كرّس تِيد بريسكو مسيرته البحثية لمعالجة بعض أكثر القضايا تعقيداً في معالجة اللغة الطبيعية، من التحليل النحوي إلى تمثيل المعنى والبنية اللغوية. لكن تأثيره لم يقتصر على البحث الأكاديمي، فقد سعى أيضاً إلى تحويل هذه الأفكار إلى تطبيقات عملية وشركات ناشئة في مسيرة جمعت بين البحث العلمي والتطبيق.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود قضاها في جامعة كامبردج، انضم بريسكو العام الماضي إلى جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، حيث يشغل منصب نائب رئيس قسم معالجة اللغة الطبيعية، إلى جانب عمله أستاذاً في القسم. وتتركز اهتماماته الحالية حول ثلاثة مشاريع رئيسة تهدف إلى تطوير هذا المجال وتقديم فوائد مباشرة للمستخدمين.
في مرحلة مبكرة من مسيرته، عمل بريسكو لدى شركة “كامبردج أسسمنت”، حيث ساهم في تطوير تطبيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتصحيح الامتحانات وتقييمها وتقديم الملاحظات للطلاب. ويواصل تِيد اليوم هذا التوجه في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي من خلال مبادرة في تكنولوجيا التعليم هدفها دعم مهارات القراءة والكتابة لدى الناطقين بالعربية في منطقة الخليج، ومساعدتهم على تحسين إتقانهم للغة العربية الفصحى الحديثة.
ويوفر النظام آلية لتقييم كتابات الطلاب، ويساعد على تطوير قدراتهم في الكتابة باللغة العربية عبر توليد ملاحظات مؤتمتة مصممة خصيصاً لكل مستخدم. ويتميز النظام – الذي يجري تطويره بالتعاون مع شركة “آي بي إم” – بقدرته على التكيّف مع الاحتياجات الفردية للمستخدمين، حيث يقوم بتحليل كتاباتهم ثم يولّد أسئلة وتمارين مصممة خصيصاً لدعم تطورهم اللغوي. وقد تم تسليط الضوء على هذا المشروع مؤخراً في النشرة البحثية السنوية للجامعة “ذي نود“.
تشمل مبادرات بريسكو الأخرى مشروع تعاون مع “سوق أبوظبي العالمي”، وهو مركز مالي ومنطقة حرة في العاصمة. ويهدف هذا المشروع إلى تطوير نظام للإجابة عن الأسئلة يساعد الشركات التي تفتقر إلى الفهم الكافي للقوانين والأنظمة المحلية المعمول بها في اتخاذ قرار تأسيس مكتب لها في أبوظبي.
تاريخياً، كان افتتاح مكاتب أو فروع خارجية حكراً إلى حد كبير على الشركات الكبرى التي تمتلك فرق امتثال قانوني وإدارات متخصصة قادرة على متابعة التغيرات المستمرة في الأطر التنظيمية؛ غير أن هذا الأمر لا يتاح لجميع الشركات، إذ إن توظيف خبراء لمواكبة هذه التغيرات التنظيمية المتسارعة يُعد مكلفاً للغاية. ومن شأن التطبيق الذي يعمل بريسكو على تطويره لـ “سوق أبوظبي العالمي” أن يتيح للشركات الصغيرة فرصة دخول سوق أبوظبي بتكلفة أقل، ويفتح أمامها مجالات كانت في السابق خارج نطاق قدرتها.
ويُعد تطوير نظام مخصص للإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالتشريعات تحدياً أمراً معقداً، إذ يتطلب مستوى عالٍ من الدقة، إضافة إلى القدرة على مواكبة التحديثات المستمرة للمعلومات.
وتستند أنظمة الإجابة عن الأسئلة إلى نماذج لغوية كبيرة يتم تدريبها على كميات هائلة من النصوص – ويوضح بريسكو قائلاً: “تكمن إحدى مشكلات هذه النماذج في أنها – رغم اطلاعها على كميات هائلة من النصوص – لا تخزن المعرفة بصورة مترابطة، بل على هيئة أجزاء متناثرة يعيد النموذج تركيبها وفق علاقات احتمالية”. وقد يؤدي هذا الأسلوب في توليد الجُمل إلى ظهور ما يُعرف بـ “الهلوسة”، أي إنتاج عبارات تمزج بين الحقائق والمعلومات غير الدقيقة.
ولمواجهة هذه الإشكالية، يعمل بريسكو وفريقه على دمج تقنية تُعرف باسم “التوليد المعزز بالاسترجاع”، والتي تجمع بين قدرات النماذج اللغوية التوليدية وأنظمة استرجاع المعلومات؛ وفي هذا النهج – عندما يُطرح سؤال معين – يقوم النظام بالبحث عن مقاطع ذات صلة داخل الوثائق المصدرية – وغالباً ما تكون ملفات بصيغة PDF منشورة على مواقع الجهات الحكومية – ثم يزود بها النموذج اللغوي لصياغة الإجابة.
ويقول بريسكو: “إن مدخلات النموذج لا تقتصر على السؤال فقط، بل تشمل أيضاً المقاطع التي تم استخراجها من مجموعة الوثائق بعد تحديد صلتها بالسؤال المطروح”. ويضيف قائلاً: “ثم نقوم بحصر مهمة النموذج في نطاق أكثر تحديداً من خلال تزويده بالمعلومات ذات الصلة وإلزامه بالاعتماد فقط عليها في صياغة الإجابة، بدلاً من الاعتماد على معارفه العامة المكتسبة أثناء التدريب”.
ويرى أن هذا النهج يساعد أيضاً في التعامل مع الطبيعة المتغيرة للمعلومات، إذ إن القوانين واللوائح تتبدل باستمرار، وبالتالي فإن قاعدة البيانات الخاصة بهذا التطبيق ليست ثابتة. كما أشار تِيد إلى أن ميزة “كوبايلوت” في محرك البحث “بينغ” التابع لشركة مايكروسوفت تقدم وظيفة مشابهة، حيث توفر إجابات بأسلوب المحادثة، مع إتاحة الروابط التي استُقيت منها المعلومات.
ويهدف هذا النهج، القائم على بناء الإجابات من مجموعات محددة وموثوقة من المواد، إلى تقليل احتمالات “الهلوسة” وتحسين دقة النظام بشكل عام.
رغم أن هذا المسار البحثي ما يزال في بداياته مقارنة بغيره، إلا أن الاتجاه الثالث في عمل تِيد بريسكو يُعدّ من أكثر المسارات طموحاً، إذ يعمل على تطوير برامج للغة الطبيعية لا تكتفي بتوليد النصوص، بل تسعى أيضاً إلى فهم المعنى الكامن في اللغة، وهو أمر ما تزال النماذج الحالية عاجزة عن تحقيقه. بل إن ما يُعرف بـ “الهلوسة” في هذه النماذج يُعد في جوهره انعكاساً لهذا القصور في إدراك المعنى.
وعن هذا يقول بريسكو: “يسود اعتقاد في الأوساط البحثية بأن المشكلة الأساسية في النماذج اللغوية الكبيرة تكمن في ضعف قدرتها على الاستدلال ووقوعها في الهلوسة، لكنني أرى أن المشكلة أعمق من ذلك، فهي لا تدرك العلاقة بين البنية اللغوية والمعنى إدراكاً كاملاً”.
وباعتبارها شكلاً من أشكال تعلم الآلة، تعتمد النماذج اللغوية الكبيرة على مبادئ إحصائية، إذ تقوم عند توليد النصوص بالتنبؤ بالكلمة التالية في الجملة بناءً على احتمالات مستمدة من الجمل التي تعاملت معها سابقاً خلال التدريب – ويضيف بريسكو: “تعوّض هذه النماذج افتقارها إلى الفهم الحقيقي للكيفية التي يتولد بها المعنى في اللغة باعتمادها على مخزون واسع من المعرفة العامة”.
ويرى بريسكو أن الوصول إلى إجابات مقبولة بالاعتماد على المعرفة العامة بدلاً من الفهم العميق للغة ليس حكراً على الآلات، بل يحدث أيضاً في التفاعل البشري. فالسائح، على سبيل المثال، قد يستخدم لغة أجنبية بشكل غير نحوي عند سؤاله عن مكان دورة المياه، إلا أن الشخص المحلي لا يحتاج إلى تحليل لغوي دقيق للجملة بقدر ما يعتمد على السياق وفهمه العام للمقصود – ويقول بريسكو: “في مثل هذه الحالة، لا يقوم الشخص المحلي بمعالجة اللغة بشكل دقيق، بل يعتمد على قدر كبير من المعرفة الخلفية لاستنتاج نية المتحدث”.
وبالمثل، فإن النماذج اللغوية، حتى الأكثر تقدماً مثل GPT-4 من “أوبن إيه آي”، تقوم بعملية مشابهة عندما تقدم إجابات صحيحة، إذ تعتمد على التخمين القائم على السياق أكثر من الفهم العميق.
ولمعالجة هذا القصور، أطلق بريسكو وفريقه مشروعاً يهدف إلى فصل قدرة النموذج على التعامل مع البنية اللغوية عن المعرفة المرتبطة بالكلمات الفردية. ويتم ذلك من خلال تدريب النموذج على لغة اصطناعية، حيث تتيح هذه البيئة اختبار كيفية توليد المعنى بشكل أكثر وضوحاً، نظراً لأن النموذج في هذه الحالة لا يستطيع الاعتماد على “المعرفة العامة المتراكمة حول الكلمات”، كما يوضح بريسكو”. ويضيف: “في اللغة الاصطناعية – ومن أجل التنبؤ بالمكون اللغوي التالي في الجملة – يجب على النموذج أن يفهم بنية الجملة نفسها، لأنه لا يمتلك الخلفية المعرفية الموجودة في لغات مثل الإنجليزية”.
ويُظهر هذا النهج بوضوح الأخطاء التي يرتكبها النموذج، ما يسمح للباحثين بتحليلها وتصنيفها بدقة، ومن شأن ذلك أن يساعد في تطوير أساليب جديدة لمعالجة اللغة تكون أكثر كفاءة في استهلاك البيانات، وقادرة – بحسب بريسكو – على تعلم البنى الدلالية بشكل أسرع وأكثر دقة.
ويشير أيضاً إلى أن لهذه النتائج تداعيات تتجاوز اللغة الإنجليزية، لتشمل جميع اللغات التي قد تتعرض للتهميش في ظل التطور الحالي للتقنيات اللغوية.
تُعدّ الأخطاء التي ترتكبها النماذج اللغوية انعكاساً مباشراً لمحدودية البنية الحسابية التي تقوم عليها هذه الأنظمة في وقت أصبح فيه الجيل الحالي من النماذج اللغوية الكبيرة يعتمد على بنية شبكات عصبية تُعرف باسم “المحوّلات” (Transformer)، وهي بنية طُرحت لأول مرة عام 2017 من قبل فريق من الباحثين في “غوغل”، وذلك ضمن ورقة بحثية أصبحت لاحقاً مرجعاً أساسياً في المجال حملت عنوان: “Attention Is All You Need“.
وتُعتبر هذه البنية بنيةً فعالة في معالجة اللغة الطبيعية لقدرتها على التعامل مع ما يُعرف بـ “العلاقات بعيدة المدى”، أي العلاقات اللغوية الممتدة عبر أجزاء متباعدة من النص. وهذا ما يتيح لها تقييم أهمية كل جزء من النص بغض النظر عن موقعه، وبالتالي فهم الروابط بين الكلمات حتى عندما تكون متباعدة داخل الجملة.
ويشرح بريسكو هذا المفهوم قائلاً: “تعتمد بنية المحوّلات، في جوهرها، على افتراض أن كل كلمة في الجملة قد تكون ذات صلة بأي كلمة أخرى، ولذلك تُؤخذ جميع العلاقات المحتملة بين الكلمات في الحسبان عند معالجة النص”. ويضيف: “هذا هو الأساس، أو ما يمكن تسميته الافتراض الأولي الذي تقوم عليه بنية المحوّل”.
غير أن هذه الطبيعة القائمة على “الاهتمام بكل شيء” هي نفسها التي تؤدي أيضاً إلى بعض الأخطاء اللغوية التي لا يقع فيها البشر عادةً. ففي حين يستطيع الإنسان تتبع العلاقات بين الكلمات المتباعدة داخل الجملة، إلا أن آلية الانتباه لديه، كما يرى بريسكو، أكثر انتقائية ودقة – ويقول: “أعتقد أن البشر ينطلقون من افتراضات معرفية أولية أكثر تحديداً؛ فنحن نوجّه انتباهنا بصورة انتقائية إلى ما يستحق التركيز، ثم نعيد تنظيم المعلومات بسرعة بطريقة تجعل فهم ما يأتي لاحقاً في الجملة أكثر سهولة مما هو عليه في نماذج المحوّلات”.
ويأمل بريسكو أن يتيح فهم نقاط القصور في بنية المحوّلات استخلاص مؤشرات تساعد على تطوير نماذج جديدة أكثر كفاءة من حيث البيانات والحوسبة، وفي الوقت ذاته قادرة على ربط آلية الانتباه بالسياق بطريقة أكثر دقة وعمقاً.
خريجة الماجستير تزينكسي وانغ تستكشف الميكانيزمات الداخلية التي تتحكم في طريقة معالجة النماذج اللغوية الكبيرة للغة وأساليب.....
من مجرد فضول بحثي هدفه كشف الأكواد البرمجية المولدة آلياً، تحوّل مشروع خريج الماجستير دانييل أوريل إلى.....
طوّر باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي منهجية DP-Fusion، وهي طريقة تتيح حماية البيانات الحساسة.....