كانت روبوتات الدردشة (شات بوت) لعدة عقود رمزاً للمساعدة الرقمية إلا أن ذلك العصر انتهى في عام 2025 حيث أصبحت نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل يمثل تحولاً جذرياً ابتداءً من النصوص المبرمجة وصولاً إلى وكلاء أذكياء قادرين على الفهم والتخطيط والتنفيذ بدقة.
أصبح هذا التحول واضحاً في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وهو في الواقع جزء من توجه عالمي أوسع وقد توقّع عميد الجامعة البروفيسور تيموثي بالدوين أن يكون عام 2025 نقطة تحوّل كبرى في مسيرة نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل وهو الأمر الذي تؤكده أيضاً البيانات الدولية فبحسب تقرير صادر عن شركة جارتنر (Gartner)، فإن 33% من تطبيقات برمجيات المؤسسات ستحتوي بحلول عام 2028 على قدرات نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل، مقارنة بأقل من 1% فقط في عام 2024، كما أن ما لا يقل عن 15% من قرارات العمل اليومية سيتم اتخاذها ذاتياً من قبل نظم الذكاء الاصطناعي المساعد.
ويوضح البروفيسور بالدوين أن هذه الأنظمة تمتلك القدرة على فهم نوايا المستخدم، ووضع خطة من الإجراءات المتسلسلة لإتمام المهام المعقدة من البداية إلى النهاية، ويضيف أن نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل تجمع بين التفكير والتنفيذ ويمكن أن يحقق فوائد كبيرة للبشر، لكنه في الوقت نفسه يحذر من أن نشر هذه الأنظمة يجب أن يتم بحذر ووفق معايير دقيقة لضمان الأمان والسلامة.
في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي لم تبقَ هذه التوقعات حبيسة النظريات، بل تحققت فعلياً من خلال Lawa.AI، وهي شركة ناشئة محلية تمثل مثالاً عملياً على كيفية قيام الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي بالتفكير واتخاذ القرارات نيابة عن المستخدمين.
لا يكتفي هذا النظام بالتفاعل بل يقوم بالفعل باتخاذ خطوات حقيقية، وقد تأسس Lawa.AI على يد طالبي الدكتوراه وفاء الغلابي وأومكار ثوكار المتخصصَين في رؤية الحاسوب، ويتم حالياً اختبار النظام على الموقع الإلكتروني للجامعة، حيث أظهرت النتائج كيف يمكن للتكامل بين الابتكار المحلي وأبحاث الذكاء الاصطناعي العالمية أن يُحدث فرقاً من حيث سرعة الحصول على الإجابات وجودة الفهم واعتماد الأتمتة الموثوقة في تقديم الخدمات.
بدعم من مركز الابتكار وريادة الأعمال، يعكس هذا المشروع توجه دولة الإمارات نحو تحويل الأبحاث الأكاديمية إلى أدوات ذكاء اصطناعي عملية وآمنة تخدم القطاعات الحيوية مثل التعليم والحكومة.
وقد تحدثت وفاء الغلابي خلال مشاركتها في معرض جيتكس دبي 2025 عن بدايات هذا النظام، الذي بدأ كمشروع بحثي في الكفاءة متعددة الوسائط ونماذج اللغة الكبيرة، قبل أن يتطور ليصبح منصة تسد الفجوة بين الأفراد والمعلومة داخل بيئات التعليم العالي.

هذه التجربة لم تكن الأولى لفريق العمل، حيث سبق للغلابي وثوكار أن أطلقا منصة “نوتريجينكس”Nutrigenics Care”، وهي أداة مدعومة بالذكاء الاصطناعي لدعم المستشفيات وأخصائيي التغذية عبر أدوات إدارة قائمة على الأدلة.
أما فكرة Lawa.AI فقد انطلقت من رؤيتهما المشتركة لتسهيل الوصول إلى المعرفة المؤسسية. وقالت وفاء الغلابي: “روبوتات الدردشة التقليدية تقدم إجابات عامة ومبرمجة، فهي ليست ذكية، ولا تدرك السياسات أو تفهم كيفية تفاعل المستخدمين، ولهذا السبب أنشأنا Lawa.AI خصيصاً لمنظومة التعليم والمؤسسات الحكومية”.
وقام فريق بحثي صغير يضم طلبة ماجستير متخصصين في رؤية الحاسوب ومعالجة اللغة الطبيعية بتطوير نظام ذكاء اصطناعي مساعد واختباره لأكثر من عام، حيث تجاوز الفريق عدة تحديات تقنية وتنظيمية، بدعم مباشر من البروفيسور بالدوين والبروفيسور فهد خان والأستاذ المشارك سلمان خان.
الفرق الجوهري بين هذا النظام وروبوتات الدردشة التقليدية يكمن في قدرته على المبادرة، فعلى عكس الأنظمة القديمة التي تقتصر على استدعاء واجهات برمجة التطبيقات وتقديم ردود مبرمجة مسبقاً، تستخدم نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل نماذج لغة كبيرة ونماذج أساسية أخرى لتحليل نية المستخدم وتخطيط الإجراءات المناسبة ثم تنفيذها بالكامل.
يُعد Lawa.AI اختصاراً لعبارة “وكيل ويب مدعوم بنموذج لغوي كبير”، وهو يعمل كوسيط ذكي بين المستخدم والمنصة الرقمية لأي مؤسسة. يتميّز النظام بقدرته على تفسير الأسئلة واسترجاع السياسات والبيانات الدقيقة وتقديم إجابات موثوقة ومخصصة مع الإشارة إلى مصدرها الرسمي.
تتميز نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل بقدرتها على الفهم العميق والتفاعل الذكي مع الملاحظات، حيث لاحظ المستخدمون الأوائل زيادة ملحوظة في الإنتاجية، فمثلاً يمكن لطالب أن يطلب معلومات عن المنح الدراسية أو تحويل الساعات أو جداول الامتحانات، ويحصل فوراً على إجابات دقيقة مستندة إلى السياسات الرسمية ومرفقة بالنماذج والخطوات التالية.
وقد أثبت هذا النظام من خلال تجربته على موقع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي أنه قادر على العمل بفعالية على نطاق واسع، ويمكن تعميمه كنموذج وطني يسهم في تحسين طريقة تفاعل الطلبة والهيئات التدريسية والزوار مع الأنظمة التعليمية والمؤسسية، كما يمكن تكييفه بسهولة لخدمة قطاعات مختلفة تحتاج إلى مساعدين ذكيين متخصصين، سواء في محركات البحث أو المحتوى المخصص أو التوصيات أو الدعم متعدد اللغات.
تقول وفاء الغلابي إن الجامعة ابتكرت نموذجاً يمكن توسيعه ليشمل مؤسسات التعليم العالي الأخرى، حيث يمكن استخدامه في أي وقت ومن أي مكان ومن خلال أي جهاز، سواء عبر الحاسوب أو الهاتف المحمول، ويُقدم هذا الحل بتكلفة منخفضة مقارنة بالنماذج التقليدية.
ولا تقتصر فوائد النظام على السرعة فحسب، بل تشمل أيضاً تحسين الكفاءة الإدارية من خلال توحيد المعلومات الدقيقة وربط الإدارات، مما يمنح الموظفين الوقت للتركيز على المهام ذات القيمة الأعلى بدلاً من الرد على استفسارات مكررة، كما أن الأسئلة التي كانت تُهمل سابقاً أو تتأخر الإجابة عنها باتت تُحل اليوم عبر مسار موحد وقابل للتتبع، مما يُقلل من التأخير الإداري ويُحسن الأداء المؤسسي.
وقد سجل النظام نتائج ملموسة منها:
كما يوفّر Lawa.AI تحليلات قائمة على البيانات المستخلصة من تفاعل المستخدمين، ما يساعد المؤسسات على كشف نقاط القصور وتحسين تجربة المستخدم داخل المواقع الإلكترونية، وتبسيط سير العمل الداخلي بما ينعكس على الكفاءة العامة ورضا المستفيدين من الخدمات.
وبما أن Lawa.AI صُمّم في دولة الإمارات، فهو يدعم اللغتين العربية والإنجليزية بما يعكس السياق اللغوي والثقافي المحلي. ويمكن نشره عبر الجهات الحكومية والجامعات ومؤسسات الخدمات العامة.
وتقول الغلابي: “إن الوعي الثقافي مهم جداً. فإذا ظهر سؤال يتعلق برمضان مثلاً، فإن النظام يقدّم الإجابة بطريقة تراعي السياسات والسياق الثقافي”.
يتوقع البروفيسور بالدوين أنه مع تطور نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل مثل Lawa.AI، فإنها ستعيد تشكيل ليس فقط طريقة تواصل المؤسسات، بل أيضاً طريقة عملها، فهذه الوكلاء ستربط قواعد البيانات والأدوات وسير العمل، متعلمةً تنفيذ مهام معقدة بشكل مستقل.
وعلى عكس الدردشات التقليدية التي تقتصر على إنتاج النصوص، فإن الذكاء الاصطناعي المساعد يتصل مباشرة بالأدوات والبيانات والأنظمة، ويمكنه تنفيذ مهام مثل حجوزات السفر أو العشاء، أو تعبئة النماذج، أو تنظيم سير العمل محولاً الحوار من مجرد تواصل نصي إلى فعل حقيقي في العالم.
لكن هذه القدرات الكبيرة تتطلب وجود معايير صارمة للأمان والخصوصية وإشراف بشري على جميع المستويات، ويتوقع البروفيسور بالدوين “أمثلة مذهلة لخروج نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل عن السيطرة” إذا تم استخدامها بإهمال. وقال: “بصفتي باحثاً مستثمراً بشكل كبير في سلامة الذكاء الاصطناعي، أعتقد أيضاً أنه من الصعب التنبؤ بنتائج نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل، ويجب أن يتم تطبيقها بحذر”.
وأورد تقرير صادر عن شركة Gartner أن “ضعف ضوابط المخاطر” يُعد واحداً من الأسباب الثلاثة الرئيسية التي ستؤدي إلى إلغاء أكثر من 40% من مشاريع نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل بحلول نهاية عام 2027، إلى جانب التكاليف المتصاعدة وعدم وضوح القيمة التجارية.
ورغم أن مكاسب الكفاءة التي تحققها هذه الأنظمة مثيرة للإعجاب، يؤكد فريق Lawa.AI أن النظام بُني على أسس من الأمان والشفافية والمساءلة، وهي القيم نفسها التي شدد عليها البروفيسور بالدوين في تحذيره من الأنظمة المساعدة غير الخاضعة للضوابط.
قالت الغلابي خلال جلسة في جيتكس: “الأهم من ذلك، أننا بنينا Lawa على أساس من الأخلاقيات والثقة، فجميع السجلات مجهولة الهوية، ولا تُخزن أي معلومات شخصية، وكل إجابة تحتوي على مصدرها الموثوق”.
وعندما تكون الثقة في الإجابة منخفضة، يقوم النظام بربط الحالة بمراجع بشري لضمان إمكانية التتبع والمساءلة، كما يتم إجراء تدقيقات دورية للانحياز وتحديثات مستمرة للمحتوى بهدف إزالة أي بيانات قديمة أو متضاربة، على عكس روبوتات الدردشة التقليدية التي تعتمد على فهارس عامة غير محدثة.
يعكس هذا الاهتمام بالحوكمة رؤية البروفيسور بالدوين، الذي يؤكد أن ربط وكلاء الذكاء الاصطناعي بأنظمة العالم الواقعي يتطلب رقابة صارمة. وقال:
“ضمان سلامة الذكاء الاصطناعي أمر صعب أساساً عند التعامل مع أدوات مثل نماذج اللغة الكبيرة التي تُدخل وتُخرج نصوصاً، لكن المخاطر تصبح أكبر بكثير عندما نربط هذه الوكلاء بأنظمة أخرى لها تأثير مباشر في العالم الحقيقي.”
يتنبأ البروفيسور بالدوين أن هذا هو العام الذي يتبلور فيه نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل. وكما أثبتت وفاء الغلابي وأومكار ثوكار، فإن روبوتات الدردشة قد انتهى عهدها إلى الأبد.
المستقبل أصبح للوكلاء الأذكياء الذين يفهموننا ويتصرفون نيابةً عنا، ويقومون بذلك بطريقة آمنة.
ومع تلاشي الخط الفاصل بين المحادثة والتنفيذ، يجب على المؤسسات التي تعتمد نظم الذكاء الاصطناعي الفاعل أن تضمن عمل كل نظام ضمن إطار أخلاقي ووفق السياسات المعتمدة.
وما بدأ كنموذج أولي لمشروع طلابي، أصبح اليوم معياراً يُحتذى به في نشر الذكاء الاصطناعي المسؤول في دولة الإمارات.
باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يكشفون عن إطار عمل جديد سيمكن النماذج متعددة الوسائط.....
نجح فريق بحثي من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في تطوير نهج مبتكر لفهم مقاطع الفيديو،.....
فريق بحثي من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ينجح في تطوير نظام لتوليد العلامات المائية، قد.....