في وقتٍ باتت فيه نظم الذكاء الاصطناعي قادرة على حلّ المسائل المعقدة، والتنقل بسلاسة بين اللغات، وإنتاج ردود تبدو أقرب إلى ما يمكن للإنسان إنتاجه، يظل سؤال “كيف تعمل هذه الأنظمة فعلياً من الداخل؟” مطروحاً وبإلحاح.
شَكل هذا السؤال المحور الرئيسي لرحلة الباحثة تزينكسي وانغ، خريجة برنامج الماجستير في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي التي اختارت ألا تركّز فقط على دفع النماذج إلى أداء المزيد من المهام، بل والتركيز أيضاً على فهم ما يحدث بداخلها بالفعل.
لقد كرّست وانغ، ومن خلال تخصّصها في معالجة اللغة الطبيعية، أبحاثها لتتبّع الميكانيزمات الداخلية التي تتحكم في طريقة معالجة النماذج اللغوية الكبيرة للغة، وأساليب استدلالها عبر السياقات المختلفة، وحتى كيفية إنتاجها لاستجابات تحمل طابعاً عاطفياً.
وفي السياق تقول وانغ: “نحن نعيش في مرحلة تتطور فيها قدرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع بكثير من قدرتنا على فهمه؛ ولذا فإن محاولة دراسة الآليات الداخلية لهذه النماذج تمثل خطوة أساسية لسد هذه الفجوة، وأشعر بأنني محظوظة للعمل على هذا الموضوع”.
هل تشبه طريقة تفكير الآلة العقل البشري؟
في أطروحتها البحثية التي حملت عنوان “Minds in Machines: Understanding LLM Internal Mechanisms through the Lens of Human Cognition“، طرحت وانغ سؤالاً محورياً ألا وهو: هل تشبه العمليات الداخلية لهذه الأنظمة طريقة التفكير البشري؟ وبحسب نتائج بحثها، فإن الإجابة في كثير من الحالات تبدو أقرب إلى “نعم”.
وتوضح الباحثة: “نعلم اليوم أن الذكاء الاصطناعي أظهر قدرات لافتة في الرياضيات والكتابة وحتى التفاعل العاطفي مع البشر، لكننا لا نفهم تقريباً كيف ينجز كل ذلك، وهدفي هو محاولة فهم هذه الميكانيزمات من خلال النظر إليها عبر مفاهيم الإدراك عند الإنسان”.
لقد اعتمدت وانغ في دراستها على ثلاثة مسارات بحثية رئيسة.
وتقول وانغ: “البشر قادرون على قراءة الكلمات حتى عندما تكون حروفها مشوشة، لذلك أردنا معرفة كيف يتعامل الذكاء الاصطناعي مع هذا الأمر”.
وقد أظهرت النتائج أن النماذج تعتمد بصورة أساسية على شكل الكلمة ذاته، أكثر من اعتمادها على سياق الجملة الكامل لإعادة بناء المعنى. كما تمكن الفريق من تحديد العوامل المسؤولة مباشرة عن هذا السلوك داخل النموذج اللغوي.
وقد كشفت الدراسة أن النماذج اللغوية تطوّر بالفعل بُنى منطقية داخلية مرتبطة بكل لغة، وأن أي خلل أو ضعف في هذه البنى ينعكس مباشرة على مستوى الأداء الاستدلالي للنموذج.
وعن هذا الجانب في بحثها أوضحت وانغ أنه “عندما يعيش الإنسان تجربة حسية تولد لديه مشاعر، فإن ما يقف وراءها هو منظومة عصبية – والسؤال الذي طرحناه، في هذا السياق، هو: هل توجد داخل النماذج اللغوية بنى حسابية مشابهة مسؤولة عن توليد هذا التعبير العاطفي؟”
وتشير النتائج إلى وجود ما تصفه وانغ بـ “البُنَى العاطفية” داخل النماذج اللغوية الكبيرة، وهي هيكليات داخلية ترتبط بشكل مباشر بطريقة إنتاج الردود أو الاستجابات ذات الطابع الشعوري العاطفي.
وتضيف: “ستشكل قدرتنا على تحديد هذه الهيكليات خطوة مهمة لفهم الأسباب أو الديناميات الداخلية التي تدفع النماذج إلى التصرف بالطريقة التي نراها”.
لا تكمن القيمة الحقيقية لهذه الدراسة البحثية بالنسبة لـ وانغ فقط في الاكتشاف أو الاختراق العلمي، بل في ما تحمله من أبعاد مستقبلية تتعلق بأمان الذكاء الاصطناعي وموثوقيته.
وتقول: “أكثر لحظة تجعلني أشعر بالرضا هي عند اكتشاف تلك البنى الناشئة ضمن نسيج هيكليات النماذج اللغوية الكبيرة، في الوقت الذي يراها الآخرون مجرد بنى غامضة – وتضيف: “إن العثور على هذه البنى وتتبعها إلى غاية فهم أن النموذج يقوم بشيء يشبه الإدراك البشري بطريقة لم يسبق لأحد رصدها من قبل، هو شعور يصعب وصفه”.
وتتابع: “إننا نطور أنظمة أصبح لها حضورا قويا ومتزايداً في حياتنا اليومية، والمفارقة العجيبة في الأمر هي أننا لا نفهم آليات اشتغالها الداخلية بشكل كامل. والواقع أننا إذا أردنا التقدم نحو مستويات أكثر تطوراً من الذكاء، بما فيها الذكاء الاصطناعي العام، فعلينا أولاً فهم هذه الأنظمة بعمق حتى نتمكن من تطوير ذكاء اصطناعي آمن وخاضع للمساءلة ومتوافق مع القيم الإنسانية”.
وتؤمن وانغ، في سياق متصل، بأن العلاقة بين الإدراك البشري وذكاء الآلة ستصبح محوراً أساسياً في المستقبل، مشيرة إلى أن الاهتمام العام بهذه القضية بات واسعاً ومتزايداً على نحو غير مسبوق.
وعن هذا الاهتمام تقول وانغ: “عندما نشرت ورقتي البحثية حول البُنَى العاطفية على منصة arXiv، حصدت تفاعلاً قوياً على منصة ’إكس‘، بما يقارب 300 ألف مشاهدة”. وتضيف “إن معاينة هذا الاهتمام الكبير، سواء من الباحثين أو الجمهور العام، أكدت لي أكثر من أي وقت مضى أن هذا الحقل البحثي يستحق مواصلة العمل فيه لأن فهم هذه الآليات سيشكل أساساً لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر شفافية ومصداقية”.
ترى وانغ، في السياق، أن ما ساعدها على تحقيق أهدافها البحثية هو البيئة الأكاديمية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي التي لعبت دوراً محورياً في تشكيل مسارها.
وعن تجربتها تقول: “إنني أعتبر الفترة التي قضيتها في الجامعة من أجمل فترات حياتي التي ستبقى محفورة في ذاكرتي ما حييت”؛ مضيفة أن الجامعة قد وفرة لها فضاء أكاديميا محفزا شجعها على إشباع فضولها العلمي الذي قادها إلى إنجاز أبحاث تفتخر بها.
وعن تجربتها دائما تضيف وانغ: “لم يكتف مشرفي بتكليفي بمهام محددة، بل منحني استقلالية كاملة مكنتني من التعمق في دراسة جوانب بحثية ذات أهمية خاصة بالنسبة لي جعلتني قادرة على بناء مساري وشخصيتي البحثية، بدلاً من الاكتفاء فقط بالمساهمة في مشاريع الآخرين”.
لقد تمكنت وانغ، خلال عامين فقط، من نشر عدة أوراق علمية بصفتها الباحث الرئيسي لها وذلك خلال فعاليات مؤتمرات عالمية مرموقة ساعدتها على بناء توجهها البحثي ورسم مساره بوضوح.
بعيداً عن الجانب الأكاديمي، تصف وانغ تجربتها في أبوظبي بأنها كانت تحوّلاً شخصياً عميقاً – وتقول: “الصداقات التي كوّنتها هنا كانت شيئاً لم أتوقعه أبداً وأقرب أصدقائي هم من ثقافات مختلفة من الإمارات وسوريا وروسيا وغيرها.. كانت النقاشات التي خُضناها حول الثقافة والحياة والأفكار سبباً في إغناء رؤيتي للعالم بطريقة لم أكن لأختبرها في أي مكان آخر”.
وتؤكد وانغ أن هذا التنوع الثقافي انعكس مباشرة على طريقة تفكيرها في الذكاء الاصطناعي نفسه – وتوضح هذا التحول قائلة: “لقد توقفت عن التفكير في الأبحاث ضمن إطار لغة واحدة أو ثقافة واحدة، وذلك لأن وجودي وسط هذا التنوع جعلني أرى الذكاء الاصطناعي مشروعاً عالمياً بحق الأمر الذي أثّر مباشرة على نوعية وطبيعة الموضوعات التي اخترت تناولها بالبحث والدراسة”.
تحدثت وانغ أيضاً عن تزايد توطد علاقتها بالثقافة العربية – قائلة: “لقد وقعت فعلاً في حب الثقافة العربية، وذلك لما تزخر به من ثراء وجمال لم أختبره فيما قبل إلا عن طريق ما يتم تداوله في موطني، والعيش في قلب هذه الثقافة بشكل يومياً كان تجربة غنية لن أنساها”.
وتستذكر وانغ واحدة من أكثر الذكريات قرباً إلى قلبها – وتقول: “أحد أجمل الأيام كان عندما قضيت فترة ما بعد الظهر مع صديقاتي نتنقل بين متاجر العبايات في المدينة، نجرب عشرات التصاميم والألوان، وفي النهاية عدت إلى المنزل ومعي خمس عبايات مختلفة – لقد كان يوماً عفوياً، لكنه اختصر كل ما أحببته في الحياة هنا”.
وبالتوازي مع إنجازاتها الأكاديمية، بدأت أبحاث وانغ تحظى بحضور متزايد على الساحة الدولية، حيث عُرضت أعمالها البحثية في مؤتمرات كبرى مثل NeurIPS وACL وEMNLP، فيما توجد أبحاث إضافية لها قيد المراجعة تم تقديمها ضمن أعمال مؤتمر ICML.
يذكر أن وانغ حصلت أيضاً على فرصة تدريب بحثي ضمن فريق تطوير نموذج “Qwen” التابع لشركة علي بابا، على أن تبدأ برنامجها التدريبي خلال الصيف المقبل.
وتقول: “كل هذه الفرص جاءت نتيجة مباشرة للعمل الذي تمكنت من إنجازه هنا. كما أن الموقع الجغرافي للجامعة، بين الشرق والغرب، سهّل بناء جسور تعاون أكاديمي بين مناطق مختلفة بطريقة يصعب تحقيقها في أماكن أخرى”.
وفي خطوة تعكس عمق ارتباطها بالجامعة، قررت وانغ البقاء في أبوظبي لمواصلة أبحاثها ضمن برنامج الدكتوراه في الجامعة، مفضّلة ذلك على عرض تلقته من جامعة بكين. وتختتم قائلة: “ربما تكون هذه أوضح إشارة إلى ما يعنيه هذا المكان بالنسبة لي”.
وفي عالم تتزايد فيه الحاجة إلى فهم ما يجري داخل نظم الذكاء الاصطناعي، تبدو تزينكسي وانغ واحدة من الباحثين الذين يسهمون في رسم ملامح المرحلة المقبلة؛ مرحلة لا تكتفي بما تستطيع الآلات فعله، بل تسعى إلى فهم كيف تفكر، وكيف تستدل، وكيف تتفاعل مع العالم من حولها.
بعد ستة أعوام من الإنجاز العلمي المتسارع والتأثير العالمي، الحاصلة على المرتبة الأولى على دفعة عام 2026.....
كلمة رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والبروفيسور الجامعي، إريك زينغ، الموجّهة إلى دفعة 2026 بتاريخ.....
MBZUAI's Class of 2026 is made up of 140 Ph.D. and Master's graduates across Computer Science, Computer.....