عالم في الوراثة السكانية يسعى إلى ردم الفجوة بين علم الجينوم والطب - MBZUAI MBZUAI

عالم في الوراثة السكانية يسعى إلى ردم الفجوة بين علم الجينوم والطب

الخميس، 23 أبريل 2026

في الطب الحديث، لا تكمن المشكلة دائماً في غياب العلاج، بل كثيراً ما تبدأ من تأخر الاكتشاف. فهناك حالة وراثية تُعرف باسم فرط كوليسترول الدم العائلي، يُولد بها نحو شخص واحد من بين كل 200 شخص، وتتسبب في ارتفاع مستويات الكوليسترول في الدم. ويشير كارلوس بوستامانتي، عالم الوراثة السكانية الذي انضم حديثاً إلى جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي أستاذاً مساعداً في الطب الشخصي، إلى أن كثيراً من المصابين بهذه الحالة يبلغون سن الشباب وهم يحملون صحة قلبية تعادل صحة أشخاص يكبرونهم بعقود.

ورغم أن علاج هذه الحالة، متى ما تم تشخصيها في وقت مبكر، يُعد بسيطاً نسبياً، إذ يتطلب تناول أدوية ميسورة التكلفة يومياً لخفض مستويات الكوليسترول وتُعرف باسم «الستاتينات»، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في عدم علم كثير من المرضى بإصابتهم. وهنا لا يعود ذلك إلى قصور في المعرفة العلمية أو محدودية في أدوات التشخيص، بل إلى أن قيام أنظمة الرعاية الصحية، في بنيتها الحالية، في الغالب بالاستجابة اللاحقة أو ما هو أشبه بردة الفعل منها إلى الكشف الاستباقي.
ويقول بوستامانتي: “لا تزال الرعاية الصحية اليوم، في جوانب كثيرة، شبيهة بما كانت عليه خلال المئة عام الماضية؛ فهي تقوم على الاستجابة، إذ لا يراجع المرضى الأطباء إلا بعد أن يمرضوا”.
عمل بوستامانتي على امتداد مسيرته العلمية بصورة تجمع بين علم الجينوم والإحصاء، ثم الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد، وساهم في تحويل تحليلات الجينوم البشري إلى معرفة يمكن للأطباء الإستفادة منها في الممارسة العملية، مسيرة قادته انطلاقاً من دراسته الجامعية والدكتوراه في جامعة هارفارد إلى العمل في جامعتي كورنيل وستانفورد، قبل أن يجد اليوم فرصة حقيقية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، لردم الفجوة بين البحث العلمي والطب، بما يفضي إلى أثر ملموس في صحة الإنسان.
ويضيف: “تتمتع دولة الإمارات برؤية استشرافية واضحة في مجال الصحة، ومن المثير أن أكون في جامعة تضع نمذجة البيانات وتحليلها في صميم عملها”.

الابتكار… وما يرافقه من تحديات

يوضح بوستامانتي أنه يعمل في مجال الوراثة السكانية منذ أن كان في التاسعة عشرة من عمره، موضحاً أنه حقل يُعنى بدراسة كيفية توزّع التنوع الجيني بين المجموعات السكانية، وكيف يتغير بمرور الزمن، مستفيداً من تداخل عدد من التخصصات، من بينها الرياضيات والإحصاء والطب والزراعة والتاريخ البشري.
في بداياته، كان هذا المجال أقرب إلى العمل النظري غير أن تطور تقنيات تسلسل الحمض النووي، وتراجع تكلفتها بمرور الوقت، غيّرا هذا الواقع، وأتاحا إجراء دراسات جينومية واسعة النطاق. وفي يومنا الحاضر يأتي التقدم في تعلّم الآلة وظهور النماذج التأسيسية المدرّبة على البيانات الجينومية ليعيد تشكيل هذا الحقل مرة أخرى.
لكن، وعلى الرغم من قدرة التقنيات الحديثة على إنتاج كميات أكبر من المعلومات عن الجينوم، فإن التحدي لم يعد في الوصول إلى البيانات بقدر ما أصبح في تفسيرها وتوظيفها. وكما يوضح بوستامانتي، فإن التقدم التكنولوجي سبق قدرة أنظمة الرعاية الصحية على الاستفادة الفعلية منه.
فعلى سبيل المثال، تستطيع تقنيات التسلسل اليوم قراءة أكثر من 90% من الجينوم البشري، إلا أن نسبة الجينات التي يعرف الممارسون كيفية تفسيرها تفسيراً ذا معنى سريري لا تزال أقل بكثير فمن بين نحو 20 ألف جين يتكوّن منها الجينوم البشري، لم يطلب اختصاصيو الوراثة السريرية إجراء فحوص إلا لما يقارب 1500 إلى 2000 جين في أفضل الأحوال، وحتى ضمن هذه المجموعة، لا تزال قدرتنا على التمييز بين الطفرات الضارة والطفرات الحميدة غير مكتملة في كثير من الحالات.
ويقول: “لقد طورنا فهماً شبه شامل، وغير مثير للجدل، للأساس الجيني للأمراض، لكننا ما زلنا بعيدين عن القدرة على تطبيق هذا الفهم في أنظمة الرعاية الصحية الحديثة”.
ويرى بوستامانتي أن جزءاً من المشكلة يعود إلى اعتبارات عملية وإدارية فالسجلات الصحية الحالية تلتقط بيانات متقطعة: فحوصاً سنوية، وتحاليل مخبرية، وما شابه ذلك لكنها لا تعكس الصورة المتصلة والمتراكمة لحالة المريض عبر الزمن، وفي المقابل، تتيح التقنيات الجديدة، مثل الساعات الذكية وغيرها من الأجهزة القابلة للارتداء، جمع كثير من هذه البيانات بشكل مستمر، إلا أن هذه المعلومات تبقى، في الغالب، موزعة عبر منصات استهلاكية مختلفة، ولا تُستخدم فعلياً في البيئات السريرية.
وهنا يبرز الدور الذي يرى بوستامانتي أن الذكاء الاصطناعي قادر على أدائه في الطب، من خلال دمج مصادر البيانات المتباينة وتفسيرها. كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسرّع مراحل ما قبل السريرية في تطوير علاجات جديدة، وأن يساعد في تحديد المرضى الذين قد يحققون أكبر استفادة من أدوية بعينها.

من البحث العلمي إلى الأثر التطبيقي

في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، يعتزم بوستامانتي مواصلة المسارات البحثية التي شغلته طوال سنوات عمله، ضمن بيئة يصفها بأنها تجمع بين التركيز والطموح والتوسع.
ففي حين تتمحور الجامعة حول الذكاء الاصطناعي، فإنها تتوسع تدريجياً بإضافة أعضاء هيئة تدريس وأقسام ترتبط به موضوعياً، وهو ما يراه بوستامانتي عاملاً مهماً في تعزيز البعد الجماعي للتعلّم، ويشير إلى أنه استفاد من حضور محاضرات تقع خارج نطاق تخصصه المباشر، ما أتاح له الاطلاع على أحدث أبحاث الذكاء الاصطناعي، وهو ما قد لا يتوافر بالقدر نفسه في جامعة بحثية تقليدية. ويضيف أن فهمه لما يجري في مختلف مجالات الذكاء الاصطناعي تسارع بصورة ملحوظة.
وسيؤسس بوستامانتي مختبره البحثي الخاص في الجامعة، ليركز على موضوعات تتصل بالوراثة السكانية والصحة والزراعة والبيولوجيا. كما سيسهم في توسيع هيئة التدريس واستقطاب طلبة جدد للدراسات العليا. وبحكم كونه مؤسس شركة ناشئة أيضاً، فإنه يتطلع إلى توظيف خبرته في منظومة الشركات الناشئة في ستانفورد ووادي السيليكون داخل أبوظبي.
ويقول: “في نهاية المطاف، يظل العلم جهداً إنسانياً، وأرغب في استكشاف سبل توسيع الروابط التعاونية للجامعة مع شركاء عالميين رفيعي المستوى في القطاعين الحكومي والخاص”.

دور الجامعة في المجتمع

يرى بوستامانتي أن الجامعات تحتل موقعاً فريداً في المجتمع، إذ يُعهد إلى الباحثين الأكاديميين بإجراء أبحاث أساسية وأخرى تطبيقية ذات أثر مجتمعي. وفي وقت يستعد فيه الذكاء الاصطناعي لإحداث تحول واسع في مختلف مناحي الحياة، يمكن لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي أن تضطلع بدور قيادي في تطوير التقنيات الجديدة، وفي الإسهام في توجيه كيفية تبنيها واستخدامها.
ومع ذلك، فإن الطريق إلى هذا الأثر ليس خالياً من التحديات فالأدوية ستظل بحاجة إلى وقت طويل لتطويرها، ولن تنجح جميع الابتكارات التقنية الواعدة في العبور من المختبر إلى التطبيق العملي، كما أن الفجوة بين حجم البيانات التي يستطيع مجال مثل علم الجينوم إنتاجها، وبين الأثر الفعلي الذي تتركه هذه البيانات في حياة المرضى، لا تزال أوسع مما ينبغي.
ورغم ذلك، يعتقد بوستامانتي أن دولة الإمارات توفر البيئة المناسبة لردم هذه الفجوة بين البحث العلمي والممارسة العملية.
ويختتم قائلاً، مستشهداً بالكاتب ويليام غيبسون: “المستقبل حاضر بالفعل، لكنه ليس موزعاً بالتساوي”.

أخبار ذات صلة

thumbnail
الثلاثاء، 07 أبريل 2026

باحثو الذكاء الاصطناعي في أبوظبي يعيدون صياغة قواعد الطب في مختلف مراحل الحياة

On World Health Day, MBZUAI showcases how artificial intelligence is transforming healthcare, from predicting Alzheimer’s years in.....

  1. healthcare ,
  2. AI ,
  3. health ,
  4. World Health Day ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الأربعاء، 18 مارس 2026

ربط علم الأحياء بالذكاء الاصطناعي… عندما تقود المعرفة التخصصية فهم البيانات المعقّدة

مع تزايد تعقيد البيانات البيولوجية، تعمل هايان هوانغ في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي على تطوير.....

  1. البيانات ,
  2. علم الأحياء ,
  3. profile ,
  4. علم الإحصاء والبيانات ,
  5. هيئة التدريس ,
اقرأ المزيد