ربط علم الأحياء بالذكاء الاصطناعي… عندما تقود المعرفة التخصصية فهم البيانات المعقّدة - MBZUAI MBZUAI

ربط علم الأحياء بالذكاء الاصطناعي… عندما تقود المعرفة التخصصية فهم البيانات المعقّدة

الأربعاء، 18 مارس 2026

عندما أنهت هاييان هوانغ، الأستاذة الزائرة في الإحصاء وعلوم البيانات بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، برنامج الدكتوراه في جامعة جنوب كاليفورنيا في أوائل العقد الأول من الألفية، كان علم الأحياء يشهد تحولاً جذرياً مدفوعاً بتقنيات قادرة على إنتاج كميات غير مسبوقة من البيانات.

وقد شكّلت هذه المرحلة نقطة انطلاق لمسارها البحثي، وقد ازداد هذا التوجّه وضوحاً خلال زمالتها لما بعد الدكتوراه في جامعة هارفارد، في فترة تزامنت مع مبادرات كبرى مثل مشروع الجينوم البشري، والانتشار السريع لتقنيات المصفوفات الدقيقة للحمض النووي وغيرها من تقنيات “الأوميكس”. ولم تقتصر أهمية تلك المرحلة على حجم البيانات الذي بدأت المختبرات بإنتاجه، بل تمثّلت أيضاً في إعادة رسم العلاقة بين التخصصات، حيث بدأ علماء الأحياء التجريبيون والباحثون في العلوم الكمية العمل معاً لمواجهة تحديات البيانات الجينومية واسعة النطاق.

وتستعيد هوانغ تلك المرحلة قائلة: “كانت هناك تحديات علمية ثرية ومفتوحة أمام الإحصائيين”، في إشارة إلى فترة تأسيسية أعادت تشكيل نظرتها إلى البيانات وعلم الأحياء، ودفعتها إلى تبنّي أساليب تحليلية جديدة أكثر قدرة على مواكبة التحولات المتسارعة في البحث العلمي.

لكن التحديات التي يطرحها تحليل البيانات اليوم لم تعد كما كانت في ذلك الوقت. ففي بدايات مسيرتها، كان عالم الأحياء قد يلجأ إليها حاملاً ما يُعدّ اليوم مجموعة بيانات صغيرة نسبياً، أملاً في الاستفادة من خبرتها في الأساليب الإحصائية للإجابة عن سؤال علمي محدد. وفي مثل تلك الحالات، كانت الأدوات الإحصائية التقليدية كافية في كثير من الأحيان للوصول إلى نتائج مجدية.

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد جذرياً. فالبيانات التي تنتجها المختبرات الحديثة أصبحت عالية الأبعاد، ومتعددة الأنماط، ومشتقة من مصادر متباينة تشمل تجارب التسلسل الجيني، والدراسات التصويرية، والفحوصات الخلوية. ويعكس هذا التحول انتقالاً واضحاً من نهج علمي تقوده الفرضيات إلى نهج تقوده البيانات نفسها.

وتوضح هوانغ هذا التحول بقولها: “يتمحور علم البيانات في التطبيقات العلمية واسعة النطاق حول استخلاص إشارات ذات معنى من بيانات معقدة ومشوّشة، وتحويلها إلى معرفة علمية قابلة للفهم”. وتضيف أن بلوغ هذا الهدف يتطلب أدوات “مرنة بما يكفي لالتقاط الأنماط الكامنة، ومنضبطة بما يكفي لضمان دلالتها العلمية”.

عندما تعجز البيانات عن التعبير بذاتها

في السنوات الأخيرة، وسّعت هوانغ نطاق أدواتها البحثية، فلم تعد تكتفي بما تمتلكه من خلفية راسخة في الرياضيات والإحصاء، بل أضافت إليها أساليب التعلّم الآلي والتعلّم العميق، وهي أساليب أظهرت قدرة كبيرة على استخراج أنماط ورؤى من البيانات الضخمة كان يصعب الوصول إليها بوسائل تقليدية. غير أن هذه النماذج، رغم قوتها، لا تفرّق تلقائياً بين الأنماط التي يمكن رصدها إحصائياً وتلك التي تحمل قيمة علمية فعلية.

ومن هنا، اتجهت هوانغ إلى مسار بحثي يضع المعرفة التخصصية في قلب عملية النمذجة، انطلاقاً من قناعة مفادها أن البيانات، مهما بلغت كثافتها، لا تكفي وحدها لبناء فهم علمي متماسك. وتقول في هذا السياق: “أعمل على دمج المبادئ الإحصائية مع أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة والخبرة التخصصية، بهدف تطوير نماذج تجمع بين الفهم العلمي والصرامة الإحصائية”.

وعلى الرغم من أن هذه الفكرة تبدو بسيطة من الناحية النظرية، فإن تحويلها إلى ممارسة بحثية فعّالة يتطلب تعاوناً وثيقاً مع خبراء من تخصصات مختلفة. ويظهر هذا النهج بوضوح في مشروعين بحثيين يجسّدان عملياً كيف يمكن للمعرفة التخصصية أن تغيّر مسار التحليل، لا على مستوى الأدوات فحسب، بل على مستوى ما يمكن استخلاصه من البيانات نفسها.

في المشروع الأول، عملت هوانغ وزملاؤها على تحليل مجموعة كبيرة من بيانات التعبير الجيني، بحثاً عن جينات قد تعمل معاً ضمن مسار بيولوجي استجابةً لحالة حيوية معينة. وعند تطبيق إحدى طرق التجميع واسعة الاستخدام على كامل البيانات، لم تظهر نتائج ذات دلالة. لم تكن الإشارة غائبة تماماً، لكنها كانت غارقة في الضوضاء إلى حدٍّ يحول دون تمييزها.

في هذه المرحلة، كان للمعرفة التخصصية الدور الحاسم. فبالتعاون مع علماء الأحياء، جرى تحديد قائمة مختصرة تضم نحو 80 جيناً يُحتمل ارتباطها بالظاهرة المدروسة. وعندما أُعيد التحليل على هذه المجموعة المحددة، تغيّرت الصورة بشكل لافت؛ إذ أظهر 21 جيناً نمطاً واضحاً من التعبير المشترك. وتعلّق هوانغ على ذلك بقولها: “لم تكن المشكلة في غياب الإشارة، بل في طغيان الضجيج عليها”.

هذا الاكتشاف لم يقتصر على تفسير نتيجة علمية بعينها، بل قاد إلى تطوير منهجية تجمع بين الأفكار الإحصائية الكلاسيكية والحديثة والمعرفة التخصصية لتحسين نسبة الإشارة إلى الضوضاء عند البحث عن الأنماط ذات المعنى. وقد أثمر هذا العمل عن دراسة نُشرت في دورية وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم.

أما المشروع الثاني، فشكّل تقاطعاً بين الكيمياء وعلوم المواد وعلوم البيانات. ففي هذا العمل، تعاونت هوانغ مع علماء بارزين في مجال البوليمرات لتصميم بوليمرات اصطناعية تُعرف باسم البوليمرات غير المتجانسة العشوائية (RHPs)، وهي مواد يمكنها محاكاة بعض سلوكيات البروتينات الطبيعية في الأوساط الحيوية. وعلى خلاف البروتينات، التي تتكوّن من سلاسل معقدة من الأحماض الأمينية، تُبنى هذه البوليمرات من عدد محدود من الوحدات الكيميائية.

ومن منظور علم البيانات، تمثل السؤال في ما إذا كان من الممكن تمثيل هذه البوليمرات والبروتينات المستهدفة معاً داخل فضاء كامن مشترك، على نحو يعكس خصائص كيميائية ووظيفية ذات معنى، ويساعد في تحديد تصاميم للبوليمرات قد تقود إلى سلوك شبيه بالبروتينات.

غير أن الفريق واجه عائقاً مبكراً. فقد استخدم الباحثون نموذج المُشفّر التلقائي التبايني (VAE) لتوليد تمثيلات قائمة على تسلسل البروتينات والبوليمرات، لكن النموذج لم يكشف عن أي علاقات ذات دلالة بين البوليمرات والبروتينات المستهدفة. ومرة أخرى، لم يكن الخلل في البيانات نفسها بقدر ما كان في الطريقة التي تُبنى بها التمثيلات.

وبعد نقاشات مكثفة مع شركائهم من علماء البوليمرات، توصّل الفريق إلى تطوير نموذج هجين يجمع بين مُشفّر تلقائي تبايني تقليدي وآخر قائم على السمات. وقد أسهم هذا التعديل في إعادة تنظيم الفضاء الكامن بطريقة تميّز بصورة أفضل بين الأنماط الكيميائية والبيولوجية ذات المعنى والتباينات غير المرتبطة بها، ما أتاح تمثيلاً أوضح وأكثر قابلية للتفسير للعلاقات بين تسلسلات البروتينات والبوليمرات.

وتقول هوانغ: “لقد غيّر هذا النهج الصورة بالكامل، وأنتج خرائط أشارت إلى أنواع التصاميم التي يمكن أن تجعل البوليمرات أكثر ميلاً لاكتساب وظائف شبيهة بالبروتينات”.
وقد جاءت نتائج الفريق متوافقة مع التجارب المخبرية، ونُشرت الدراسة في مجلة نيتشر، كما عُرضت تفاصيل النموذج في ورشة AAAI حول تسريع العلوم والهندسة باستخدام الذكاء الاصطناعي.

من التنبؤ إلى الفهم

إلى جانب هذا المسار، تولي هوانغ اهتماماً متزايداً بتطوير أساليب تعلّم عميق قابلة للتفسير. فغالباً ما تُستخدم نماذج التعلّم العميق بوصفها “صندوقاً أسود”، إذ يمكنها تقديم تنبؤات أو مؤشرات مهمة من دون أن توضح كيف توصّلت إليها أو لماذا اعتبرت نمطاً ما ذا دلالة. وفي مجالات مثل الطب الدقيق، لا يُنظر إلى هذا الغموض باعتباره مجرد تحدٍّ نظري، بل كقيد مباشر على قدرة هذه النماذج على الإسهام في اتخاذ قرارات سريرية موثوقة وتحسين رعاية المرضى.

وتشرح هوانغ ذلك بقولها: “عندما يتعلق الأمر بالبيانات الطبية الحيوية، يمكن بناء نموذج يكتشف أنماطاً خفية ويقدّم تنبؤاً. لكن من منظور الطبيب، من الضروري فهم العوامل الكامنة التي تقود المرض، لأن ذلك يساعد على استيعاب طبيعته بشكل أفضل وتصميم استراتيجيات علاجية أكثر فاعلية”.

ذكاء اصطناعي إحصائي في خدمة الواقع

وبالنظر إلى المستقبل، ترى هوانغ أن التعلّم العميق وغيره من مجالات الذكاء الاصطناعي سيواصل تقديم إسهامات مهمة في علم الأحياء وفي سائر التخصصات العلمية. غير أن ما يشغلها ليس مجرد توسيع حضور هذه الأدوات في المختبرات، بل توجيهها نحو إنتاج أثر ملموس في العالم، من خلال ترسيخ ما يمكن وصفه بذكاء اصطناعي علمي وإحصائي أكثر التصاقاً بالواقع وأكثر حساسية للأسئلة العلمية الجوهرية.

وتقول: “أطمح إلى بناء جسر يربط بين الصرامة الإحصائية، والتطبيقات العلمية، والذكاء الاصطناعي القابل للتفسير”. وهي رؤية تختصر جوهر مشروعها البحثي: ألا يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه بديلاً عن الفهم العلمي، بل أداة لتوسيعه وتعميقه ضمن أطر منهجية دقيقة.

ويمثل العمل متعدد التخصصات ركناً أساسياً في هذا المسعى. ولهذا تشجّع هوانغ طلابها على بناء أساس قوي في الإحصاء والبرمجة والتعلّم العميق، إلى جانب التعمق في مجال علمي محدد، بما يتيح لهم التواصل بفاعلية مع الخبراء في ذلك المجال، وفهم الأسئلة الحقيقية التي تطرحها التخصصات المختلفة، لا الاكتفاء بتطبيق الأدوات على نحو معزول عن السياق.

ورغم أن التقنيات والأساليب المستخدمة في إنتاج البيانات وتحليلها ستتغير حتماً مع مرور الوقت، تؤكد هوانغ أن اهتمامها بالإحصاء وعلوم البيانات سيظل قائماً للسبب ذاته الذي جذبها إلى هذا المجال منذ البداية: لأنه يوفّر وسيلة لسرد قصص علمية دقيقة وذات معنى انطلاقاً من البيانات.

أخبار ذات صلة

thumbnail
الاثنين، 16 مارس 2026

نوع جديد من الأسماك الروبوتية يغوص بالتعلم العميق إلى أعماق البحار ويحصد جوائز عالمية

جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تسهم في تطوير منظومة متقدمة من الأسماك الروبوتية القادرة على السباحة.....

  1. التعلم العميق ,
  2. الشراكات ,
  3. الروبوتات ,
  4. جوائز تقديرية ,
  5. التعاون البحثي ,
  6. بحوث البيئة ,
  7. البيئة البحرية ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الجمعة، 27 فبراير 2026

جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تطلق برنامج زمالة روّاد الذكاء الاصطناعي للباحثين لإعداد وتمكين الكوادر الأكاديمية الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي

 يُعدُ البرنامج خريجي الدكتوراه الإماراتيين لمسيرة مهنية أكاديمية من خلال توفير زمالات بحثية ممولة ضمن مؤسسات بحثية.....

  1. research ,
  2. graduates ,
  3. postdoc ,
  4. fellowships ,
  5. Emirati ,
  6. program ,
  7. talent ,
اقرأ المزيد