كيف يمكن لروبوت أن يتعامل مع الأشياء المحيطة به بالمرونة نفسها التي نتعامل بها نحن مع فنجان قهوة أو مقبض باب؟ بالنسبة للإنسان، تمثل حاسة اللمس جزءاً بديهياً من الحياة اليومية؛ فنحن نضبط قوة قبضتنا ونستجيب فوراً لأي مقاومة من دون تفكير واعٍ – أما بالنسبة إلى الروبوتات، فإن اكتساب هذه القدرة ما يزال أحد أكثر التحديات تعقيداً في علم الروبوتات.
ويفتح باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع مؤسسات بحثية أخرى، باباً جديداً أمام هذا التحدي من خلال تطوير نهج يمكّن الروبوتات المرنة من إدراك الأجسام المحيطة بها من دون الحاجة إلى مستشعرات لمسية خارجية. ويعتمد الابتكار على مصدر لم يكن يُنظر إليه سابقاً بوصفه وسيلة لتحقيق الإدراك اللمسي، وهو الإشارات الكهربائية الصادرة عن محرك الروبوت نفسه.
وقد نُشرت الدراسة الحديثة التي تناولت هذا الموضوع بالبحث في دورية IEEE Robotics and Automation Letters، كما عُرضت خلال المؤتمر الدولي للروبوتات والأتمتة (ICRA) الذي أُقيم في فيينا بالنمسا. وشارك في إعداد الدراسة كل من إبراهيم السراج، ويوهاو وانغ، وعبدالله سويكير، وتشيزاري ستيفانيني، وديجين سونغ، وتشانتشي وانغ، بقيادة البروفيسور كي وو، الأستاذ المساعد الزائر في مجال الروبوتات بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي.
تُصمم الروبوتات المرنة لتكون لينة وخفيفة الوزن وقادرة على الانثناء، بما يجعلها أكثر أماناً عند العمل بالقرب من البشر أو التعامل مع الأجسام الحساسة؛ غير أن هذه الخصائص نفسها تجعل تزويدها بالمستشعرات اللمسية التقليدية أمراً غير عملي.
ويشرح البروفيسور كي وو أن إضافة مستشعرات خارجية على امتداد جسم الروبوت تتعارض مع الفلسفة الأساسية للروبوتات المرنة، لأنها تزيد من تعقيدها البنيوي والميكانيكي والإلكتروني، وترفع وزنها، وتحد من مرونتها، وقد تؤثر في مستوى الأمان الذي صُممت لتحقيقه.
ومن هنا انطلقت الفكرة: ماذا لو استطاع الروبوت أن “يشعر” بالعالم من خلال ما يحدث داخل محركاته، بدلاً من تغطية جسمه بالمستشعرات؟
ويتابع البروفيسور شارحاً: “لسنا بحاجة إلى إضافة مستشعرات لمسية خارجية على امتداد جسم الروبوت، بل يكفي أن نراقب ما يحدث في التيار الكهربائي والمحرك”.
اختبر الباحثون فكرتهم باستخدام روبوت حلزوني مرن يُعرف باسم SpiRob، وهو أحد روبوتات ذات البنية المتصلة (Continuum Robots) التي تتحرك بواسطة أوتار تمتد داخل جسمها المرن. وتُسحب هذه الأوتار عبر بكرات تديرها محركات تيار مستمر، فتمنح الروبوت القدرة على الانثناء والحركة.
وعندما يلامس الروبوت جسماً خارجياً، تتغير القوى المؤثرة على منظومة المحرك والأوتار. ولا يقتصر أثر هذا التغير على الحركة الميكانيكية، بل يظهر أيضاً في نمط التيار الكهربائي المار داخل المحرك.
ورأى الباحثون في هذه التغيرات مصدراً غنياً بالمعلومات؛ فبدلاً من اعتبار التيار الكهربائي مجرد وسيلة لتحريك الروبوت، استخدموه باعتباره نافذة تكشف ما إذا كان الروبوت قد لامس جسماً، بل ويساعد كذلك على توفير معلومات عن طبيعة هذا التلامس.
أما التحدي الأكبر، فكان تطوير نموذج قادر على تفسير هذه الإشارات الكهربائية وتحويلها إلى فهم دقيق لما يحدث في البيئة المحيطة.

طوّر باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع مؤسسات بحثية أخرى، إطاراً جديداً يتيح للروبوتات المرنة إدراك الأجسام المحيطة بها من دون الحاجة إلى مستشعرات لمسية. وبدلاً من إضافة مكونات مادية لرصد التلامس الخارجي، يعتمد هذا النهج على تحليل الإشارات الصادرة عن محرك الروبوت نفسه لاستخلاص معلومات عن الأجسام التي يلامسها.
اعتمدت النماذج التقليدية للروبوتات ذات البنية المتصلة التي تعمل بالأوتار على وصف حركة الروبوت وديناميكياته فقط؛ أما في هذا العمل البحثي الذي قاده البروفيسور كي وُو، فقد جمع الباحثون للمرة الأولى ثلاثة مستويات مترابطة ضمن نموذج واحد شمل:
ومن خلال الربط بين هذه المستويات الثلاثة، أصبح بالإمكان التنبؤ بالنمط الطبيعي للتيار الكهربائي أثناء الحركة الحرة، ورصد أي انحراف عن هذا النمط بوصفه مؤشراً على حدوث تلامس مع جسم خارجي.
ويؤكد الباحثون أن هذه هي المرة الأولى التي تُدمج فيها هذه الديناميكيات الثلاث ضمن إطار واحد لروبوت ذي بنية متصلة يعمل بالأوتار، وهو ما أتاح للروبوت اكتساب ثلاث قدرات إدراكية رئيسة جديدة ألا وهي:
لا ينظر البروفيسور كي وو إلى هذا الإنجاز بوصفه خطوة منفصلة، بل يرى فيه جزءاً من تحول أوسع يشهده مجال الروبوتات المرنة مع التقدم السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي.
وفي هذا السياق، يذكر أن البروفيسور قد شارك مع عدد من الباحثين في تنظيم ورشة عمل حول مستقبل الروبوتات المرنة في عصر الذكاء الاصطناعي، أُقيمت على هامش المؤتمر الدولي للروبوتات والأتمتة .(ICRA) وقد شارك أيضاً في تنظيم الورشة البروفيسور تشيزاري ستيفانيني، أستاذ الروبوتات في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، والدكتور عبدالله سويكير، الأستاذ المساعد في الروبوتات بالجامعة، فيما قدمت دانييلا روس، أستاذة علوم الحاسوب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وعضو مجلس أمناء جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، محاضرة تناولت دور “الذكاء الاصطناعي الفيزيائي” و”الذكاء الاصطناعي المتجسد” في تطوير الروبوتات المرنة.

شارك كي وو (الثالث من اليسار) في تنظيم ورشة عمل تناولت دور الذكاء الاصطناعي في تطوير الروبوتات المرنة، والتي أُقيمت على هامش المؤتمر الدولي للروبوتات والأتمتة (ICRA) في فيينا بالنمسا. ويظهر في الصورة أيضاً دانييلا روس (في الوسط)، إلى جانب منظمي الورشة عبدالله سويكير (الثالث من اليمين) وتشيزاري ستيفانيني (أقصى اليمين).
ويرى كي وو أن معظم أبحاث الروبوتات المرنة قبل الطفرة الأخيرة في الذكاء الاصطناعي انصبت على ما يُعرف بالمهام منخفضة المستوى، مثل تتبع الحركة، والتحكم في شكل الروبوت، أو الإمساك بالأجسام. ورغم أهمية هذه الإنجازات، فإنها اعتمدت في الغالب على مشغل بشري أو على خوارزميات تحكم تقليدية.
أما المرحلة المقبلة، فتتطلب مستوى مختلفاً من القدرات؛ إذ ينبغي أن تتمكن الروبوتات من فهم البيئة المحيطة، واتخاذ القرارات، والتخطيط، واختيار السلوك الأنسب بصورة مستقلة. ويبرز هنا الذكاء الاصطناعي بوصفه الطبقة التي تمنح الروبوتات هذا النوع من الذكاء عالي المستوى.
ويشير وو إلى أن “نماذج العالم” (World Models)، وهي أنظمة ذكاء اصطناعي تتعلم كيفية تغير البيئات وتأثير الأفعال فيها، تتطور بوتيرة متسارعة، وقد تمنح الروبوتات المرنة القدرة على فهم البيئات المعقدة وغير المتوقعة والتفاعل معها بفاعلية أكبر. وعندها لن يقتصر دور الروبوت على تنفيذ حركات مبرمجة مسبقاً، بل سيتمكن من تحديد كيفية التعامل مع الأجسام، واختيار اللحظة المناسبة لتعديل سلوكه، والاستجابة للتلامس غير المتوقع أو للتغيرات التي تطرأ على البيئة المحيطة.
كما يتوقع أن يسهم الذكاء الاصطناعي في تبسيط التفاعل بين الإنسان والروبوت، بحيث يصبح بالإمكان توجيه الروبوت باستخدام اللغة الطبيعية، بدلاً من برمجته عبر سلسلة طويلة من الأوامر وقواعد التحكم.
ويَتَوقَع وُو أن تتقارب الروبوتات الصلبة والروبوتات المرنة خلال السنوات المقبلة، بحيث تجمع الأنظمة المستقبلية بين مزايا النوعين. فالروبوتات الصلبة توفر السرعة والدقة والقوة وإمكانية تكرار الأداء، بينما تتميز الروبوتات المرنة بقدرتها على التفاعل الآمن والمرن مع البشر والأجسام والبيئات غير المنظمة.
وقد يقود هذا التكامل إلى روبوتات تمتلك هياكل صلبة تمنحها الدقة والكفاءة، في مقابل أذرع أو أدوات طرفية مرنة تتيح لها التعامل بأمان مع الأجسام الحساسة والعمل بكفاءة في البيئات المعقدة.
وفي هذا السياق، يمثل تطوير قدرة الروبوتات المرنة على “الإحساس” بالعالم من دون إضافة مستشعرات جديدة أكثر من مجرد إنجاز هندسي؛ فهو خطوة نحو جيل من الروبوتات القادرة على فهم بيئاتها والتكيف معها بصورة أكثر استقلالية. ومع التقدم المتسارع في الذكاء الاصطناعي، قد تصبح هذه القدرات أساساً لتطبيقات جديدة في الرعاية الصحية، والصناعة، والخدمات، والتفاعل اليومي بين الإنسان والآلة، فاتحةً آفاقاً كانت حتى وقت قريب تبدو بعيدة المنال.