يشهد الخليج العربي تحديات مناخية تختلف عن كثير من مناطق العالم، فموجات الحر الشديدة، والعواصف الغبارية والرملية، والسيول المفاجئة، وتآكل الخط الساحلي، وشح المياه، والتوسع العمراني السريع، جميعها عوامل تؤثر بصورة مباشرة في التخطيط الحضري، والصحة العامة، وإدارة الموارد المائية، وأمن الطاقة، وجهود التكيف مع تغير المناخ.
وفي دول مثل الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، وقطر، والكويت، وسلطنة عُمان، والبحرين، تتطلب مواجهة هذه التحديات أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على فهم طبيعة المنطقة وبياناتها وسياساتها، وليس مجرد الاعتماد على نماذج عالمية صُممت للتعامل مع معلومات عامة عن تغير المناخ.
وانطلاقاً من هذا التحدي، طوّر باحثون في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي إطاراً جديداً يحمل اسم المساعد الذكي للمناخ الخليجي، وهو نظام ذكاء اصطناعي صُمم خصيصاً لدعم اتخاذ القرارات المتعلقة بالمناخ في دول مجلس التعاون الخليجي.
وجرى عرض هذا العمل في ورقة بحثية قُبلت ضمن فعاليات المؤتمر السنوي الثالث والستين لجمعية اللغويات الحاسوبية (ACL 2026).
ويقود المشروع الدكتور محمد حارس خان بصفته الباحث الرئيس، بينما تولى محمد عمر شيخ إعداد الدراسة بصفته المؤلف الأول. وطوّر الفريق إطاراً يجمع بين بيانات المناخ الإقليمية، والسياسات الحكومية، وبيانات الاستشعار عن بعد، وأدوات تحليلية متخصصة ضمن نظام واحد.
ويقول الدكتور محمد حارس خان: “لا يمكن التعامل مع الذكاء الاصطناعي المناخي باعتباره حلاً واحداً يناسب جميع المناطق، فبناء نظام يدعم اتخاذ القرار في الخليج يقتضي فهم المخاطر المناخية التي تواجه المنطقة، وسياساتها، ومدنها، ومصادر بياناتها، وإلا فقد فإنه سيقدم إجابات تبدو سليمة من الناحية اللغوية، لكنها لا تكون مفيدة عملياً”.
تستطيع النماذج اللغوية الكبيرة الإجابة عن أسئلة عامة حول تغير المناخ، لكن متخذي القرار في دول الخليج يحتاجون غالباً إلى معلومات أكثر دقة وارتباطاً بالسياق المحلي، فقد يرغب مخطط حضري، على سبيل المثال، في معرفة أسباب تغير معدلات هطول الأمطار في مدينة معينة، أو تقييم تدهور جودة الهواء أثناء عاصفة رملية، أو مقارنة التغيرات في الغطاء النباتي باستخدام صور الأقمار الصناعية، أو تفسير سياسة مناخية وطنية في ضوء أهداف التكيف المحلية.
النماذج اللغوية العامة لا تُصمم عادة للتعامل مع هذا النوع من الأسئلة، فقد تفتقر إلى المعرفة الخاصة بالمنطقة، أو تعجز عن تفسير البيانات المناخية والخرائط والصور البيئية، أو تقدم إجابات تبدو واثقة رغم أنها لا تستند إلى الأدلة المناسبة.
ولهذا صُمم الذكاء الاصطناعي المساعد للمناخ الخليجي ليربط أسئلة المستخدم بالأدوات التحليلية المناسبة، بدلاً من الاعتماد فقط على المعرفة التي اكتسبها النموذج أثناء التدريب.
وتزداد أهمية هذا النهج بالنسبة لدولة الإمارات، حيث ترتبط القدرة على التكيف مع تغير المناخ ارتباطاً وثيقاً بالتنمية المستدامة، وحماية البنية التحتية، والطاقة النظيفة، والأمن المائي، والتخطيط طويل المدى.
ومن ثم، فإن أي مساعد ذكي مخصص للمناخ ينبغي أن يقدم دعماً عملياً للباحثين وصناع القرار والعاملين في هذه القطاعات، من خلال إجابات تستند إلى بيانات محلية موثوقة.
يعتمد الإطار الجديد على مجموعة بيانات تحمل اسم GCA-DS، وهي مجموعة بيانات متعددة الوسائط، أي أنها تجمع بين أنواع مختلفة من البيانات، مثل النصوص والصور والبيانات الزمنية، بدلاً من الاعتماد على نوع واحد فقط،
وتضم المجموعة نحو 200 ألف زوج من الأسئلة والإجابات، جميعها مرتبطة بدول مجلس التعاون الخليجي، وتتكون من نحو 110 آلاف مثال نصي، إضافة إلى نحو 90 ألف مثال يعتمد على البيانات البصرية والزمنية.
ويستند الجزء النصي إلى مصادر متنوعة، تشمل السياسات الوطنية المتعلقة بالمناخ، واستراتيجيات التكيف، وتقارير المنظمات الدولية وغير الحكومية، والأبحاث العلمية، إلى جانب التقارير الإخبارية المرتبطة بأحداث مثل موجات الحر والعواصف الغبارية والسيول.
أما الجزء البصري والزمني، فيعتمد على بيانات مناخية وبيئية على مستوى المدن في مختلف أنحاء الخليج، ويُستخدم في مهام مثل اكتشاف الشذوذ، والتنبؤ، واستكمال البيانات الناقصة، وتحليل المتغيرات المناخية عبر الزمن.
ويقول محمد عمر شيخ: “أردنا أن تعكس مجموعة البيانات الطريقة التي تُدار بها قضايا المناخ فعلياً في المنطقة، فالقرارات الحقيقية لا تستند إلى وثيقة واحدة، بل تتطلب الجمع بين السياسات، والاتجاهات التاريخية، والرصد البيئي، والمعرفة المحلية”.
وتغطي مجموعة البيانات موضوعات تشمل الموارد المائية، والتصحر، والمناطق الساحلية، وارتفاع مستوى سطح البحر، وجودة الهواء، والصحة، والتنوع الحيوي، والطاقة، والانبعاثات، والزراعة، والبيئات الحضرية، والأحداث المناخية المتطرفة.
ويهدف هذا التنوع إلى تدريب النظام على التعامل مع الأسئلة التي تشكل أولوية فعلية لجهات التخطيط وصناع القرار في دول الخليج.
يعتمد الذكاء الاصطناعي المساعد للمناخ الخليجي على ما يُعرف بمسار نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل (Agentic Pipeline)، وهو نهج لا يكتفي فيه النموذج بتوليد الإجابة مباشرة، بل يمر بعدة مراحل قبل الوصول إليها.
فعندما يطرح المستخدم سؤالاً، يبدأ النظام بتفسيره، ثم يحدد الأداة التحليلية الأنسب للإجابة عنه، ويستخدم نتائج هذه الأداة قبل أن يصوغ إجابته النهائية. ويهدف هذا التصميم إلى نقل الذكاء الاصطناعي من مجرد تقديم معلومات عامة عن المناخ إلى دعم اتخاذ القرارات استناداً إلى بيانات وتحليلات متخصصة.
وتشمل الأدوات التي يعتمد عليها النظام تحليلات الاستشعار عن بُعد وسطح الأرض، ومؤشرات جودة الهواء والغلاف الجوي، وتحليل الطقس والأمطار، والهيدرولوجيا (علم المياه)، وتقدير البصمة الكربونية، وتحديد المواقع الجغرافية، إضافة إلى استرجاع السياسات والوثائق المناخية عبر الإنترنت.
وعملياً، يستطيع المستخدم أن يطلب من النظام مقارنة التغيرات في الغطاء النباتي بين تاريخين مختلفين، أو تحليل جودة الهواء في مدينة معينة، أو دراسة أنماط هطول الأمطار أثناء فيضان، أو تتبع التغيرات التي شهدها أحد السواحل مع مرور الوقت،
وبدلاً من تقديم إجابة عامة، يوجّه النظام السؤال تلقائياً إلى الأداة التحليلية المناسبة، ثم يبني إجابته اعتماداً على نتائجها.
ويرى الباحثون أن هذه الآلية تكتسب أهمية خاصة في منطقة الخليج، حيث ترتبط التحديات المناخية بالمكان والزمان بصورة وثيقة.
فعلى سبيل المثال، قد تؤثر العاصفة الغبارية في مدينة بصورة تختلف عن تأثيرها في مدينة أخرى، كما أن موجة الأمطار قد تشكل خطراً في منطقة محددة بسبب طبيعة شبكة التصريف فيها، في حين لا يظهر تغير الغطاء النباتي أو السواحل إلا عند مقارنة البيانات عبر فترات زمنية مختلفة.
تشير نتائج الدراسة إلى أن تكييف النموذج ليتعامل مع بيانات الخليج، إلى جانب ربطه بالأدوات التحليلية المناسبة، أسهما في تحسين أدائه بصورة ملحوظة، مسجلاً دقة بلغت 94.2% في الاختبارات المرجعية من حيث القدرة على اختيار الأداة المناسبة، بينما وصلت دقة الإجابات الكاملة إلى 88.2%، كما أظهر أداءً أفضل من النموذج الأساسي Qwen2.5-VL 7B، سواء في اختيار الأدوات المناسبة أو في تقليل الأخطاء المرتبطة باستخدامها، مثل اختيار أداة غير مناسبة، أو تمرير معاملات غير صحيحة، أو تجاهل خطوة تحليلية ضرورية.
ويرى الباحثون أن أهمية هذه النتائج لا تكمن في أن الإجابات أصبحت تبدو أكثر إقناعاً، بل في أن النظام أصبح أكثر قدرة على اتباع المسار التحليلي الصحيح للوصول إلى الإجابة.
ففي التطبيقات المناخية، لا تعتمد موثوقية النظام على جودة النص الذي ينتجه فقط، بل على قدرته على اختيار الأداة المناسبة، واستخدام البيانات الصحيحة، وتفسير النتائج بدقة، ثم عرضها بطريقة واضحة تساعد على اتخاذ القرار.
لا يطرح الباحثون ذكاء اصطناعي مساعد للمناح الخليجي كبديلٍ عن علماء المناخ أو الخبراء أو صناع السياسات. وتشير الدراسة إلى عدد من القيود، من بينها أن مجموعة البيانات ما تزال بحاجة إلى مزيد من التحقق، وأن أداء النظام يعتمد جزئياً على جودة البيانات التي يحصل عليها من مصادر خارجية، فضلاً عن أن استخدامه في البيئات الواقعية يظل بحاجة إلى إشراف الخبراء.
لكن القيمة العملية لهذا العمل تكمن في إظهار كيف يمكن تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي تنطلق من الواقع المناخي لمنطقة بعينها، بدلاً من الاكتفاء بتكييف نماذج عالمية لتلبية احتياجات محلية.
وفي حالة دول الخليج، يعني ذلك بناء أنظمة تفهم المخاطر المناخية المحلية، والسياسات الوطنية، واحتياجات البيانات في المنطقة، بما يجعلها أكثر قدرة على دعم القرارات المرتبطة بالتخطيط والتكيف مع تغير المناخ والاستدامة.
ومع استمرار دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي في الاستثمار في مجالات المرونة المناخية والاستدامة والذكاء الاصطناعي، تقدم أطر عمل مثل الذكاء الاصطناعي المساعد للمناح الخليجي تصوراً لاتجاه جديد في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي للمناخ، يقوم على بناء أنظمة تراعي خصوصية المنطقة، وتستفيد من أنواع متعددة من البيانات، وتستخدم الأدوات التحليلية المناسبة، وتُصمم لدعم القرارات الواقعية.
باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يكشفون عن إطار عمل جديد سيمكن النماذج متعددة الوسائط.....
نجح فريق بحثي من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في تطوير نهج مبتكر لفهم مقاطع الفيديو،.....
فريق بحثي من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ينجح في تطوير نظام لتوليد العلامات المائية، قد.....