ديزين سونغ: من تطوير الروبوتات إلى إعداد قادة المستقبل MBZUAI

ديزين سونغ: من مختبرات الروبوتات إلى إعداد قادة الذكاء الاصطناعي

الجمعة، 19 يونيو 2026

في وقتٍ يُنظر إليه على أنه نقطة تحوّل في مسار الروبوتات الحديثة، يبرز البروفيسور ديزين سونغ كأحد الفاعلين الرئيسيين في هذا المشهد، ويسهم في رسم ملامح مرحلة جديدة يتقاطع فيها التطور المتسارع في الذكاء الاصطناعي مع التقدّم المطّرد في تقنيات الروبوتات. ويقود سونغ، في هذا الإطار، مسارين متوازيين: أولهما يُعنى بتطوير جيل جديد من الروبوتات القادرة على التفاعل بكفاءة مع العالم الحقيقي، وثانيهما يركز على إعداد كوادر بحثية مؤهلة لقيادة هذه المرحلة ومواكبة تحوّلاتها.

ورغم اختلاف طبيعة هذين الدورين، إلا أن البروفيسور سونغ – نائب عميد الجامعة لشؤون الطلبة وباحثي ما بعد الدكتوراه – ينظر إليهما باعتبارهما امتداداً لمهمة واحدة تتمثل في الاستعداد لمستقبل يتشكل بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً قبل سنوات قليلة.

وفي هذا السياق الأوسع الجامع بين البحث الأكاديمي وبناء القدرات البشرية، يرى سونغ أن النماذج اللغوية الضخمة لم تُغيّر فقط طريقة تفاعل البشر مع الذكاء الاصطناعي، بل أعادت أيضاً تشكيل مسار مستقبل الروبوتات برمّته؛ فبعد عقود من التطور، يقف هذا المجال اليوم على أعتاب مرحلة جديدة، باتت فيها معظم المكوّنات التقنية الأساسية متاحة، من قدرات الحوسبة المتقدمة إلى الخوارزميات الذكية والبنية البحثية المتخصصة.

ويعتقد سونغ، امتداداً لهذا التحول التقني الواسع، أن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تمر بدورها بتحوّل مماثل، حيث إنها – وبعد سنوات ركزت فيها على إرساء أقسامها الأكاديمية واستقطاب الكفاءات وهيكلة بنيتها المؤسسية – تدخل اليوم مرحلة جديدة تتطلب من مجتمعها الأكاديمي الإسهام الفاعل في تطوير المؤسسة، إلى جانب مواصلة البحث العلمي والارتقاء بالعملية التعليمية.

من الولايات المتحدة إلى أبوظبي

التحق سونغ بالجامعة عام 2023 قادماً إليها من “جامعة تكساس إي آند إم” الأميركية، حيث شغل منصب أستاذ ورئيس مشارك للشؤون الأكاديمية في قسم علوم وهندسة الحاسوب. وبما أن مسيرته الأكاديمية كانت متركزة بالكامل في الولايات المتحدة، لم يكن الانتقال إلى الشرق الأوسط ضمن خططه المهنية، إلا أن انطباعه الأول عن أبوظبي سرعان ما غير كل شيء.

خلال زيارته الأولى للإمارة، وللجامعة على وجه الخصوص، وجد سونغ نفسه أمام مؤسسة أكاديمية فتية تتمتع بطموح استثنائي ورؤية واضحة لتأسيس مركز عالمي رائد في مجال الذكاء الاصطناعي. وأكثر ما لفت انتباهه كان مستوى التعاون بين الباحثين، إلى جانب الوتيرة السريعة التي تتحرك بها الجامعة نحو تحقيق أهدافها. وقد شكّل هذا الطموح المؤسسي دافعاً رئيسياً لانضمامه إلى هذا الصرح الأكاديمي.

وبانضمامه إلى الجامعة، أصبح سونغ أول عضو هيئة تدريس يلتحق بقسم الروبوتات، ما منحه فرصة فريدة من نوعها للمشاركة في تأسيسه وإرساء قواعده. وقد أسهم البروفيسور من موقعه في استقطاب أعضاء هيئة التدريس والطلبة، وتطوير البرامج الأكاديمية، والمشاركة في تصميم المختبرات البحثية، ووضع اللبنات الأولى لهذا القسم.

إعداد قادة المستقبل

وتجسيداً لهذه الجهود على أرض الواقع، شهد العام الجاري تخريج أول دفعة من طلبة قسم الروبوتات في الجامعة، والتي ضمت 17 خريجاً من الإمارات ومختلف دول العالم. وقد ركزت مشاريع هؤلاء البحثية على مجالات متقدمة شملت الروبوتات اللينة، والأنظمة الميكاترونية، والروبوتات متعددة الوسائط، وأنظمة الإدراك والتحكم، إلى جانب تخصصات أخرى تسهم في رسم ملامح الجيل القادم من الروبوتات الذكية.

ويمثل تخريج هذه الدفعة محطة مفصلية في مسيرة قسم الروبوتات الذي أسهم سونغ في تأسيسه، إلا أن أهمية هذه اللحظة بالنسبة إليه تتجاوز حدود نجاح برنامج أكاديمي فتي إلى تجسيد لرؤية أوسع تتبناها الجامعة متمثلة في إعداد جيل جديد من الباحثين والقادة القادرين على توسيع آفاق الذكاء الاصطناعي والروبوتات، والإسهام في رسم ملامح مستقبل هذه التقنيات على المستوى العالمي.

ويتجلى هذا التوجه كذلك في مسؤولياته القيادية خارج نطاق البحث والتدريس من خلال منصبه نائباً لعميد الجامعة لشؤون الطلبة وباحثي ما بعد الدكتوراه، إذ يتولى سونغ الإشراف على منظومة متكاملة تُعنى بدعم الطلبة والباحثين في مختلف مراحل مسيرتهم الأكاديمية، بدءاً من الاستقطاب والقبول، مروراً بتعزيز تجربتهم التعليمية والبحثية، ووصولاً إلى التطوير المهني وإعدادهم للانخراط في سوق العمل.

ويقوم هذا الدور على قناعة مفادها أن إعداد الباحثين لا يقتصر على تزويدهم بالمعرفة العلمية، بل يتطلب أيضاً مساعدتهم على التطور كمفكرين وقادة قادرين على إحداث التغيير. وتولي الجامعة، من هذا المنطلق، أهمية كبيرة لتعزيز الثقة بالنفس والقدرة على التكيف والعمل في بيئات بحثية تتسم بتنافسيتها العالية، إلى جانب السعي إلى تحقيق التميز الأكاديمي.

وامتداداً لهذه الرؤية المتكاملة، يشمل الدعم كذلك جوانب الرفاهية والصحة النفسية وتعزيز لحمة المجتمع الجامعي، ذلك لأن نجاح الباحث، من وجهة نظر سونغ، لا يعتمد فقط على امتلاك المهارات التقنية، بل يرتبط أيضاً بقدرته على التكيف مع المتغيرات ومواصلة التطور على المستويين المهني والشخصي.

الروبوتات خارج حدود المختبر

وإلى جانب مسؤولياته الأكاديمية، يواصل سونغ أبحاثه في أحد أكثر المجالات الواعدة في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يُعرف بالذكاء الاصطناعي المتجسد؛ أي الأنظمة الذكية القادرة على الفهم والتفكير واتخاذ القرار والتفاعل مع البيئة المادية المحيطة بها.

وتنبع أهمية هذا المجال بالنسبة له من هدفه الرامي إلى نقل قدرات الذكاء الاصطناعي من العالم الرقمي إلى الواقع، فبينما أثبتت الروبوتات كفاءتها في البيئات المتحكم فيها وحيث العمليات محددة مسبقاً، تواجه الروبوتات نفسها في البيئات المفتوحة تعقيدات ومتغيرات أكثر تنطوي على سيناريوهات يصعب التنبؤ بها، ما يتطلب مستويات أعلى من الفهم والقدرة على التكيف واتخاذ القرار.

وللتعامل مع هذه التحديات، يركز سونغ وفريقه البحثي على تطوير نظم قادرة على التفاعل مع البشر بصورة طبيعية، والتعلم من السيناريوهات المستجدة، واكتساب مهارات إضافية أثناء العمل بدلاً من الاعتماد فقط على المهام التي تمت برمجتها مسبقاً.

ويرى سونغ أن التطبيقات العملية لهذه التقنيات لم تعد مجرد تصورات مستقبلية بعيدة، بل باتت تقترب تدريجياً من واقع الحياة اليومية، مرجحاً أن يتحول الحرم الجامعي في المستقبل القريب إلى نموذج حي لهذه الرؤية، حيث تتجاوز الخدمات الأنظمة الرقمية التقليدية لتشمل روبوتات ذكية قادرة على التفاعل مع الزوار، والإجابة عن استفساراتهم، وإرشادهم داخل الحرم، وتقديم الدعم في مختلف المهام اليومية.

ويؤكد، في هذا الصدد، أن الجامعة تمتلك مقومات فريدة تمكّنها من الإسهام في تحقيق هذا التصور، بفضل تكامل تخصصاتها في معالجة اللغة الطبيعية والرؤية الحاسوبية وتعلم الآلة، ما يتيح تطوير روبوتات أكثر قدرة على التواصل والفهم والتفاعل مع البشر عن طريق استخدام اللغة العربية، وقراءة الإشارات والسلوكيات الإنسانية، والاستجابة للمتغيرات بسلاسة، بما يعزز فعاليتها في البيئات الواقعية المصممة للعمل فيها

نحو روبوتات تتعلم باستمرار

ومن بين التحديات البحثية التي يوليها سونغ اهتماماً خاصاً، نتحدث أيضاً عن تطوير روبوتات قادرة على اكتساب مهارات جديدة باستمرار دون الحاجة إلى برمجتها مسبقاً لكل مهمة أو سيناريو. ويتصور البروفيسور مستقبلاً تستطيع فيه الروبوتات الوصول إلى المعرفة التي تحتاجها وتعلم مهارات جديدة عند الحاجة.

ولتوضيح هذه الرؤية، يضرب سونغ مثالاً بروبوت يدخل مطبخاً جديداً ويواجه أجهزة لم يسبق له التعامل معها؛ ففي مثل هذا السيناريو، قد يتمكن الروبوت مستقبلاً من الوصول إلى المعلومات ذات الصلة بشكل فوري، وفهمها وتطبيقها، ما يتيح له تنفيذ المهمة المطلوبة دون الحاجة إلى تدريب أو تدخل بشري مباشر.

ويعتقد سونغ أن هذه القدرة على التعلم باستمرار قد تشكل أحد العوامل الحاسمة في انتقال الروبوتات من البيئات المغلقة إلى الحياة اليومية. فكلما ازدادت قدرة الروبوت على التعلم والتكيف مع الظروف الجديدة، أصبحت أكثر استعداداً للتعامل مع تعقيدات العالم الحقيقي ومتغيراته المستمرة.

التحدي الأصعب

رغم التقدم الكبير في الذكاء الاصطناعي، ما تزال بعض المهام البسيطة بالنسبة للبشر تمثل تحدياً كبيراً بالنسبة للروبوتات؛ ففتح باب أو التقاط شيء من الأرض أو استخدام أداة يدوية يتطلب مستويات معقدة من الإدراك والتنسيق الحركي واتخاذ القرار.

ويركز سونغ لهذا على تطوير أطر عمل تسمح للروبوتات بتعلم هذه المهارات بشكل مستقل، انطلاقاً من قناعته بأن إتقان المهام الأساسية سيمهد الطريق لاكتساب قدرات أكثر تعقيداً في المستقبل.

ولا يقتصر الأمر على التعلم المستقل، إذ يعمل الباحثون أيضاً على تمكين الروبوتات من تبادل الخبرات والمهارات فيما بينها، بحيث لا يضطر كل روبوت إلى تعلم كل شيء من البداية، حيث يمكن، مع تراكم هذه المعرفة المشتركة، أن تتطور مكتبات مهارية ضخمة تعزز استقلالية الروبوتات وقدرتها على تنفيذ مهام أكثر تقدماً.

الروبوتات والأمن الغذائي

وتمتد تطبيقات هذه التقنيات إلى قطاعات متعددة بما فيها قطاع الزراعة الذي يحتل مكانة خاصة في اهتمامات سونغ البحثية، انطلاقاً من إيمانه بأن الأمن الغذائي أحد أبرز التحديات العالمية وأن الروبوتات يمكن أن تسهم في معالجته من خلال تنفيذ مهام زراعية متنوعة تشمل إزالة الأعشاب الضارة، وزراعة المحاصيل، والحصاد، ومراقبة صحة النباتات، بما يعزز كفاءة الإنتاج ويقلل الاعتماد على العمالة المكثفة.

وفي السياق، يشير البروفيسور إلى أن طرق الزراعة الحديثة تعتمد على التوسع في الزراعة الأحادية واستخدام المواد الكيميائية والبذور المعدلة وراثياً لزيادة الإنتاجية ومكافحة الآفات، وهو ما يحقق مكاسب اقتصادية لكنه يفرض كلفة بيئية مرتفعة. ومن ثم، يأمل أن تسهم الروبوتات في تحقيق توازن بين الإنتاجية والاستدامة، عبر دعم إنتاج غذاء عالي الجودة بأسعار مناسبة، مع تقليل الأثر البيئي والحد من الاعتماد على المدخلات الكيميائية.

في نهاية المطاف، سواء تعلق الأمر ببناء روبوتات أكثر ذكاءً أو بإعداد علماء وباحثين يقودون مسيرة تطوير الجيل القادم من الابتكارات، فإن سونغ يرى أن العالم يقف أمام فرصة تاريخية نادرة. فالطريق أصبح ممهدا أكثر من أي وقت مضى، أما التأثير الحقيقي فسيكون من نصيب المؤسسات والأفراد الذين يملكون الجرأة على التحرك أولاً واستثمار الإمكانات الهائلة التي تتيحها هذه المرحلة الجديدة من التطور التكنولوجي.

أخبار ذات صلة

thumbnail
الخميس، 04 يونيو 2026

كيف يمكن لعلم الوراثة اللاّجينية أن يعيد تشكيل مفهوم الرعاية الصحية في الإمارات

طوّر باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي إطاراً جديداً قد يساعد أنظمة الرعاية الصحية على.....

  1. الرعاية الصحية ,
  2. طبي ,
  3. علم الأحياء ,
  4. مجلة نيتشر ,
  5. HPP ,
  6. EGP ,
  7. Nature Genetics ,
  8. برنامج الجينوم ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الثلاثاء، 05 مايو 2026

رحلة إصرار ومثابرة من التعلم الذاتي إلى البحث المتقدم...إبراهيم السراج ينطلق في عالم الروبوتات اللينة

من الدورات الإلكترونية إلى الأبحاث المتقدمة، يعكس الصعود السريع لإبراهيم السراج مسار نمو قسم الروبوتات في جامعة.....

  1. ماجستير العلوم ,
  2. علم الروبوتات ,
  3. الخريجون ,
  4. البحوث ,
  5. الدكتوراه ,
  6. حفل التخرج ,
  7. دفعة 2026 ,
اقرأ المزيد