كيف يمكن لعلم التخلّق المتوالي على مستوى السكان أن يعيد تشكيل الرعاية الصحية في دولة الإمارات؟ - MBZUAI MBZUAI

كيف يمكن لعلم التخلّق المتوالي على مستوى السكان أن يعيد تشكيل الرعاية الصحية في دولة الإمارات؟

الخميس، 04 يونيو 2026

يرى فريق دولي من الباحثين، يضم علماء من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أن الجمع بين البيانات الجينومية والبيانات المرتبطة بعلم التخلّق المتوالي (Epigenetics) على نطاق واسع قد يفتح الباب أمام تحول جذري في أساليب الوقاية من الأمراض وتشخيصها وعلاجها.
وفي مقال نُشر في مجلة نيتشر جينيتكس، طرح الباحثون إطاراً جديداً للرعاية الصحية أطلقوا عليه اسم “الصحة التكيفية“، يقوم على الجمع بين تقييم المخاطر الجينية ومتابعة التغيرات التي تطرأ على التخلّق المتوالي بمرور الوقت، مع تطوير تدخلات تستهدف الحد من التغيرات البيولوجية الضارة أو عكس آثارها قبل أن تتحول إلى مشكلات صحية.
ويشير الباحثون إلى أن دولة الإمارات تمتلك المقومات والبنية التحتية اللازمة لتبني هذا النهج الجديد وتطويره على نطاق واسع.

ما وراء الشفرة الوراثية

يبقى التسلسل الجيني للإنسان ثابتاً إلى حد كبير منذ الولادة، لكن التخلّق المتوالي يروي قصة مختلفة.
فالتخلّق المتوالي يشير إلى مجموعة من التعديلات الكيميائية التي تؤثر في كيفية عمل الجينات وتعبيرها، دون تغيير الشفرة الوراثية نفسها، وتستجيب هذه التعديلات لعوامل عديدة، تشمل النظام الغذائي، ومستويات التوتر، والتقدم في العمر، والنشاط البدني، والعوامل البيئية المختلفة.
ويقول إدواردو بيلترامي، الأستاذ المساعد في علم الأحياء الحاسوبي بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وأحد المشاركين في إعداد الدراسة: “يتكون التخلّق المتوالي من تعديلات كيميائية تؤثر في نشاط الجينات، فتعزز عمل بعضها أو تحدّ منه”.

وتكمن أهمية هذه التعديلات في أن كثيراً منها قابل للتغيير أو الانعكاس، وهو ما يشكل الأساس الذي تقوم عليه فكرة الصحة التكيفية. فمن خلال المراقبة المستمرة، يمكن تحديد التغيرات المرتبطة بعوامل مثل سوء التغذية أو التدخين أو غيرها من المؤثرات البيئية والسلوكية، والعمل على الحد من آثارها.

ويشير الباحثون إلى أن أنظمة الصحة التكيفية لا تقتصر على التنبؤ بالمخاطر الصحية، بل تسعى إلى تطوير تدخلات عملية تستند إلى فهم بيولوجي مباشر للآليات المسببة للمرض.

توظيف البيانات في الرعاية الصحية

يتطلب تحويل هذا المفهوم إلى برنامج صحي على مستوى السكان الربط بين البيانات الجينية والتخلقية والسجلات الطبية والبيانات البيئية والنتائج الصحية عبر فترات زمنية طويلة ولأعداد كبيرة من الأفراد.

ورغم أن بناء مثل هذه المنظومات لا يزال محدوداً على المستوى العالمي، يرى الباحثون أن دولة الإمارات تمتلك مزيجاً فريداً من الموارد والبنية البحثية والبيانات السكانية التي تؤهلها للريادة في هذا المجال.

ويأتي برنامج الجينوم الإماراتي في صميم هذه الجهود، باعتباره واحداً من أكبر المشاريع السكانية لدراسة الجينوم في العالم.
فقد شمل البرنامج حتى الآن إجراء تسلسل جينومي كامل لما يقارب مليون مواطن إماراتي، كما خضع أكثر من 100 ألف شخص لتقنية تسلسل متقدمة تُعرف باسم تقنية التسلسل طويل القراءة من أكسفورد نانوبور (ONT).

وتتيح هذه التقنية قراءة مقاطع طويلة من الحمض النووي، مع القدرة في الوقت نفسه على رصد بعض التعديلات المرتبطة بالتخلّق المتوالي، مثل مثيلة الحمض النووي (DNA Methylation).

ومن خلال تطبيق هذه التقنية على أعداد كبيرة من الأفراد، يصبح بإمكان الباحثين بناء صورة أكثر شمولاً للعوامل الوراثية الموروثة وآليات التنظيم البيولوجي المرتبطة بالتخلّق المتوالي.

وفي هذا السياق، استندت الدراسة إلى أبحاث حديثة قادها كل من أندرو فاينبرغ من جامعة جونز هوبكنز، وديفيد ثريدغيل من جامعة تكساس إي آند إم، وهما من المشاركين في إعداد المقال المنشور في مجلة نيتشر جينيتكس.

وأظهرت تلك الأبحاث أن بعض العلامات المرتبطة بالتخلّق المتوالي قد تنتقل عبر الأجيال بطرق تتجاوز الفهم التقليدي لقوانين الوراثة التي وضعها غريغور مندل قبل أكثر من قرن.

وتكتسب تقنيات القراءة الطويلة أهمية خاصة في إطار الصحة التكيفية، لأنها تساعد الباحثين على التمييز بين التغيرات التخلقية الموروثة وتلك الناتجة عن العوامل البيئية، وهي الأخيرة التي يمكن التدخل لعكس آثارها أو الحد منها.

ويقول فاينبرغ: “يمكن نظرياً استخدام تقنيات القراءة الطويلة لدراسة التجمعات البشرية بهدف تحديد الجينات والمتغيرات الوراثية والتغيرات التخلقية المرتبطة بالأمراض في الوقت نفسه”.

منظومة صحية غنية بالبيانات

ولا يقتصر المشهد البحثي في دولة الإمارات على برنامج الجينوم الإماراتي.

فمن بين المبادرات الداعمة لهذا التوجه أيضاً مشروع النمط الظاهري البشري، الذي بدأ هذا العام بجمع بيانات تفصيلية عن المشاركين، تشمل التاريخ الطبي، والعادات الغذائية، وأنماط النوم، والميكروبيوم، والبيانات الجينية.

ويقود المشروع البروفيسور إيرَن سيغال، عميد قسم العلوم الحيوية والحياتية وأستاذ علم الأحياء الحاسوبي في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وأحد المشاركين في إعداد الدراسة.

كما تشكل شركة M42، التي تتخذ من أبوظبي مقراً لها، جزءاً أساسياً من منظومة البيانات الصحية في الدولة، إذ تشرف على برنامج الجينوم الإماراتي، وتدير عدداً من المستشفيات، وتقود مبادرات متقدمة لرصد العوامل البيئية المؤثرة في الصحة.

ويُضاف إلى ذلك نظام ملفي، منصة تبادل المعلومات الصحية الوطنية، التي توفر بيانات صحية طولية تسهم في تتبع النتائج الصحية للمرضى عبر مختلف مؤسسات الرعاية الصحية في الدولة.

ويقول شهريار هاشمي، الأستاذ المشارك غير المتفرغ في الطب الشخصي بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ومدير تطوير الأبحاث في دائرة الصحة – أبوظبي، وأحد المشاركين في الدراسة: “تكمن إحدى أبرز نقاط القوة في برنامج الجينوم الإماراتي في تكامله مع منصة ملفي الوطنية، إلى جانب منظومة تضم M42 وعدداً من الجامعات الرائدة، بما في ذلك جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وجامعة خليفة وجامعة نيويورك أبوظبي”

كما شارك في إعداد الدراسة محمد العامري، مدير إدارة الجينوم والمستودعات الحيوية في دائرة الصحة – أبوظبي، والأستاذ المساعد غير المتفرغ في جامعة خليفة.

الذكاء الاصطناعي ودوره في المستقبل الصحي

يرى الباحثون أن نجاح مفهوم الصحة التكيفية يعتمد بصورة كبيرة على القدرة على تحليل كميات ضخمة من البيانات الصحية المعقدة، وهو المجال الذي تمتلك فيه جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي خبرات متقدمة.

ويعمل باحثو الجامعة، ومن بينهم بيلترامي وسيغال، على تطوير أدوات ذكاء اصطناعي قادرة على تحليل البيانات الصحية على مستوى السكان واستخلاص أنماط يصعب اكتشافها بالطرق التقليدية.

ويقول بيلترامي: “نسعى إلى فهم الحالات التخلقية غير الصحية التي قد تقود إلى المرض، وكيف يمكن إعادة توجيهها نحو حالة أكثر صحة”. مضيفاً “نحن متحمسون للإمكانات التي توفرها دولة الإمارات لإجراء أبحاث صحية تطبيقية رائدة، ولدور جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في توظيف الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات الصحية، وللأثر الذي يمكن أن ينعكس في نهاية المطاف على المرضى والمجتمع”.

للاطلاع على الدراسة كاملة: “آفاق الصحة التكيفية في دولة الإمارات العربية المتحدة وما بعدها”. 

 Nature Genetics | PDF

أخبار ذات صلة

thumbnail
الجمعة، 05 يونيو 2026

الشبكات العصبية تُحدث نقلة نوعية في التحكم بالروبوتات اللينة وتُوسّع آفاق استخدامها

سيزار ستيفانيني من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يعزز التحكم في الروبوتات المرنة عبر مقاربة مدعومة.....

  1. الروبوتات المرنة ,
  2. التحكم ,
  3. ICRA ,
  4. الشبكات العصبية ,
  5. الروبوتات ,
  6. المؤتمرات ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الخميس، 23 أبريل 2026

عالم في الوراثة السكانية يسعى إلى سد الفجوة بين علم الجينوم والطب

يستكشف كارلوس بوستامانتي من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كيف يمكن للذكاء الاصطناعي وعلم الجينوم أن.....

  1. الجينوميات ,
  2. الجينات ,
  3. هيئة التدريس ,
  4. الطب الدقيق ,
  5. الطب ,
  6. الرعاية الصحية ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الأربعاء، 18 مارس 2026

ربط علم الأحياء بالذكاء الاصطناعي… عندما تقود المعرفة التخصصية فهم البيانات المعقّدة

مع تزايد تعقيد البيانات البيولوجية، تعمل هايان هوانغ في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي على تطوير.....

  1. علم الأحياء ,
  2. هيئة التدريس ,
  3. علم الإحصاء والبيانات ,
  4. profile ,
  5. البيانات ,
اقرأ المزيد