وُلد سيزاري ستيفانيني في مدينة بيزا، قلب إقليم توسكانا، حيث يتقاطع التاريخ العلمي مع روح الابتكار لينشأ في بيئةٍ تشكّلت عبر قرون من الاكتشافات، من إرث دافنشي وغاليليو إلى روائع برونليسكي الهندسية، لذا لم يكن شغفه بالهندسة خياراً عابراً، بل امتداداً طبيعياً لسياق ثقافي وعلمي عريق.
يقول: “بيزا والمنطقة الأوسع حاضنة للعلوم النظرية والتطبيقية؛ قرأتُ عن كل ذلك وأنا صبي. أحببتُ الهندسة، وكان ذلك الزمن يشهد ازدهاراً في الروبوتات والأتمتة—كان بداية الروبوتات العامة، حيث انتقلنا من روبوتات تُنجز مهام محددة إلى روبوتات تؤدي مهام عامة”.
وتحتضن بيزا أيضاً كلية سانت آنا العليا (SSSA)، أحد أبرز مراكز الروبوتات في إيطاليا ومقر “معهد الروبوتات الحيوية” المعروف عالمياً. في هذا المحيط، تبلور شغف ستيفانيني بالروبوتات، لتنطلق مسيرة علمية قادته من تطوير روبوتات ميكروية دقيقة إلى الإسهام في تصميم أنظمة جراحية معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية. واليوم، بصفته أستاذاً للروبوتات في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، يواصل هذا الإرث، موجهاً خبرته نحو تطوير تقنيات طبية تعيد رسم حدود التفاعل بين الإنسان والآلة.
انطلقت رحلة ستيفانيني من ريف بيزا إلى الساحة العالمية عبر معهد الروبوتات الحيوية، حيث عمل تحت إشراف مؤسس المعهد ومرشده باولو داريو. لطالما كان المعهد مركزاً لأعمال رائدة في الروبوتات الحيوية والطبية، والتقنيات القابلة للارتداء، والأنظمة الميكروية/النانويّة. صقل ستيفانيني خبرته التقنية في هذا المناخ المتقدّم من البحث متعدد التخصصات ، وبدأ في بلورة مقاربته الابتكارية التي ستحدد معالم مسيرته لاحقاً.
خلال تلك الفترة، اقترح داريو على ستيفانيني المشاركة في مسابقة دولية في ناغويا باليابان. يستذكر ستيفانيني: “في السنة الأولى من برنامج الماجستير، اقترح عليّ أستاذي أن أنضم إلى مسابقة روبوتات دولية في اليابان. كان على روبوتات صغيرة، بحجم سنتيمتر مكعب أو بوصة مكعبة، أن تجتاز متاهة فوق مكتب في أقصر زمن ممكن”.

ستيفانيني أثناء مسابقة الروبوتات في ناغويا مع أستاذه ومرشده، البروفيسور باولو داريو.
ويضيف: “كان علينا تطوير مكوّنات الروبوتات لأنك لم تكن تجد حينها قطعاً جاهزة بتلك المقاييس؛ لذا كان الاختراع والحنكة وتطوير التكنولوجيا الأساسية جزءاً كبيراً من التحدي”.
وقد فاز ستيفانيني في المسابقة بتصميمه الخاص، وهي لحظة يعتبرها البداية الحقيقية لمسيرته. كما أتاح له وجوده في اليابان الاطلاع على بيئة علمية متقدمة كانت، آنذاك، في طليعة التطور التكنولوجي عالمياً. ويضيف: “كانت تجربة أشبه بالنظر إلى المستقبل. هناك قررت متابعة الدكتوراه، لأنني أدركت أن البحث العلمي هو المسار الذي أريد أن أكرّس له جهدي”.
تابع ستيفانيني دراساته العليا في كلية سانت آنا، مع فترة بحثية في مركز أبحاث التصميم بجامعة ستانفورد، حيث تعاون مع رائد الروبوتات مارك كتكوفسكي.
تمحور عمله حول الروبوتات المصغّرة للتطبيقات الطبية، جامعاً بين اهتمامين رئيسيين: استلهام الحلول من الأنظمة البيولوجية، وتصميم أدوات قادرة على التدخل في هذه الأنظمة بهدف علاجها.
ويقول: “البيولوجيا تمثّل التحدي الأكبر من منظور هندسي؛ فهي أنظمة عالية الكفاءة والقدرة والمتانة. لدينا الكثير لنتعلمه منها. أما محاولة إصلاح الأنظمة البيولوجية أو البيئية، فهي من أصعب التحديات، لأننا نتعامل مع منظومات شديدة التعقيد”.
وخلال هذه المرحلة، تعاون مع جرّاحين لتطوير أدوات روبوتية لإجراءات دقيقة مثل المفاغرة ومناورة الأنسجة. ولا يزال يتذكر لحظة استخدام أحد أجهزته المصغّرة بنجاح في تجربة جراحية حقيقية—تجربة يصفها بأنها “غيّرت مسار حياته”.
كما ساهمت شراكات مع شركات مثل Intuitive Surgical وKarl Storz في تحويل هذه الابتكارات من نماذج أولية إلى تطبيقات عملية، في حين قادته تعاوناته مع معهد كارولينسكا في السويد إلى استكشاف أنظمة التحكم العصبي باستخدام روبوتات سبّاحة.
هذه التجارب، التي امتدت عبر الهندسة والطب وعلوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي، رسّخت نهجاً بحثياً قائماً على التكامل بين التخصصات، وهو النهج الذي أصبح السمة الأبرز في مسيرته.
يغطي نطاق أبحاث ستيفانيني طيفاً واسعاً من التقنيات، بدءاً من روبوتات بحجم الحشرات، مروراً بالروبوتات اللينة المصممة للتفاعل الآمن مع الإنسان، وصولاً إلى أدوات ذاتية الحركة للتنظير الداخلي. وتُعد هذه الإسهامات من الأعمال المرجعية في مجال الميكروميكاترونكس الطبية.
كما طوّر أنظمة روبوتية حيوية هجينة حظيت باهتمام مجتمعي الهندسة وعلوم الأعصاب، في إطار سعيه لفهم التفاعل بين الأنظمة الاصطناعية والبيولوجية.
ومن أبرز إنجازاته مشاركته في تطوير الروبوت الجراحي المجهري الذي تجارياً عبر شركة Medical Microinstruments. يتيح نظام Symani Surgical System للجرّاحين استخدام أدوات دقيقة للغاية لا يتجاوز عرضها مليمترين، ما يمكّن من إجراء عمليات “فوق مجهرية” على تراكيب أدق من سُمك شعرة الإنسان.
هذا المستوى من الدقة فتح آفاقاً جديدة في الجراحة، حيث أصبحت مهام كانت مستحيلة سابقاً قابلة للتنفيذ بدقة روبوتية. وقد حصل النظام على اعتمادات تنظيمية في أوروبا والولايات المتحدة، ويُستخدم حالياً في الجراحات الترميمية وجراحات الأعصاب، كما أُدرج ضمن قائمة أفضل الابتكارات لعام 2024 وفق مجلة Time.
وبأكثر من 240 منشوراً علمياً و18 براءة اختراع دولية—استُثمر عدد منها صناعياً عبر شركات عالمية—يمثل عمل ستيفانيني نموذجاً واضحاً لكيفية انتقال البحث العلمي من المختبر إلى التطبيق.
بعد أن شغل منصب مدير معهد الروبوتات الحيوية، ثم عميد كلية العلوم التطبيقية التجريبية في كلية سانت آنا العليا، أسّس سيزاري ستيفانيني كذلك “مختبر التصميم الهندسي الإبداعي” وتولى قيادته، مطوّراً من خلاله مقاربات بحثية عابرة للتخصصات عند تقاطع الروبوتات والذكاء الاصطناعي والبيولوجيا. كما قاد مركزاً للابتكار في الهندسة الصحية بجامعة خليفة، ركّز على تطوير تقنيات تصل بين البحث الأكاديمي والممارسة السريرية في دولة الإمارات.
لكن حين برزت فرصة الانضمام إلى جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بدت بالنسبة إليه خطوة يصعب تجاهلها. ويقول: “إمكانية العمل في بيئة تضم هذه النخبة من أعضاء هيئة التدريس من مختلف أنحاء العالم كانت فرصة فريدة، لا سيما تحت مظلة الذكاء الاصطناعي”. ويضيف: “هناك أيضاً أجندة واضحة للرعاية الصحية في دولة الإمارات، وهو مجال تشتد الحاجة إلى تطويره، وأتطلع إلى الإسهام فيه من خلال الجامعة”.
وتتمحور مشاريعه الرئيسية في الجامعة حول تدريب أنظمة ذكاء اصطناعي على أتمتة مهام جراحية محددة، مثل تشريح الأنسجة والخياطة الجراحية، إلى جانب تطوير المناظير والقساطر عبر دمج التحكم الروبوتي وتعزيز التغذية الحسية الراجعة.
ويشرح ستيفانيني هذا التوجه بقوله: “تنفيذ المهام الجراحية بمساعدة روبوتية مشروع ثري للغاية، لأنه يجمع بين النماذج الأساسية، ورؤية الحاسوب، وتعلّم الآلة، وواجهات التفاعل بين الإنسان والآلة. وهذا ما يجعله مساحة تلتقي فيها فرق الجامعة ومختبراتها المختلفة بصورة جميلة ومتكاملة”.
أما المشروع الثاني، فيقوم على تصور الجراح وكأنه يعمل إلى جانب “مساعد طيار” ذكي خلال إجراءات دقيقة، مثل إزالة جلطة دموية، حيث يصبح الإحساس بالمقاومة وبنية الأنسجة عاملاً حاسماً. وبدلاً من أن يتحكم الجرّاح وحده في الجزء القريب من الأداة، يمكن لنظام روبوتي أن يتعاون معه في التقدّم أو التراجع أو الدوران أو التوجيه، استناداً إلى التغذية الحسية المتاحة أثناء الإجراء.
ويشير أيضاً إلى مثال آخر في كهرُفيسيولوجيا القلب، حيث قد يؤدي الضغط الزائد إلى إحداث ضرر في الأنسجة. ومن خلال تحسين التصوير الطبي، والنمذجة، وتحليل تشوّه الأنسجة، يصبح بالإمكان تزويد الجرّاح بقدر أكبر بكثير من المعلومات اللحظية التي تدعم اتخاذ القرار أثناء التدخل الطبي.
ولا تستهدف هذه المبادرات توسيع آفاق البحث العلمي فحسب، بل تسعى أيضاً إلى تحقيق أثر سريري ملموس واستقطاب شركاء من القطاع الصناعي.
ومع هذه المرحلة الجديدة من مسيرته، يبدو واضحاً أن ستيفانيني يواصل إرث توسكانا القائم على الفضول العلمي والخيال الهندسي، لكنه يعيد صياغته هذه المرة ضمن أفق الذكاء الاصطناعي. فمن روبوتات ميكروية تتسابق في متاهات باليابان، إلى أنظمة جراحية متقدمة معتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في أوروبا، تجسّد مسيرته مزيجاً من الاستمرارية والتجدد. وفي جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، تتجه هذه الروح الابتكارية اليوم نحو تطوير الجيل المقبل من الروبوتات الطبية، بما ينطوي عليه ذلك من إمكانات واعدة لإحداث تحول ملموس في الرعاية الصحية داخل دولة الإمارات وخارجها.
جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تسهم في تطوير منظومة متقدمة من الأسماك الروبوتية القادرة على السباحة.....
تجسّد هذه الشراكة جسراً يربط بين أبحاث الذكاء الاصطناعي التأسيسية والتطبيقات الصناعية.
اقرأ المزيدلطالما استخدم صانعو الأفلام الذكاء الاصطناعي للتعبير عن آمال البشر ومخاوفهم، وطرح أسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية.