مع التطور المتسارع لنماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي، أصبح إنتاج مقاطع فيديو اصطناعية تحاكي الواقع بدقة عالية مهمة في متناول أي مستخدم تقريباً. وتتزايد، مع هذا التقدم المتسارع، صعوبة التمييز بين المحتوى الحقيقي والمحتوى المُنشأ آلياً، ما يفاقم التحديات المرتبطة بالموثوقية الرقمية والتحقق من مصدر المواد المرئية.
أحد الحلول المطروحة لمواجهة هذه الإشكالية يتمثل في استخدام “العلامات المائية” المخفية، التي يتم زرعها في جميع الفيديوهات المنتجة بالذكاء الاصطناعي، ما يسمح لاحقاً بتتبع مصدرها والتحقق من أصالتها؛ غير أن فريقاً بحثياً من “جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي” و”جامعة ولاية ميشيغان” يرى أن الطريقة السائدة في تصميم هذه العلامات تعاني قصوراً جوهرياً، ويقترحون بديلاً أقرب إلى مفاهيم التشفير الحديثة منه إلى أساليب الوسم التقليدية.
وفي ورقة بحثية قُدمت ضمن أعمال مؤتمر الرؤية الحاسوبية والتعرف على الأنماط “CVPR 2026”، كشف الفريق البحثي عن نظام جديد يحمل اسم “SPDMark”، يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في آثارها: ينطلق فيها الفريق من ضرورة تصمّيم العلامة المائية بوصفها “قفل أرقام متغير” لا “ختماً ثابتاً”.
تعتمد معظم أنظمة العلامات المائية الحالية على مبدأ واحد شبيه بفكرة الأختام، حيث توضع العلامة المائية نفسها داخل كل صورة أو فيديو يتم إنتاجه، في وقت يتم فيه تصميم أدوات الكشف بما يجعلها قادرة على التعرف على هذه العلامات الثابتة رغم ما قد تتعرض له الصور أو الفيديوهات من ضغط أو تشويش أو تعديلات أثناء تداولها عبر الإنترنت – لكن المشكلة في هذا النهج، بحسب الباحثين، تكمن في أن ثبات العلامة المائية يجعلها هدفاً واضحاً للهجمات.
على مدى السنوات الأخيرة، انصبّ اهتمام معظم الأبحاث في هذا المجال على تطوير علامات مائية أكثر صلابة أمام كل ما قد تتعرض له الصور والفيديوهات من تغييرات. وكانت الفرضية السائدة تقوم على أن إيجاد علامة قوية بما يكفي وإخفائها بذكاء داخل المحتوى كفيل بحل مشكلة تتبع المصدر.
لكن مطوّري “SPDMark” قدموا طرحاً مغايراً ينطلق من فرضية أن المشكلة لا تقتصر على كونها مسألة “إخفاء علامة” فحسب، بل تتجاوز ذلك لتصبح أقرب إلى “إدارة مفاتيح” تشفيرية. وبناءً على هذا التصوّر، ينبغي تصميم أنظمة العلامات المائية على غرار أنظمة التشفير، بحيث تؤدي آلية موحّدة إلى مخرجات مختلفة تبعاً للمفتاح المستخدم.
وبدلاً من الاعتماد على علامة مائية واحدة تتكرر في جميع المقاطع، يقترح الفريق البحثي نظاما جديداً تكون فيه العلامة المائية بمثابة “وصفة” قابلة للتغير.
يعتمد، وفق هذا المنظور، نظام “SPDMark” على مفتاح ثنائي قصير يحدد، طبقة بعد أخرى، أي تعديلات رياضية يجب تفعيلها داخل نموذج توليد الفيديو؛ وعندما يتغير المفتاح تتغير “الوصفة”، وبالتالي تتغير العلامة المائية المدمجة في الفيديو الناتج، رغم أن البنية الأساسية للنموذج تبقى كما هي.
بهذا المعنى، لا تصبح العلامة المائية إشارة ثابتة يمكن البحث عنها أو استهدافها، بل نتيجة ديناميكية تتولد من مفتاح محدد، تماماً كما تنتج الرسائل المشفرة المختلفة من خوارزمية واحدة باستخدام مفاتيح متنوعة.

يعتمد النظام على نموذج انتشار فيديوهات (Video Diffusion Model) مُدرَّب مسبقاً لتوليد إطارات متسلسلة من النصوص أو الصور.
وقد أبقى الباحثون على بنيته الأساسية بما فيها المشفّر ووحدة إزالة التشويش من دون تعديل، وركزوا فقط على وحدة فك الترميز (Decoder) المسؤولة عن تحويل التمثيلات الرقمية إلى بكسلات فعلية.
ولتمكين النموذج من أداء مهام جديدة من دون إعادة تدريبه بالكامل، أضاف الفريق مكيفات منخفضة الرتبة (LoRA) إلى 14 مستوى حوسبياً داخل وحدة فك الترميز. ويضم كل مستوى أربعة مكيفات تُدرَّب بالتوازي، ما يوفر مجموعة متنوعة من التعديلات التي يمكن تفعيلها بحسب المهمة المطلوبة.
ويُحدَّد تفعيل هذه المكيفات بواسطة مفتاح رقمي يتألف من تعليمات ثنائية، إذ يَختار [المكيف] أحد الخيارات الأربعة في كل طبقة أثناء توليد الفيديو. ويمكن بهذا للنظام ترميز 28 بتاً (Bits) في كل إطار، مع زيادة كبيرة في كمية المعلومات المضمنة عبر الفيديو بالكامل.
أحد أبرز الجوانب المبتكرة في نظام “SPDMark” تتجلى في أن المفتاح الرقمي لا يبقى ثابتاً طوال الفيديو، بل يتغير من إطار إلى آخر استناداً إلى قيمة مشتقة من دالة هاش التشفيرية (Cryptographic Hash)؛ وهذا يعني أن العلامة المائية لا تصبح مجرد علامة خاصة بالفيديو بأكمله، بل بصمة فريدة خاصة بكل إطار على حدة.
وتتيح هذه الخاصية كشف عمليات الحذف أو الإضافة أو إعادة الترتيب تلقائياً، حيث تمكن من كشف أي اختلال في نمط العلامة المائية. وتُستخدم لرصد هذه الاختلالات الخوارزمية الهنغارية لمطابقة الإطارات مع مواقعها الأصلية، والتي يعقبها اختبار إحصائي للتحقق من وجود العلامة المائية.
اختبر الفريق البحثي النظام على نموذجين لتوليد الفيديو، وأخضعوه للتجربة مع 16 نوعاً من عمليات التشويه والتحوير، شملت الضغط الرقمي والتمويه وإعادة ترتيب الإطارات وتقنيات إعادة البناء وملء المناطق المفقودة.
وأظهرت النتائج قدرة النظام على استعادة البيانات المضمنة بمتوسط دقة بلغ نحو 94%، مع تفوقه على العديد من الأنظمة المنافسة في مواجهة الهجمات الهندسية والزمنية، مع الحفاظ على أداء تنافسي في بقية الاختبارات.
كما لم تسجل مؤشرات جودة الفيديو أي تراجع ملحوظ نتيجة التضمين، ما يجعل العلامة المائية غير مرئية عملياً للمشاهدين حتى عند محاولة اكتشافها.
وعلى الصعيد التشغيلي، أمكن تدريب النموذج خلال نحو ثماني ساعات فقط باستخدام معالج رسومي واحد من فئة A6000، وهو مستوى متواضع من الموارد مقارنة بالمعايير السائدة في المجال.
تكمن إحدى أهم نقاط قوة “SPDMark” في أنه لا يحتاج إلى إعادة تدريب عند تغيير العلامة المائية؛ فالنظام المدرَّب يمكنه دعم عدد كبير من المفاتيح الرقمية المختلفة ضمن البنية نفسها، ما يتيح للشركات المطورة لمنصات توليد الفيديوهات تخصيص مفاتيح مستقلة لكل عميل أو لكل سوق أو لكل إطار تنظيمي وتشريعي دون المساس بالنموذج الأساسي.
ويشبه هذا النهج إلى حد كبير أساليب أنظمة المصادقة الرقمية الحديثة؛ إذ تمثل المكيفات المدرَّبة البنية التحتية المشتركة، بينما يؤدي المفتاح الرقمي دور العنصر السري الذي يحدد هوية المحتوى.
ومن هذا المنطلق، يرى الباحثون أن العلامات المائية على المستوى القطاعي ينبغي أن تُدار على غرار مفاتيح التشفير، لا باعتبارها وسماً أو علامة ثابتة تُدمج داخل الملفات.

رغم النتائج الواعدة، لا يؤكد الباحثون أن النظام محصّن بالكامل. إذ ركّزت معظم الاختبارات على التغييرات الاعتيادية التي تطرأ على الفيديوهات أثناء تداولها، وهذا في وقت أظهرت فيه نتائج إضافية أن إعادة تدريب وحدة فك الترميز من قبل مهاجم يمتلك قدرات تقنية متقدمة قد تؤدي إلى تراجع دقة استخراج العلامة المائية إلى نحو 65%، وهي نسبة تقترب كثيراً من مستوى التخمين العشوائي.
ويعكس ذلك حقيقة أشمل يواجهها قطاع العلامات المائية الرقمية مرتبطة بتطور أساليب الحماية والهجوم في سباق مستمر؛ فما يبدو اليوم دفاعاً فعالاً قد يتطلب غداً إعادة تصميم لمواكبة هجمات أكثر قدرة على التكيف.
ومع هذا، لا تكمن القيمة الأساسية لـ “SPDMark” في مستوى الأداء فحسب، بل في التحول المفاهيمي الذي يقدمه، إذ يعيد تعريف العلامة المائية باعتبارها جزءاً من بنية قائمة على مفاتيح يمكن تغييرها أو تعطيلها أو استبدالها عند الحاجة، على غرار أنظمة التشفير الحديثة.
وفي ظل تزايد الحاجة إلى آليات موثوقة لإثبات مصدر المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي، قد يشكّل هذا التحول خطوة نحو جيل جديد من أدوات التحقق الرقمي؛ جيل لا يكتفي بزرع “وسم” خفي داخل الفيديو، بل يمنحه “اعتماداً” قابلاً للإدارة والتوثيق والتجديد.
باحثو من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يطورون نهجاً جديداً يمكّن أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير.....
فريق بحثي من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يطوّر تقنية تستطيع إزالة العلامات المائية المخفية داخل.....
يرى خريج الرؤية الحاسوبية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ومؤسس شركة Y71 أن القيمة الحقيقية.....