قبل أن يتمكن الروبوت أو الطائرة المسيّرة من التنقل في بيئة جديدة، عليه أولاً أن يحدد موقعه واتجاهه وحركة الجسم الذي يحمله، ورغم أن هذه العملية تستغرق عادة بضع ثوانٍ فقط، فإن أي خطأ فيها قد ينعكس على كل ما يليها، فيجعل النظام يبتعد تدريجياً عن مساره الصحيح. ولهذا، طور باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي نهجاً جديداً يعتمد على نموذج تأسيسي ثلاثي الأبعاد، يسرّع هذه المرحلة ويجعلها أكثر موثوقية، حتى في البيئات التي يصعب فيها الاعتماد على الكاميرات وحدها.
تستخدم أنظمة الملاحة البصرية بالقصور الذاتي (Visual-Inertial Navigation Systems – VINS)، الموجودة في الروبوتات والطائرات المسيّرة ونظارات الواقع الافتراضي، عملية تُعرف باسم التهيئة (Initialization) عند تشغيلها في بيئة جديدة.
وتهدف هذه العملية إلى تحديد كيفية حركة النظام، واتجاه الجاذبية بالنسبة إلى الجهاز، إضافة إلى تقدير الحجم الحقيقي للبيئة المحيطة، ورغم أن هذه العملية تستغرق في العادة بضع ثوانٍ فقط ولا يلاحظها معظم المستخدمين، فإن أي خطأ في تقديراتها الأولية قد يدفع النظام إلى الانحراف عن مساره.
ويشبه يوانتاي تشانغ، طالب الدكتوراه في الروبوتات بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، هذه المرحلة بتشغيل محرك السيارة قبل الانطلاق، ويقول: “في كل مرة تقود فيها سيارة، عليك أولاً تشغيل المحرك. والتهيئة تؤدي الدور نفسه؛ فهي نقطة البداية التي يعتمد عليها كل ما يأتي بعدها”.
وطور تشانغ، بالتعاون مع باحثين من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ومؤسسات أخرى، أسلوباً جديداً للتهيئة يعتمد على تقنية ذكاء اصطناعي تُعرف باسم النموذج التأسيسي ثلاثي الأبعاد أحادي المرور (Feed-forward 3D Foundation Model).
ويطلق الباحثون على هذا النهج اسم التهيئة الفعالة الخالية من السمات لأنظمة الملاحة البصرية بالقصور الذاتي أحادية الكاميرا، وقد أظهرت التجارب أنه ينجز التهيئة بسرعة أكبر من الأساليب التقليدية، كما يعمل بكفاءة في البيئات التي تجعل هذه المهمة صعبة، مثل الأماكن منخفضة الإضاءة أو المشاهد التي تتكرر فيها الأنماط البصرية.
وعرض الباحثون نتائج دراستهم خلال مؤتمر الروبوتات: العلوم والأنظمة (RSS) الذي عُقد في سيدني، وشارك في تأليفها كل من جياقي يانغ، وهواجيان زينغ، وتشانغهاو تشين، وهاوانغ لي، وليانغ لي، وديزين سونغ، وزينغزينغ زوو.
تعتمد هذه الأنظمة عادة على مصدرين للمعلومات: كاميرا، ووحدة قياس القصور الذاتي (IMU)، وهي شريحة إلكترونية صغيرة تقيس التسارع والدوران.
ويكمل كل منهما الآخر.
فالكاميرا توفر معلومات تفصيلية عن المشهد، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد المسافات أو الحجم الحقيقي للأجسام.
أما وحدة قياس القصور الذاتي، فتقيس التسارع بوحدات فيزيائية حقيقية، وتواصل العمل حتى في ظروف الإضاءة الضعيفة أو في البيئات التي تفتقر إلى التفاصيل البصرية.
ويقول تشانغ: “لا تتأثر وحدة القياس بالبيئة المحيطة، ولذلك تزودك بمعلومات لا تستطيع الرؤية الحاسوبية توفيرها”.
وتُعد مرحلة التهيئة ضرورية لأن النظام لا يستطيع دمج بيانات الكاميرا ووحدة قياس القصور الذاتي قبل معرفة حالته الابتدائية.
كما أن كل تقدير جديد يبنى على التقدير السابق، لذلك فإن أي خطأ في البداية يتراكم مع مرور الوقت.
ويضيف تشانغ: “إذا لم تكن الحالة الابتدائية دقيقة، فإن تقدير حالة النظام سينحرف تدريجياً”.
التخلص من الحاجة إلى السمات البصرية
اعتمدت طرق التهيئة التقليدية على ما يُعرف بـ السمات البصرية، مثل الزوايا والأنسجة التي تكتشفها الخوارزميات في صورة، ثم تبحث عنها في الصورة التالية.
ومن خلال مطابقة هذه السمات، تستطيع الخوارزمية ربط الصور المختلفة معاً وبناء تمثيل ثلاثي الأبعاد للمشهد، لكنها تحتاج في المقابل إلى تقدير الموقع ثلاثي الأبعاد لكل سمة على حدة.
وتشكل هذه الطريقة تحدياً للروبوتات والطائرات المسيّرة التي تعمل في بيئات فقيرة بالتفاصيل البصرية، مثل الممرات الصناعية أو الغرف ذات الجدران البيضاء.
ولهذا، ألغى الباحثون الحاجة إلى السمات البصرية تماماً.
فبدلاً من ذلك، يعتمد نهجهم على نموذج تأسيسي ثلاثي الأبعاد يستطيع، من خلال تحليل عدد قليل من الصور الملتقطة بالكاميرا، إنشاء سحابة نقطية ثلاثية الأبعاد للمشهد.
وبما أن النموذج ينتج هذه السحابة جاهزة ضمن إطار مرجعي موحد، فلا حاجة إلى مطابقة السمات بين الصور أو تقدير مواقعها بصورة منفصلة.
لكن لهذا النموذج قيداً مهماً.
فهو يستطيع التنبؤ بشكل الأجسام، لكنه لا يعرف حجمها الحقيقي.
وهنا يأتي دور وحدة قياس القصور الذاتي، التي تعتمد على قياسات فيزيائية فعلية، فتساعد في تحديد المقياس الحقيقي للمشهد.
وتصبح عملية التهيئة، عندئذ، مسألة مواءمة الشكل الهندسي الذي ينتجه النموذج مع بيانات الحركة التي تسجلها وحدة القياس.
ولأن تغيير حجم السحابة النقطية يؤثر في جميع النقاط بالنسبة نفسها، تختزل المشكلة البصرية إلى قيمة واحدة فقط, هي مقياس حجم المشهد.
ويقول تشانغ: “تصبح المعادلات أبسط، وبما أن النهج لا يعتمد على السمات البصرية، فإنه يتجنب بطبيعته الضوضاء المرتبطة بها”.
اختبر الباحثون نهجهم باستخدام معيارين عامين، إضافة إلى مجموعة بيانات طوروها بأنفسهم.
وحقق النظام أعلى معدل نجاح، إذ بلغ نحو 95% على مجموعة بيانات TUM-VI، مقارنة بما بين 75% و83% للأساليب الأخرى. كما احتاج إلى نحو ثانية واحدة فقط من بيانات المستشعرات لإتمام التهيئة، بينما احتاجت الطرق المنافسة إلى ما بين ثلاث وخمس ثوانٍ.
أما على مجموعة البيانات التي أنشأها الباحثون، فقد بلغ معدل النجاح 90%، مقابل 30% إلى 50% للأنظمة الأخرى.
وظهر الفارق الأكبر في البيئات الداخلية الصعبة، حيث تمكن النظام الجديد من تنفيذ التهيئة بصورة موثوقة، في حين أخفقت الطرق الأخرى.
ومع ذلك، يقر الباحثون بأن نهجهم ليس خالياً من القيود، فالسحابة النقطية التي ينتجها النموذج ليست قياساً مباشراً، وإنما توقع يعتمد على وجود مؤشرات بصرية كافية.
ويقول تشانغ: “إذا كان المشهد عبارة عن جدار أبيض بالكامل، فسيفشل نظامنا، لأن النموذج يحتاج إلى بعض المؤشرات البصرية حتى يتمكن من إنتاج توقعات موثوقة”.
لكنه يوضح أن هذا القيد لا يقتصر على نظامهم، بل ينطبق على جميع الأنظمة التي اختبروها، كما واجهت جميعها صعوبة في المشاهد الخارجية المفتوحة، مثل السماء الخالية.
ويرى الباحثون أن أهم ما يميز نهجهم أنه لا يعتمد على نموذج تأسيسي ثلاثي الأبعاد بعينه، فعندما استبدلوا النموذج الافتراضي بنماذج أحدث، تحسنت النتائج من دون الحاجة إلى تعديل بقية مكونات النظام.
ويختتم تشانغ قائلاً: “كلما أصبح النموذج التأسيسي أقوى، أمكننا تحقيق أداء أفضل”.
من تأسيس قسم الروبوتات إلى إعداد قادة الذكاء الاصطناعي المستقبليين، يقود البروفيسور ديزين سونغ جامعة محمد بن.....
سيزار ستيفانيني من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يعزز التحكم في الروبوتات المرنة عبر مقاربة مدعومة.....
من الدورات الإلكترونية إلى الأبحاث المتقدمة، يعكس الصعود السريع لإبراهيم السراج مسار نمو قسم الروبوتات في جامعة.....