يُنظر إلى قطاع الرعاية الصحية اليوم باعتباره أحد أكثر القطاعات استعداداً للاستفادة من التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، فمن تحسين دقة التشخيصات الطبية، إلى تطوير علاجات أكثر تخصيصاً للمرضى، مروراً بتعزيز متابعة الحالات الصحية وتحسين كفاءة العمليات التشغيلية، تفتح هذه التقنيات آفاقاً جديدة لإحداث تحول شامل في مختلف مستويات الرعاية الصحية.
ويبرز قطاع الصناعات الدوائية بوصفه أحد المجالات التي يمكن أن تشهد أكبر أثر لهذه التحولات، إذ يتيح الذكاء الاصطناعي تسريع عمليات البحث والتطوير الدوائي، وتحسين مستويات السلامة والكفاءة، وخفض التكاليف، فضلاً عن دعم تطوير علاجات أكثر ملاءمة لاحتياجات كل مريض على حدة.
وفي قلب هذه التحولات يقف فريدي خيمينيز، قائد الابتكار الإقليمي في شركة فايزر لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا وروسيا، والذي يسعى إلى توظيف الذكاء الاصطناعي لإحداث أثر ملموس في مستقبل الرعاية الصحية داخل دولة الإمارات وخارجها.
يقول خيمينيز: “انتقلت إلى دولة الإمارات قبل خمسة أعوام لتولي منصب جديد ومثير للاهتمام، وسرعان ما بدأت أتعرف إلى ما يجري في الدولة على صعيد الذكاء الاصطناعي. كنت أبحث عن فرصة لإحداث تأثير حقيقي وتسريع وتيرة تطوير قطاع الرعاية الصحية. الأمر ليس سهلاً، فالصناعة الدوائية من أكثر القطاعات تنظيماً من الناحية التشريعية، ويتطلب كل قرار قدراً كبيراً من الحذر، لكننا في فايزر نعمل على إحداث تغيير حقيقي، وهناك فرص واعدة لإعادة تصور شكل الطب والرعاية الصحية في المستقبل”.
مزيج من الأعمال والتقنية والابتكار
يحمل خيمينيز شهادة في هندسة علوم الحاسوب وماجستير في إدارة الأعمال من موطنه كولومبيا، كما حصل على برامج وشهادات تنفيذية من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) وكلية هارفارد للأعمال في مجالات تشمل استراتيجية الأعمال الرقمية، والاقتصاد السلوكي، والذكاء الاصطناعي، والقيادة التنفيذية.
ومنذ بداية مسيرته الأكاديمية والمهنية، تمحورت اهتماماته حول نقطة التقاء الأعمال والتكنولوجيا والابتكار؛ وهو ما انعكس لاحقاً في دوره الحالي داخل شركة فايزر، حيث يركز على تطوير وتنفيذ حلول قائمة على الذكاء الاصطناعي لمواجهة تحديات الرعاية الصحية في دولة الإمارات وأسواق أخرى حول العالم.
وفي إطار سعيه إلى توسيع فهمه للتقنيات الحديثة وتطبيقاتها العملية، التحق خيمينيز ببرنامج التعليم التنفيذي في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، مستحضراً رؤية الجامعة التي تنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة إيجابية قادرة على خدمة المجتمعات.
ويقول: “عندما بدأت التعرف إلى الذكاء الاصطناعي، كنت مقتنعاً بأنه سيُحدث تغييراً كبيراً، لكنني لم أتوقع أن يحدث ذلك بهذه السرعة، فالتقنيات تتطور بوتيرة أسرع من الأطر التنظيمية والتشريعية، ولذلك كنت بحاجة إلى فهم استراتيجي واضح لكيفية الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في قطاع الرعاية الصحية بالشكل الأمثل”.
ويضيف: “هنا برزت قيمة البرنامج فقد أتيحت لنا فرصة التعلم على يد شخصيات تُعد من رواد الذكاء الاصطناعي، وباحثين أسهموا في تطوير هذا المجال منذ سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي فهؤلاء العلماء تمكنوا من ابتكار حلول استثنائية في زمن كانت فيه القدرات الحاسوبية محدودة للغاية، وكانت تجربتهم ملهمة بحق”.
شبكة علاقات تدفع عجلة الابتكار
إلى جانب الناحية الأكاديمية، يرى خيمينيز أن أحد أهم مكاسب البرنامج تَمَثَّلَ في شبكة العلاقات المهنية التي أتاحها.
ويقول: “استمتعت كثيراً بالنقاشات التي جمعتني بأشخاص من الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال والجهات الحكومية. هذه هي العلاقات التي نحتاج إلى بنائها إذا أردنا تسريع تبني الذكاء الاصطناعي في دولة الإمارات. فقد أتيحت لنا فرصة مناقشة واقع الذكاء الاصطناعي في الدولة، والتحديات التي تواجهه، وسبل التعاون لتسريع التقدم، وكان ذلك مصدر إلهام كبير بالنسبة لي”.
ويؤكد خيمينيز أن هذه التجربة زودته بالأدوات والمعرفة اللازمة لتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي داخل فايزر وفي قطاع الرعاية الصحية بصورة أوسع.
ومن بين المبادرات التي يقودها حالياً مشروع ينفذه من خلال نادي هارفارد، بالتعاون مع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ومختبر التشريعات التابع لحكومة دولة الإمارات، بهدف تطوير إطار تنظيمي لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية.
ويقول: “نسعى إلى بناء نماذج جديدة للرعاية الصحية. لدينا المواهب ولدينا المعرفة، وبالتالي علينا تحويل هذه الإمكانات إلى حلول عملية. وقد وقعنا مذكرات تفاهم مع جهات معنية قادرة على الإسهام بخبراتها وخلق فرص جديدة وتطوير حلول مبتكرة. أمامنا فرصة حقيقية لتحسين إمكانية الوصول إلى الخدمات الصحية وخفض تكلفتها على المرضى، إضافة إلى تطوير الطب الشخصي، وهذا بالنسبة لي هو الهدف الأهم”.
ربط الطلبة بتحديات العالم الحقيقي
إلى جانب عمله في فايزر ومبادراته المختلفة في قطاع الرعاية الصحية، يقود خيمينيز مسار الابتكار وريادة الأعمال ضمن المجلس الاستشاري لخريجي جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي.
ومن خلال هذا الدور، يسعى إلى تعزيز الروابط بين طلبة الجامعة والقطاعات المختلفة، بما يتيح لهم التعامل مع تحديات واقعية وتطوير حلول قابلة للتطبيق والتوسع على المستويين المحلي والعالمي.
ويؤمن خيمينيز بأن إشراك الطلبة في مشكلات حقيقية تواجه قطاعات متعددة، بما في ذلك الرعاية الصحية والتأمين والأغذية وغيرها، يمكن أن يؤدي إلى نتائج استثنائية.
ويقول: “الإمكانات المتاحة هنا هائلة، فالجهود التي تبذلها الجامعة في مجال ريادة الأعمال مميزة للغاية، ويأتي دور المجلس الاستشاري للمساعدة في ربط العناصر المختلفة ببعضها البعض، وإيصال الطلبة إلى التطبيقات الواقعية. رؤيتنا تتمثل في تسريع هذه الصلة بين الطلبة والعالم الحقيقي”.
ويضيف: “نعمل على تحديد أبرز التحديات التي يمكن للطلبة الإسهام في حلها، ونبحث في كيفية تحفيزهم على التعامل معها. كما نساعدهم في الحصول على التمويل اللازم لمشروعاتهم أو جذب المستثمرين إليها، إلى جانب تقديم الدعم في مجالات الاستراتيجية وبناء الفرق وتحديد الأهداف، وكل ذلك يفتح أمامهم فرصاً كبيرة للتعاون مع الصناعة وتطوير حلول حقيقية”.
لماذا تُعد الإمارات بيئة مختلفة؟
يرى خيمينيز أن إحدى نقاط القوة الرئيسية في دولة الإمارات تكمن في مستوى التعاون القائم بين الجامعات والقطاع الخاص والجهات الحكومية، وهو ما يتيح تسريع الابتكار بطريقة يصعب تحقيقها في كثير من الدول الأخرى.
ولإيضاح هذه الفكرة، يشير إلى منصة “ملفي” (Malaffi)، أول منصة لتبادل المعلومات الصحية في المنطقة، والتي تعمل كقاعدة بيانات موحدة للسجلات الطبية للمرضى في أبوظبي، وتربط بين مزودي الرعاية الصحية في القطاعين الحكومي والخاص، ما يسمح بتبادل المعلومات الصحية بصورة آمنة وفورية.
ويقول: “هذا يمثل فارقاً كبيراً بين الإمارات ودول أخرى مثل الولايات المتحدة أو المملكة المتحدة، فالقدرة على مشاركة البيانات الصحية بهذه الطريقة تتيح تطوير حلول عملية وقابلة للتطبيق على أرض الواقع”.
ويضيف أن للجامعة دوراً مهماً في هذه المنظومة، مشيراً إلى تعاون الدكتور محمد يعقوب، الأستاذ المشارك في الرؤية الحاسوبية بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، مع منصة ملفي في عدد من المبادرات.
ويتابع: “تتمثل رؤيتنا في المجلس الاستشاري للخريجين في تسريع الربط بين الطلبة والعالم الحقيقي، بحيث يتمكنون من إحداث أثر ملموس من خلال أعمالهم وأبحاثهم”.
بناء مستقبل الرعاية الصحية بالذكاء الاصطناعي
بالنسبة لخيمينيز، لا يقتصر نجاح الذكاء الاصطناعي على تطوير تقنيات جديدة فحسب، بل يعتمد أيضاً على بناء منظومة متكاملة تجمع الباحثين والجامعات والشركات والجهات التنظيمية حول أهداف مشتركة.
ويؤكد أن المجلس الاستشاري للخريجين يواصل العمل لفهم احتياجات الطلبة وطموحاتهم، وربطها باستراتيجية الجامعة ومتطلبات الصناعة، بما يعزز فرص التعاون ويُسرّع انتقال الأفكار من المختبرات إلى التطبيقات الواقعية.
ويختتم قائلاً: “ما زال هناك الكثير في الطريق، ومع استمرارنا في فهم احتياجات الطلبة وفرق العمل وأهدافهم بصورة أفضل، سنصبح أكثر قدرة على ربطهم بالصناعة وتمكينهم من تطوير حلول ذات أثر حقيقي”.
ومع وجود قيادات وخبرات مثل فريدي خيمينيز تعمل على بناء هذه الجسور بين الأوساط الأكاديمية والقطاع الصناعي، تبدو منظومة الرعاية الصحية في دولة الإمارات في موضع قوي لمواصلة النمو والتطور، وتقديم نموذج عالمي لما يمكن تحقيقه عندما تتكامل المعرفة والابتكار والذكاء الاصطناعي لخدمة الإنسان.
خريجة الماجستير تزينكسي وانغ تستكشف الميكانيزمات الداخلية التي تتحكم في طريقة معالجة النماذج اللغوية الكبيرة للغة وأساليب.....
بعد ستة أعوام من الإنجاز العلمي المتسارع والتأثير العالمي، الحاصلة على المرتبة الأولى على دفعة عام 2026.....
كلمة رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والبروفيسور الجامعي، إريك زينغ، الموجّهة إلى دفعة 2026 بتاريخ.....