بشاير السريدي تجسّيد حي لعزيمة الطموح والقدرة على التكيّف MBZUAI

بشاير السريدي تجسّيد حي لعزيمة الطموح والقدرة على التكيّف

الاثنين، 27 أبريل 2026

في عالم يتسارع فيه التطور التكنولوجي، تبرز قصص فريدة تلخص معنى الإصرار والتحول الحقيقي؛ ومن بين هذه النماذج الملهمة، تروي بشاير السريدي، خريجة الماجستير في تعلم الآلة، كيف شكّل طموحها في رفع اسم دولة الإمارات دافعاً أساسياً لمواجهة التحديات وخوض غمار مسارات جديدة لم تكن في الحسبان.

لم تكن السريدي مرشحة تقليدية للالتحاق ببرنامج ماجستير في تعلم الآلة عند انضمامها إلى جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي. فخلفيتها الأكاديمية في الأمن المعلوماتي، إلى جانب محدودية خبرتها في البرمجة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، جعلتها بعيدة عن المسار المتوقع لهذا التخصص – غير أن الجامعة رأت فيها ما لم يلتفت إليه الآخرون ألا وهو: إمكانات كامنة تستحق الاستثمار.

وبعد عامين فقط، تخرجت السريدي حاملة لدرجة الماجستير، بعد أن صممت ونفذت نظاماً ذكياً مؤتمتاً يعتمد على نظم ذكاء اصطناعي مساعد، قادرة على معالجة وتحليل مجموعات بيانات معقدة تساعد في الكشف عن مؤشرات الإصابة بالاكتئاب – وهو إنجاز يعكس بوضوح مثابرتها وانضباطها وإصرارها على تطوير ذاتها رغم التحديات.

وتقول السريدي: “أشعر بفخر كبير لما حققته – فقبل عامين فقط، لم أكن أتخيل أنني سأكون هنا اليوم، ألتحق بهذه الجامعة وأحصل على درجة ماجستير العلوم، وأتعلم هذا الكم من المهارات، بل وأناقش أطروحتي بثقة”. وتضيف: “لم تكن لدي أي خلفية في الذكاء الاصطناعي في البداية، أما اليوم فقد تمكنت من إتقان العديد من المهارات. وأنا، حقاً، ممتنة للغاية لهذه الفرصة، ولكل من دعمني خلال هذه الرحلة، من عائلتي إلى الجامعة والمشرفين والباحثين، والذين – بفضلهم – تمكنت من تحقيق إنجاز لم أكن أتصور أنه ممكن”.

انضمت السريدي إلى قسم تعلم الآلة في الجامعة عام 2024، تحت إشراف الأستاذ فخري كراي، غير أن مسارها لم يكن خطياً. فبعد تخرجها من كلية تقنية المعلومات في جامعة الإمارات العربية المتحدة، التحقت بوظيفة في شركة مبادلة ذات طابع مالي، وهي تجربة مهنية ساعدتها على إعادة تقييم خياراتها وتحديد شغفها الحقيقي.

وتوضح: “كانت تجربة مبادلة تحولاً كاملاً بالنسبة لي، بعيداً عن التكنولوجيا والحاسوب، ما جعل البداية صعبة. ورغم أنني استمتعت بالتجربة، إلا أنني عندما رأيت باب التقديم مفتوحاً في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أدركت أن أمامي خيارين: إما الاستمرار في المسار الحالي، أو العودة إلى شغفي بالتكنولوجيا، وتطوير مهاراتي، والدخول إلى عالم الذكاء الاصطناعي. وكان القرار واضحاً بالنسبة لي؛ فالذكاء الاصطناعي هو المستقبل، وهنا المكان الذي أردت أن أكون فيه”.

تختصر رحلة بشاير السريدي معنى الجرأة في اتخاذ القرار، وتؤكد أن الإيمان بالقدرات الذاتية، مدعوماً ببيئة تعليمية محفزة، يمكن أن يحوّل التحديات إلى إنجازات نوعية.

التكيّف مع التحديات

شكّلت الأشهر الأولى لبشاير السريدي في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي اختباراً حقيقياً لقدرتها على التكيّف. فقد وجدت نفسها أمام بيئة علمية تتطلب استيعاب مفاهيم ومصطلحات جديدة، واعتماد أنماط تفكير مختلفة، وبناء مهارات تقنية بوتيرة متسارعة. وقد كان على بشاير – خاصة وأن مسارها الأكاديمي كان بعيداً نسبياً عن مجال تخصصها في الجامعة – سد الفجوات المعرفية بسرعة، وغالباً ما كانت تتعلم المفاهيم للمرة الأولى، وفي الوقت ذاته كانت مطالبة بتطبيق فهمها لها عملياً.

غير أن هذا التحدي سرعان ما تحوّل إلى فرصة – فمع دخولها عامها الدراسي الثاني، بدأت السريدي تجني ثمار جهودها، حيث تمكنت من توظيف ما تعلمته ليس فقط في المختبرات، بل أيضاً من خلال برامج التدريب العملي التي نظمتها الجامعة بالتعاون مع جهات رائدة – وتوضح قائلة: “كانت هذه المرحلة الأكثر أهمية بالنسبة لي، إذ أُتيحت لي فرصة العمل مع مؤسسات مثل الاتحاد للطيران و”سبيس 42″ على مشاريع حقيقية. وأنا أومن بأن التطبيق العملي للمعرفة على أرض الواقع هو عنصر أساسي قد مكنني – دون شك – من اكتساب الكثير من هذه التجارب”.

لكن التحدي الأكبر تجلّى في مشروع أطروحتها الذي شكّل محور تركيزها خلال عامها الدراسي الثاني، والنقطة التي خضعت فيها معارفها لاختبار شامل. فقد تناولت في بحثها أحد أبرز التحديات في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو صعوبة بناء مجموعات بيانات عالية الجودة، لا سيما في المجالات الحساسة مثل الصحة النفسية.

وفي سياق أبحاث الكشف عن علامات الإصابة بالاكتئاب – وهو محور دراستها – غالباً ما تكون البيانات محدودة ويتم إعدادها يدوياً، ما يتطلب من الباحثين الاطلاع على كميات كبيرة من المحتوى وتصنيفه، وهي عملية تتطلب الكثير من الوقت وتحدّ من قابلية تغطية حجم بيانات أكبر. وسعت السريدي، من هنا، إلى تقديم حل مبتكر يتمثل في تصميم نظام مؤتمت مدعوم بنظم ذكاء اصطناعي مساعد تكون قادرة على تنفيذ هذه المهمة بشكل مستقل.

وتشرح ذلك بقولها: “اعتمدت في دراستي على تحليل مقاطع فيديو من منصة يوتيوب، حيث قمت بجمع البيانات، ثم فلترتها واستبعدت غير الضروري منها، قبل تصنيفها إلى محتوى مرتبط بالاكتئاب أو غير مرتبط به. ثم عملت، بعد ذلك، على أتمتة العملية بالكامل”.

ورغم عدم امتلاكها خلفية في علم النفس، تعاونت السريدي مع مختصين لتحديد معايير تصنيف البيانات بدقة – إلا أن التحدي الأكبر لم يكن علمياً بقدر ما كان تقنياً. وتوضح: “مع أتمتة عملية جمع البيانات، كان النظام يرسل طلبات متكررة إلى يوتيوب، ما أدى إلى حظري مراراً باعتباري روبوتاً. ولم يكن بإمكاني الاكتفاء بكمية محدودة من البيانات، إذ كان عليّ الاستمرار في التوسّع”.

وأمام هذا التحدي، لجأت إلى حلول تقنية مبتكرة، مضيفة: “استخدمت ’الخوادم الوكيلة السكنية و’شبكات افتراضية خاصة‘ لتغيير عناوين الإنترنت باستمرار، بهدف إيهام منصة يوتيوب بأننا مستخدمون مختلفون. وقد كانت العملية معقدة وتطلبت اختبار حلول متعددة وتعديلها بشكل متواصل، وكانت العملية الواحدة تستغرق منا من يومين إلى ثلاثة أيام”.

وتختتم السريدي حديثها قائلة: “رغم الضغوط، كانت التجربة ممتعة للغاية، لأنها كشفت لي مدى قدرتي على التكيّف والابتكار. كما أنني شعرت بالفخر لتمكني من تجاوز التحديات وإيجاد حلول فعّالة لها وصولاً إلى استكمال إنجاز بحثي بنجاح”.

بين ضغوط المسؤولية وسمو الغاية

لم تنحصر التحديات التي واجهتها بشاير السريدي على المتطلبات الأكاديمية الصارمة فحسب، بل امتدت لتشمل مسؤولياتها خارج الحرم الجامعي. فبصفتها طالبة متزوجة، وجدت نفسها أمام مهمة دقيقة تتمثل في تحقيق التوازن بين الدراسة والبحث العلمي والحياة الأسرية، لا سيما في المراحل الأخيرة من إعداد أطروحتها، حيث تصاعدت وتيرة العمل بشكل ملحوظ.

ورغم كل ذلك، لم يكن الضغط الذي رافق هذه المسؤوليات عبئاً يثقل كاهل بشاير، بل تحوّل إلى قوة دافعة عززت من عزيمتها – وتقول: “كان الضغط إيجابياً ويجعلني– خاصة كوني إماراتية – أرى في دعم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وصاحب السمو الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، إلى جانب دعم حكومة الإمارات لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وخريجيها، دافعا أكبر ومحفزاً لبذل المزيد من الجهد”.

وتضيف بكل ثقة: “أنا امرأة إماراتية، وأسعى لأن أكون مصدر فخر لعائلتي، وأن أفتخر بنفسي، وأن أُسهم في رفع اسم بلدي. ولهذا السبب، لا أستسلم أبداً، بل أواصل السعي وأبذل كل ما في وسعي لتحقيق أهدافي”.

وعلى صعيد آخر، يذكر أن قرار السريدي متابعة دراساتها العليا قد اكتسب بُعداً شخصياً عميقاً، إذ جاء استجابة لرغبة والدتها التي كانت تتمنى أن ترى إحدى بناتها تبلغ هذا المستوى العلمي. ومع كون والدها حاصلاً على درجة الدكتوراه، أصبحت السريدي أول من يحقق درجة الماجستير بين أشقائها، لتفتح بذلك الباب أمامهم للسير على خطاها.

وتوضح: “لدي أربع شقيقات وشقيقان، وأنا الأولى – حتى الآن – التي حصلت على درجة الماجستير. لقد بدأت هذه الرحلة، وعلى الآخرين أن يواصلوها”.

وعلى الرغم من أن خطواتها المستقبلية لم تتضح بالكامل بعد، فإن السريدي تؤكد أن تجربتها في الجامعة شكّلت نقطة تحول على المستويين الأكاديمي والشخصي – وتقول: “لقد غيّرتني هذه التجربة بشكل كبير، سواء من حيث مهاراتي التقنية، أو قدرتي على التواصل، أو حتى في طريقة التفكير خارج الأطر التقليدية وإيجاد حلول مبتكرة للمشكلات”.

وتختتم بشاير برسالة تعكس خلاصة تجربتها – قائلة: “الدراسة هنا ليست سهلة، فهي تتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، لكنها ممكنة لكل من يمتلك الشغف ويحظى بالدعم – والأهم من هذا وذاك هو الاستمرار في تجربة أشياء جديدة حتى الوصول إلى الحل – وهذا ما ينطبق على البحث العلمي وعلى الحياة، حيث إن لكل مشكلة حل، والخيار دائماً بين الاستسلام أو مواصلة العمل بإصرار”.

وبهذه الروح، تقدم بشاير السريدي نموذجاً ملهماً لجيل يسعى إلى تحقيق التميز، مؤمناً بأن الطموح المدعوم بالإرادة قادر على تحويل التحديات إلى قصص نجاح تُروى.

أخبار ذات صلة

thumbnail
الاثنين، 20 أبريل 2026

حماية الأسرار عبر الخصوصية التفاضلية في أنظمة الاصطناعي دون التضحية بالفائدة

طوّر باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي منهجية DP-Fusion، وهي طريقة تتيح حماية البيانات الحساسة.....

  1. تعلّم الآلة ,
  2. nlp ,
  3. البحوث ,
  4. معالجة اللغة الطبيعية ,
  5. مؤتمر ,
  6. ICLR ,
  7. الخصوصية ,
  8. الخصوصية التفاضلية ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الخميس، 16 أبريل 2026

أخبار الخريجين: هل يستطيع الذكاء الاصطناعي فهم مشاعر الإنسان؟

تؤمن خريجة جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والمعالجة النفسية جماباييفا بأن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة.....

  1. أخبار الخريجين ,
  2. Alumni Spotlight ,
  3. emotion ,
  4. مشاعر الإنسان ,
  5. فهم ,
  6. علم النفس ,
  7. الخريجون ,
  8. تعلّم الآلة ,
  9. alumni ,
  10. الذكاء الاصطناعي ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الثلاثاء، 24 مارس 2026

أخبار الخريجين: بناء الذكاء الاصطناعي الطبي من الأساس

"من خلال عمله مع مستشفيات في مختلف أنحاء دولة الإمارات، يسهم خريج جامعة محمد بن زايد للذكاء.....

  1. باحث علمي ,
  2. الخريجون ,
  3. الرعاية الصحية ,
  4. أخبار الخريجين ,
  5. التعاون ,
  6. الطب ,
  7. نموذج العالم ,
  8. قواعد البيانات ,
اقرأ المزيد