عندما يرتدي الجرّاح الذكاء الاصطناعي: كيف تعيد الأنظمة العصبية التكيفية تشكيل غرفة العمليات؟ - MBZUAI MBZUAI

عندما يرتدي الجرّاح الذكاء الاصطناعي: كيف تعيد الأنظمة العصبية التكيفية تشكيل غرفة العمليات؟

الثلاثاء، 28 يوليو 2026

لم تعد تقنيات الذكاء الاصطناعي تقتصر على تحليل الصور الطبية أو مساعدة الأطباء في التشخيص، بل بدأت تدخل غرفة العمليات نفسها لتراقب الجرّاح أثناء عمله، لا أدواته. فبدلاً من متابعة حالة المريض فقط، أصبح بالإمكان قياس مستوى التوتر والانتباه والجهد الذهني الذي يمر به الجرّاح لحظة بلحظة، بما يفتح الباب أمام جيل جديد من الأنظمة الذكية التي تدعم الأداء البشري وتسهم في تعزيز سلامة المرضى.

في الثامن من يوليو 2026، مثّل البروفيسور أوليفييه أولييه، أستاذ التفاعل بين الإنسان والحاسوب في قسم علوم الحوسبة والرياضيات بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، الجامعة خلال قمة الذكاء الاصطناعي من أجل الخير (AI for Good) التي نظمتها الأمم المتحدة في جنيف بسويسرا، وذلك ضمن جلسة خاصة خُصصت لواجهات الدماغ والحاسوب.

وخلال الجلسة، استعرض أولييه حلاً قائماً على الذكاء الاصطناعي العصبي التكيفي ( الأنظمة التي تغير سلوكها وتكيّفه بناء على المدخلات في الوقت الحقيقي)، طوّره بالتعاون مع البروفيسور سيباستيان بارات، أستاذ جراحة العظام في معهد الحركة بجامعة إيكس-مرسيليا، وجراح العظام في المركز الدولي للركبة والمفاصل في أبوظبي. ويتيح هذا النظام مراقبة مستوى التوتر والانتباه والعبء المعرفي لدى الجرّاح في الوقت الفعلي أثناء العمليات الجراحية.

لم يعد الاحتراق الوظيفي بين الجرّاحين مشكلة خفية، فالدراسات العلمية والطبية تشير إلى أنه ظاهرة واسعة الانتشار، ويمكن قياسها، وترتبط مباشرة بتراجع نتائج المرضى. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، أمضى أولييه وبارات سنوات في تطوير نظام يمنح الجرّاحين فهماً أعمق لما يحدث داخل أجسامهم وأدمغتهم أثناء الجراحة، ويساعدهم على إدارة هذا العبء الذهني والجسدي بصورة أفضل.

نقطة تحول في حياة جرّاح

قدّم الباحثان هذا العمل لأول مرة خلال يوم الابتكار في الذكاء الاصطناعي من أجل الصحة الذي نظمته جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في 12 نوفمبر 2025، ضمن جلسة حوارية صاحبت أحد العروض الحية للتقنية.
وخلال الفعالية، استعاد بارات اللحظة التي غيّرت مسيرته المهنية ونظرته إلى ممارسة الطب.
وقال: “أجريت خلال أكثر من عشرين عاماً ما يزيد على 15 ألف عملية جراحية في مجال جراحة العظام، ثم جاء يوم استيقظت فيه على سرير داخل المستشفى”.

ووصف صورة التُقطت له عام 2017 أثناء فترة تعافيه بعد تعرضه لتوقف مفاجئ في القلب، وأضاف: “احتجت إلى تلك التجربة التي غيّرت حياتي حتى أدرك أنني كنت أعيش تحت ضغط هائل، وأحاول القيام بأشياء كثيرة طوال الوقت. عندها بدأت أتساءل: ربما لست الوحيد الذي يمر بهذه التجربة”.

وبالفعل لم يكن الوحيد.

وقال أوليفييه أولييه، عالم الأعصاب ورائد الأعمال الذي يطور أنظمة ذكاء اصطناعي عصبية تكيفية متعددة الوسائط، والذي سبق أن تولى قيادة قطاع الصحة والرعاية الصحية في المنتدى الاقتصادي العالمي: “تشير بعض الدراسات إلى أن الاحتراق الوظيفي يصيب ما يصل إلى 47% من الأطباء المقيمين في التخصصات الجراحية. وهي مشكلة خطيرة لا تمس الأطباء وحدهم، بل تمتد آثارها إلى سلامة المرضى أيضاً”.

الاحتراق الوظيفي لدى الأطباء…سلامة المرضى على المحك

لا تقتصر آثار الاحتراق الوظيفي على الإرهاق النفسي أو البدني الذي يعانيه الجرّاح، بل تمتد إلى نتائج العمليات نفسها.

وقال بارات: “إذا لم نكن في أفضل حالاتنا، فلن تكون نتائج المرضى في أفضل حالاتها أيضاً، فالإجهاد والتعب يرفعان احتمالات المضاعفات والمشكلات المرتبطة بالعملية”.

أما أولييه، فقد حاول قياس هذا العبء بصورة مباشرة موضحاً أن “غرفة العمليات بيئة لا تتوقف فيها الأحداث فهناك المريض، والمحيط، والأشخاص الذين يتحدثون، والأجهزة التي تصدر إشاراتها باستمرار لذا عليك أن تتابع ما يحدث أمامك، وأن تنتبه لما يدور خلفك، وفي الوقت نفسه تتوقع عدداً كبيراً من الأمور التي قد تحدث بعد لحظات”.

ويضيف أن هذا التداخل المستمر بين المهام المختلفة يؤدي إلى تراكم الإرهاق الذهني والجسدي مع مرور الوقت.

قياس ما لا يمكن رؤيته داخل غرفة العمليات

من هنا انطلق السؤال الذي قاد المشروع: ماذا لو استطاع الجرّاح أن يعرف، أثناء إجراء العملية، ما الذي يحدث داخل جسده ودماغه؟

يقول بارات: “عندها بدأنا نفكر فيما يمكن أن ننجزه معاً لقياس الإرهاق والتوتر والعبء المعرفي داخل غرفة العمليات، وفهمها بصورة أفضل، بل والتنبؤ بها”.

أما أولييه، فكان تركيزه على التحدي الآخر: كيف يمكن إيصال هذه المعلومات إلى الجرّاح في الوقت الفعلي من دون أن تعيق عمله؟

ويشير إلى أن هذا التحدي هو ما قاد إلى توظيف تقنيات التفاعل بين الإنسان والحاسوب وأساليب التغذية الراجعة العصبية متعددة الوسائط (Multimodal Neurofeedback) في تصميم النظام.

وقبل تطوير هذا الحل، كان الجرّاحون يعتمدون في إدارة التوتر والإجهاد أثناء العمليات المعقدة على خبرتهم الشخصية وحدسهم وتقييمهم الذاتي.

أما الحل فجاء من شركة Inclusive Brains (أدمغة شمولية)، التي شارك أولييه في تأسيسها، والتي تطور، بالتعاون مع شركة آي بي إم، أنظمة ذكاء اصطناعي متعددة الوسائط مستقلة عن نوع الأجهزة المستخدمة، بحيث يمكن تحويل أي جهاز مزود بالمستشعرات إلى نظام ذكاء اصطناعي عصبي تكيفي.

ويقول أولييه: “نستخدم الأجهزة القابلة للارتداء في حياتنا اليومية باستمرار، فلماذا لا نستفيد منها أيضاً داخل غرفة العمليات”؟

ويجمع النظام الحاصل على براءة اختراع بيانات مستمدة من موجات الدماغ، ومعدل ضربات القلب، والتنفس، وتتبع حركة العين، ونبرة الصوت، والتقاط الحركة، إضافة إلى تعابير الوجه أثناء مرحلة التدريب، وهي إشارة لا يمكن استخدامها خلال العمليات الجراحية بسبب الأقنعة التي يرتديها أفراد الطاقم الطبي.

ويشرح أولييه الفكرة قائلاً: “الهدف هو أن نزود نظام الذكاء الاصطناعي بمعلومات لا تقتصر على ما يحدث داخل غرفة العمليات، بل تشمل أيضاً ما يحدث داخل جسم الجرّاح ودماغه”.

من الإشارات الحيوية إلى رؤى قد تنقذ الأرواح

لا تكفي الإشارات العصبية والفسيولوجية، كلٌ على حدة، لتقديم صورة متكاملة عن الحالة الذهنية للجرّاح. لكن دمجها معاً يغيّر الصورة تماماً.

ويقول أولييه: “عندما تستخدم ذكاءً اصطناعياً عصبياً تكيفياً متعدد الوسائط، يصبح بإمكانك رصد مستويات التوتر والعبء المعرفي والانتباه في الوقت الفعلي”.

ومع ذلك، صُمم النظام بحيث يدعم الجرّاح من دون أن يشتت انتباهه.

ويضيف: “لا توجد أي تنبيهات، لأن التنبيهات نفسها قد تصبح مصدر إلهاء للجرّاح”.

وبدلاً من ذلك، تُعرض مؤشرات التوتر والانتباه والعبء المعرفي على شاشة تقع خارج مجال رؤية الجرّاح، بحيث يمكنه الاطلاع عليها متى شاء، ومن دون أن تقاطع سير العملية.

ويعكس هذا التصميم أحد المبادئ الأساسية للمشروع، وهو أن الذكاء الاصطناعي ينبغي أن يعزز اتخاذ القرار البشري، لا أن يقاطعه أو يحل محله.

وخلال عرض حي في يوم الابتكار في الذكاء الاصطناعي من أجل الصحة بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، شرح بارات للجمهور مهمة جراحية محاكاة قائلاً: “يوجد شريان على بعد سنتيمترين فقط خلف موضع إدخال الإبرة التي أستخدمها. وهذه من أكثر مراحل العملية توتراً”.

ويؤكد أنه في مثل هذه اللحظات يعتمد على أعلى درجات التركيز.

وقال: “إذا ساورني أي شك في قدرتي على التركيز، أتوقف. ألتقط أنفاسي، وأستعيد تركيزي، وأتأكد من عدم حديث أي شخص داخل غرفة العمليات ففي تلك اللحظة أحتاج إلى كامل قدرتي الذهنية”.

ويرى أن التغذية الراجعة التي يوفرها النظام تساعده على إدراك اللحظة التي يقترب فيها من حدوده المعرفية أو يتجاوزها، كما تمنحه وسيلة لتطوير أدائه باستمرار.

ويقول: “عندما تذهب إلى النادي الرياضي تستخدم أجهزة التتبع والأجهزة القابلة للارتداء، فتتحسن لأنك تتلقى تغذية راجعة مستمرة. واليوم أصبح الأمر نفسه ممكناً في الجراحة”.

أكثر اللحظات توتراً ليست أثناء الجراحة

بعد أشهر من جمع البيانات، خرج الباحثان بنتيجة لم يكونا يتوقعانها، فأعلى مستويات التوتر لدى الجرّاحين لا تحدث أثناء إجراء العملية، بل بعد انتهائها.

ويقول أولييه: “يبقى العبء المعرفي لدى الجرّاحين مرتفعاً طوال العملية، لكن مستوى التوتر يظل منخفضاً نسبياً مقارنة بحجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم. وقد لاحظنا نمطاً مشابهاً لدى سائقي الفورمولا 1 وكبار الطيارين العسكريين”.

أما التوتر الحقيقي، فيظهر عندما يلتقي الجرّاح بالمريض أو أفراد أسرته بعد انتهاء العملية.

ويشرح بارات ذلك قائلاً: “داخل غرفة العمليات أتعامل مع ركبة تحتاج إلى جراحة، لكن خارجها أتحدث إلى أخ، أو أخت، أو أحد الوالدين. عندها يعود الجانب الإنساني إلى الواجهة”.

ويضيف: “ما يسبب لنا التوتر ليس إجراء العملية نفسها، بل الخشية من ألا نكون قد أوفينا بما وعدنا به المريض وعائلته، والتفكير فيما كان يمكن أن يحدث لو سارت الأمور على نحو مختلف، وما قد يترتب على ذلك من عواقب”.

الخطوة التالية

بعد الدراسات الاستكشافية التي أُجريت مع جراحي الأسنان في مجموعة بايو تيك للأسنان، ثم مع جراحي العظام في المركز الدولي للركبة والمفاصل، يستعد الباحثون للانتقال إلى المرحلة التالية، وهي إجراء دراسة علمية أثناء عمليات جراحة الأعصاب، فور الحصول على الموافقات التنظيمية اللازمة.

ويقول أولييه: “نتطلع إلى توسيع نطاق تطبيق هذا الحل، ومواصلة الأبحاث المتقدمة، ثم تطوير منتجات تسهم في تحسين صحة الجرّاحين ورفاههم، والأهم من ذلك تحسين نتائج المرضى”.

وحصلت ورقة منهجية شارك في تأليفها أولييه وبارات، إلى جانب أساتذة جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي إليزابيث تشرشل (التفاعل بين الإنسان والحاسوب) وسيزاري ستيفانيني (الروبوتات)، والبروفيسور فلوريان روزر، الرئيس التنفيذي للشؤون الطبية في كليفلاند كلينك أبوظبي، على جائزة أفضل عرض تقديمي خلال المؤتمر الدولي لعلوم الأعصاب والتطبيقات السريرية الذي عُقد في مايو الماضي.

كما شارك روزر وأولييه في تأليف المقال الرئيس* في عدد يوليو من مجلة علم الأعصاب السريري وجراحة الأعصاب (Clinical Neurology and Neurosurgery)، الذي يستعرض استخدامات جديدة لواجهات الدماغ والحاسوب والمعلوماتية الكمية داخل غرف العمليات.

ويؤكد أولييه وبارات أن الهدف ظل ثابتاً، سواء خلال عرض المشروع في قمة الأمم المتحدة، أو خلال استعراضه أمام جمهور حي في معرض VivaTech بباريس في يونيو الماضي.

فمنذ انطلاق المشروع في أبوظبي عام 2023، انصبّ التركيز على هدف واحد: تعزيز خبرة الجرّاحين بالذكاء الاصطناعي العصبي التكيفي، بما يقلل المخاطر، ويرفع مستوى الأداء السريري، ويحسن نتائج المرضى، ويحافظ في الوقت نفسه على السلامة الجسدية والنفسية للأطباء.
* المرجع:
Oullier O., Roser R., Barbaste P. & Vasques X. (2026). Improving consciousness assessment through neuroadaptive artificial intelligence and quantum-enhanced brain-computer interfaces. Clinical Neurology and Neurosurgery, 266, 109396, https://doi.org/10.1016/j.clineuro.2026.109396 

 

أخبار ذات صلة

thumbnail
الثلاثاء، 21 أبريل 2026

تعزيز الإبداع والابتكار في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي

في اليوم العالمي للإبداع والابتكار، جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تستعرض كيف يسهم الإبداع والتعاون في.....

  1. مركز حضانة وريادة الأعمال ,
  2. التعليم ,
  3. الابتكار ,
  4. الحرم الجامعي ,
  5. الإبداع ,
  6. هيئة تدريسية ,
  7. التوجيه ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الخميس، 08 يناير 2026

تطوير ذكاء اصطناعي بلمسة إنسانية

ملتقى التفاعل بين الإنسان والحاسوب الأول في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يبحث مستقبل تعايش الإنسان.....

  1. HCI ,
  2. ندوة ,
  3. ملتقى ,
  4. تطوير ذكاء اصطناعي بلمسة إنسانية ,
  5. التفاعل بين الإنسان والحاسوب ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الخميس، 25 ديسمبر 2025

الذكاء الاصطناعي وكيف تخيله الفن السابع على مر العقود

لطالما استخدم صانعو الأفلام الذكاء الاصطناعي للتعبير عن آمال البشر ومخاوفهم، وطرح أسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية.

  1. الذكاء الاصطناعي ,
  2. الفن السابع ,
  3. السينما ,
  4. الخيال ,
  5. الخيال العلمي ,
اقرأ المزيد