الجوانب المعيشية إلى الترتيبات اللوجستية، توفّر الجامعة منظومة تقل فيها هذه الأعباء، ما يتيح توجيه الجهد بالكامل نحو البحث. وقد شكّل ذلك الأساس الذي مكّنها من تحقيق ما تجاوز توقعاتها.
رغم أهمية لقب الأولى على الدفعة، ترفض حنونة النظر إلى إنجازها باعتباره جهداً فردياً.
وتقول: “لا يتحقق أي من هذا بشكل فردي فهو نتاج عمل جماعي”، فأبحاثها هي ثمرة تعاون مستمر مع المشرفين والزملاء والشركاء البحثيين.
وتؤكد: “البحث العلمي بطبيعته عمل جماعي، وكل إنجاز مؤثر يقف خلفه جهد مشترك”.
وتنسب جانباً كبيراً من نجاحها إلى اختيار المرشدين المناسبين، مشيرة إلى الدور المحوري للدكتور سلمان خان والبروفيسور فهد خان، اللذين أسهما في توجيه مسيرتها العلمية.
وتضيف: “أعضاء هيئة التدريس هنا باحثون فاعلون، وهم حريصون على أن ترتقي إلى مستوى حقيقي من الفهم والتميّز”.
واليوم، وقد أصبحت بدورها موجّهة للآخرين، تسعى إلى نقل هذه التجربة إلى الجيل القادم من الباحثين. أما وادي السيليكون، فبإمكانه الانتظار.
كلمة رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والبروفيسور الجامعي، إريك زينغ، الموجّهة إلى دفعة 2026 بتاريخ.....
في طليعة مرحلة جديدة من أبحاث الذكاء الاصطناعي، يسعى محمد معاذ إلى الارتقاء بقدرات نماذج الرؤية الحاسوبية.....
من الدورات الإلكترونية إلى الأبحاث المتقدمة، يعكس الصعود السريع لإبراهيم السراج مسار نمو قسم الروبوتات في جامعة.....