من تساؤل بسيط حول طبيعة الأكواد البرمجية، انطلقت رحلة علمية قادت دانييل أوريل إلى إنجازات لافتة في مجال الذكاء الاصطناعي. فقد استطاع خريج الماجستير، خلال فترة وجيزة، تحويل فكرة أولية إلى برنامج بحثي متكامل في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أثمر عن إنتاج علمي غني يعكس شغفه بالبحث والاكتشاف.
بدأت قصة دانييل، الطالب الجامعي الذي يستعد لنيل درجة الماجستير في معالجة اللغة الطبيعية خلال حفل تخرجه يوم الخميس 7 مايو، كانت خلال مشاركته في تحكيم أولمبياد وطني للذكاء الاصطناعي في موطنه كازاخستان، حين لاحظ أن نمط كتابة الأكواد المقدّمة من الطلاب يحمل سمات غير مألوفة – ويتذكر تلك اللحظة قائلاً: “أثناء مراجعة المشاركات، أدركت أن كثيراً منها يبدو غريباً بشكل لافت، إذ اتسم ببنية محددة تشبه إلى حد كبير ما تولده النماذج اللغوية الكبيرة. واتضح لي، في النهاية، أنني لم أكن أقيم أداء الطلاب، بل كنت أقيم مخرجات الذكاء الاصطناعي”.
بين الدهشة والقلق، تبلورت لدى دانييل إشكالية بحثية محورية مرتبطة بالإجابة على سؤال “كيف يمكن التمييز بين ما يكتبه الإنسان وما ينتجه الذكاء الاصطناعي؟”. ويشير – في السياق – إلى أن هذه المسألة لم تعد نظرية، بل باتت تمثل تحدياً عملياً في الأوساط التعليمية – ويوضح قائلاً: “أصبحت هذه الظاهرة تتيح هامشاً كبيراً للغش من جانب الطلاب ما يستدعي تطوير أدوات قادرة على مواجهتها – رغم إدراكي بأن مثل هذا العمل قد لا يحظى بترحيب الجميع”.
انطلاقاً من هذه القناعة، شرع دانييل في تطوير نموذج أولي خلال فترة قصيرة لم تتجاوز شهراً واحداً والذي – ورغم بساطته – أثبت فاعلية لافتة. وتمثلت الإضافة النوعية في قدرة هذا النموذج على رصد “الأكواد الهجينة” الناتجة عن تعاون الإنسان مع النماذج اللغوية، وهو ما فتح مساراً بحثياً جديداً في هذا المجال. وقد تُوّج هذا العمل بقبوله ضمن فعاليات مؤتمر “ACL Findings 2025” ليشكّل أول إنجاز علمي بارز له.
وقد دفع هذا النجاح دانييل إلى تعميق بحثه في هذا الاتجاه، فاختار موضوع “كشف الأكواد البرمجية المُولدة بالذكاء الاصطناعي” محوراً لأطروحته للماجستير في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي التي التحق بها عام 2024. وجاءت الأطروحة في صيغة متكاملة، ضمّت ثلاث أوراق بحثية من بينها أعمال قُدّمت ضمن إطار التقييم الدولي “SemEval” – المنصة الدولية لتقييم نظم التحليل الدلالي.
قدمت الأوراق الثلاث معالجة منهجية متعددة الأبعاد للمشكلة، حيث ركزت الدراسة الأولى على تفكيك الفرضية التقليدية التي تحصر مصدر الأكواد بين الإنسان والآلة، متجاهلة واقع التعاون المتزايد بينهما. أما الورقة الثانية، فقد طرحت أساليب أكثر تطوراً للكشف، تأخذ في الاعتبار السلوكيات التضليلية التي تهدف إلى إخفاء دور الذكاء الاصطناعي. في حين انتقلت الدراسة الثالثة إلى مراجعة منهجيات التقييم نفسها، داعية إلى اختبار الأنظمة في ظروف تحاكي الاستخدامات الواقعية بدلاً من البيئات المثالية المغلقة.
وبهذا التسلسل، انتقل عمل دانييل من رصد فجوة معرفية، إلى تطوير أدوات عملية، وصولاً إلى إعادة التفكير في معايير التقييم، ما أسهم في تقديم فهم أكثر دقة وواقعية لطبيعة الأكواد المُولدة بالذكاء الاصطناعي في التطبيقات الفعلية.
ويختتم دانييل تجربته قائلاً: “ما بدأ كمشروع بدافع الفضول والتسلية، تحوّل إلى مسار بحثي أعمق وأكثر أهمية مما كنت أتوقع، وهو ما أشعر حياله بقدر كبير من الرضا”.
تعكس هذه التجربة كيف يمكن لفكرة بسيطة، مدفوعة بالفضول العلمي، أن تتطور إلى إسهام حقيقي في معالجة أحد أبرز تحديات العصر الرقمي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى أدوات تضمن النزاهة والشفافية في ظل الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
تُعد متعة الاكتشاف خيطاً ناظماً في مسيرة دانييل أوريل البحثية، إذ لا ينظر إلى العمل الأكاديمي بوصفه مهمة تقليدية، بل مساحة مفتوحة للتجربة والمساهمة. ويعكس شغفه بحل المشكلات ميلاً واضحاً للانخراط في أكبر عدد ممكن من المشاريع، وهو نهج تبناه منذ سنواته الدراسية الأولى، قبل التحاقه بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي.
يذكر أن دانييل قد خاض، خلال دراسته في جامعة نزارباييف، تجارب بحثية متنوعة غطت مجالات من تقنيات معالجة الكلام إلى الفيزياء الفلكية. كما قد أسهم في تطوير واحدة من أولى قواعد البيانات واسعة النطاق للتعرف على اللغة الكازاخية وتوليدها، قبل أن ينتقل إلى نمذجة المستعرات العظمى باستخدام تقنيات تعلم الآلة. كما اكتسب خبرة عملية في شركة “ياندكس”، حيث عمل على تطبيقات تعلم الآلة المرتبطة بسلوك المستخدم وتحسين الأنظمة.
وقد قاده هذا الفضول العلمي فيما بعد إلى الالتحاق بـ “برنامج التدريب البحثي للطلاب الجامعيين” في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، حيث طوّر نظاماً لتحليل وسائل الإعلام قادراً على تقييم مصداقية المواقع الإلكترونية وتوجهاتها السياسية – ويصف دانييل تلك التجربة قائلاً: “كانت تجربة ثرية للغاية ساعدتني على حسم قراري وجعلتني أدرك حينها أن هذه الجامعة هي حيث أريد أن أكون”.
واصل دانييل في الجامعة تنقله بين المشاريع البحثية، مساهماً في تطوير نموذج اللغة الكازاخية “شيركالا“، والعمل على منهجيات التقييم، إضافة إلى مشاركته في أبحاث مشتركة مثل “FinChain”. كما وسّع نطاق أبحاثه من خلال تعاون مع مختبر UKP في ألمانيا، ما عزز جهوده في مجال كشف الأكواد المُولدة بالذكاء الاصطناعي.
ويؤكد دانييل أن دافعه الأساسي يتمثل في الرغبة بالمساهمة وتقديم الدعم – قائلاً: “أستمتع بمساعدة الآخرين، ولدي بعض الخبرة التي تمكّنني من تحسين العمل. عندما أجد مشروعاً مثيراً للاهتمام، أبادر بالمشاركة”. ويضيف: “في مشروع FinChain، أدركت إمكانية تحسين المنهجية بالاستفادة من تقنيات تحليل السلاسل الزمنية، وقد أثبت ذلك فعاليته، حيث أسهم في تحسين النتائج وقاد إلى قبول البحث في المؤتمر رابطة اللغويات الحاسوبية، وهو إنجاز مرموق”.
وخلال فترة دراسته في الجامعة، قاد دانييل أو شارك في إعداد 12 ورقة بحثية قُبلت في مؤتمرات علمية، بينها عدد من أبرز المحافل العالمية، وهو إنجاز يُعد استثنائياً على مستوى طلبة الماجستير.
ويُرجع دانييل هذا الزخم البحثي إلى الدعم الذي تلقاه من مُشرِفه الأكاديمي، البروفيسور بريسلاف ناكوف، رئيس قسم وبروفيسور معالجة اللغة الطبيعية، مشيداً بدوره في توجيه العمل وتطويره – ويقول: “كان دعمه حاضراً في كل التفاصيل، من طرح الأفكار إلى تقديم المقترحات التي تعزز جودة البحث. كما أتاح لي حرية التعاون مع باحثين آخرين في مشاريع مختلفة، طالما أن ذلك يسهم في تطويري ويعزز إنتاجيتي”.
بعد مسيرة أكاديمية حافلة بالإنجازات في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، يقدّم دانييل أوريل نصيحة صريحة للطلبة الجدد، تقوم على روح المبادرة والجرأة. ويؤكد أن خوض غمار المنافسة البحثية يتطلب شجاعة حقيقية – قائلاً: “عليك أن تتحلّى بالجرأة لتقديم أعمالك إلى المؤتمرات؛ فأنت لا تعرف أبدًا إلى أين قد تقودك هذه الفرص. قد يبدو الأمر مخاطرة كبيرة، لكن تذكّر أن حتى الأبحاث المتميزة قد لا تحظى بالتقدير الذي تستحقه – والأهم هو أن تخوض التجربة وتحاول”.
ويستشهد دانييل بتجربة شخصية لمشروع بحثي لم يُقبل من المحاولة الأولى، بل احتاج إلى عدة محاولات قبل أن يرى النور، ما عزز قناعته بأن المثابرة عنصر حاسم في النجاح – ويضيف: “لا تتخلَّ عن عملك.. فإذا كنت تسعى لإحداث أثر حقيقي، فعليك الاستمرار والتقديم إلى المؤتمرات الكبرى.. ولا تدع قلة الخبرة تدفعك لتخفيض سقف طموحاتك، بل انخرط في أكبر عدد ممكن من المشاريع وامضِ قدماً بثقة”.
وحسب دانييل فإن تأثير الجامعة لا يقتصر على الإنتاج العلمي فحسب، بل يمتد ليشكل طريقة التفكير ذاتها – ويوضح قائلاً: “الأمر مرتبط بالبيئة والأشخاص الذين تتفاعل معهم، وبالنهج الذي يتبعه الجميع هنا في التعامل مع المشكلات. كما أنك، في هذه الجامعة، تتعلم أن تُخضع كل شيء للتساؤل وألا تتعامل مع المعلومات بشكل مسلّم به. وتذكر دائما أن التحليل والنقد ومحاولة التحسين هي جوهر العقلية التي تكتسبها هنا”.
ومن هذا المنطلق، يعتزم دانييل مواصلة مسيرته الأكاديمية كطالب دكتوراه في الجامعة، مع تركيز محتمل على كيفية توليد النماذج للبرمجيات وفهمها، وهو امتداد مباشر لعمله في مرحلة الماجستير.
ويعزو قراره بالاستمرار في المسار الأكاديمي إلى ما يوفره من مرونة فكرية وقدرة على رسم ملامح المشكلات البحثية بنفسه، قائلاً: “في القطاع الصناعي، تكون الأهداف محددة إلى حد كبير، وهو أمر قد يكون إيجابياً، لكنني أفضل حرية البحث الأكاديمي، حيث يمكنني الإبداع في طرح الحلول وتغيير المسار عند الحاجة”. ويختتم بالقول: “إلى جانب ذلك، أشعر بحماس كبير تجاه المسار الذي تمضي فيه جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي”.
بعد ستة أعوام من الإنجاز العلمي المتسارع والتأثير العالمي، الحاصلة على المرتبة الأولى على دفعة عام 2026.....
كلمة رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والبروفيسور الجامعي، إريك زينغ، الموجّهة إلى دفعة 2026 بتاريخ.....
MBZUAI's Class of 2026 is made up of 140 Ph.D. and Master's graduates across Computer Science, Computer.....