لم تكن رحلة عبدالله المنصوري إلى عالم بحوث الذكاء الاصطناعي تقليدية، بل انطلقت من فضول معرفي عميق قاده إلى اغتنام الفرص وتحمل مسؤولية الإسهام في تطوير هذا المجال.
بدأت القصة في عام 2013، حين كان المنصوري في مستهل دراسته الجامعية في تخصص الهندسة الصناعية، حيث واكب آنذاك نقاشات حول ما أصبح يُعرف لاحقاً بثورة التعلم العميق. ورغم أن تلك الطروحات بدت في ذلك الوقت أقرب إلى الخيال العلمي، إلا أن ما شد انتباه المنصوري عندها لم يكن مستقبل تطور الذكاء الاصطناعي، بل كان الأساس الرياضي الذي تقوم عليه هذه التكنولوجيا.
ويتذكر تلك اللحظة قائلًا: “أدركت، حينما اطلعت على الجانب الرياضي لهذه التقنية، أن هذا المجال يستند إلى قواعد راسخة وأن له قاعدة علمية متينة” – وقد شكلت هذه اللحظة لحظة مفصلية وُلد معها طموح هادئ، دفعه إلى خوض رحلة عصامية لتعلم البرمجة واكتشاف الذكاء الاصطناعي.
وقد تعمّق المنصوري في دراسة ما يعرف بـأساليب “الذكاء الاصطناعي الكلاسيكي”، وهي مقاربات قائمة على القواعد وقلّما تحظى بالاهتمام في الوقت الراهن. ويرى – المنصوري – اليوم أن تلك المرحلة شكّلت إضافة نوعية لفهمه لمسار تطور هذا المجال، وأسهمت في تشكيل إدراكه للسياق التاريخي الذي أوصل الذكاء الاصطناعي إلى ما هو عليه اليوم.
لم يكن طريق المنصوري – رغم شغفه المتنامي بهذا المجال – ممهَداً، حيث حالت قيود المنح الدراسية دون تغيير مساره الأكاديمي، ما اضطره إلى استكمال دراسته في الهندسة الصناعية بجامعة بوردو موازاة مع التحضير للانتقال إلى علوم الحاسوب. لاحقًا، التحق ببرنامج الماجستير في جامعة جنوب كاليفورنيا، إلا أن هذا التحول لم يكن سهلاً في ظل فجوات معرفية ونقص في الخبرة البحثية ما جعل فرص انخراطه في بحوث الذكاء الاصطناعي محدودة في تلك المرحلة.
وقد وجد المنصوري نفسه بعد عودته إلى الإمارات عام 2019 أمام مفترق طرق كانت فيه تطورات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تتسارع في العالم مقارنة بمشهد محلي ما تزال فيه هذه التقنية في بداياتها. وحرصاً منه على البقاء على صلة بهذا المجال، التحق المنصوري بـ “مختبر المعلوماتية الحيوية” في جامعة نيويورك – أبوظبي، حيث وجد بيئة أكاديمية داعمة أتاحت له توظيف خبراته في الذكاء الاصطناعي ضمن أبحاث تطبيقية حقيقية.
ويشير المنصوري – في السياق – إلى أن الباحثة المشرفة على المختبر كانت “داعمة للغاية”، بل وسعت إلى دمج تقنيات تعلم الآلة في مشاريعها البحثية، ما أتاح له فرصة تطبيق ما تعلمه على مشكلات حقيقية ضمن شراكة علمية مثمرة.
تمثل هذه المرحلة بالنسبة لـ عبدالله المنصوري منعطفاً في مسيرته، حيث انتقل من التعلم الذاتي إلى المساهمة الفعلية في البحث العلمي، واضعاً بذلك أساساً لدوره المستقبلي في الدفع بعجلة الابتكار في هذا المجال داخل الإمارات وخارجها.
لم يكد عبدالله المنصوري يضع موطئ قدم له في مجال الذكاء الاصطناعي، حتى جاءت لحظة مفصلية غيّرت مسار رحلته – بل وأسهمت في إعادة رسم ملامح طموحات الإمارات في هذا القطاع، إذ جاء الإعلان عن تأسيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ليشكّل تحولاً مهماً في مسيرة الدولة نحو الريادة العالمية في تكنولوجيات المستقبل – وبالنسبة للمنصوري، بدت هذه الفرصة وكأنها تتويج لسنوات من الجد والاجتهاد.
ويصف تلك اللحظة قائلًا: “كان التوقيت والمكان مثاليين.. وأعتبر نفسي محظوظاً” – في إشارة إلى انطلاق برامج الدراسات العليا في الجامعة عام 2021 التي فتحت أمامه آفاقاً جديدة للبحث والتخصص.
وجد المنصوري في الجامعة تلك المساحة الحرة لتعميق شغفه بتعلم الآلة وتطوير قدراته البحثية التي بدأت معها مرحلة جديدة في مسيرة كان هدفها نيل درجة الدكتوراه التي ركز فيها على “التعلّم التعاوني” – وهو مجال يهتم بدراسة كيفية عمل الشبكات الذكية معاً لإنجاز مهام مشتركة، وتطوير تقنيات التخصيص التي تمكّن الأنظمة من تكييف حلولها وفق احتياجات المستخدمين وسياقاتهم المختلفة.
امتد عمل المنصوري البحثي أيضاً ليشمل تطوير أساليب أكثر كفاءة لتدريب النماذج، خصوصاً عبر استخدام ما يعرف بـ “الموائمات” (Adapters)، وهي وحدات صغيرة تُضاف إلى النماذج بهدف تحسين أدائها دون الحاجة إلى موارد حوسبية ضخمة. ويعكس هذا التوجه رؤية أوسع وأشمل، تتمثل في سعي المنصوري إلى تطوير نظم ذكية لا تتسم بالقوة فحسب، بل بالمرونة والقدرة على العمل في بيئات واقعية معقدة.
لعل اللافت في مسار المنصوري الأكاديمي والبحثي هو ذلك التوازن بين روح العمل الجماعي والعمل الفردي اللذين شكّلا أساساً محوريا لتجربته البحثية – فبطبيعته، يميل عبدالله إلى تنفيذ مشاريعه بشكل مستقل، إلا أنه سرعان ما أدرك تدريجياً أهمية التعاون والعمل الجماعي في تطوير بحوث الذكاء الاصطناعي الحديثة.
وقد تعزز لديه هذا الإدراك خلال فترة تدريبه في شركة “مِيتَا”، حيث لمس عن قرب كيف تسرّع المؤسسات الكبرى وتيرة الابتكار عبر تبادل المعرفة والانفتاح – ويشير إلى أن توطيد التعاون وإتاحة الموارد بشكل مفتوح يهيئان الظروف لبيئة بحثية غنية بالمعلومات تسهّل معالجة التحديات المعقدة، مضيفًا أن “مثل هذه المنظومات تمكِّن من توفير زخم معرفي يسهم في حل أي مشكلة بكفاءة”.
ويرى المنصوري أن هذا النهج يعكس تحولاً أوسع في طبيعة البحث العلمي المعاصر، حيث لم يعد العمل الفردي كافياً لمواكبة تعقيد المشروعات البحثية الحديثة؛ فبعد أن كان من النادر أن يتجاوز عدد مؤلفي ورقة بحثية في الرياضيات اثنين، أصبحت الأبحاث اليوم تجمع عشرات، بل مئات المختصين – ويؤكد: “المشروعات باتت أكبر وأكثر تعقيداً، ولا يمكن إنجازها بشكل فردي”.
مسيرة المنصوري هي مسيرة متميزة لا يمكن اختزالها في الإنجازات الجماعية وحدها، إذ تلعب التجارب الشخصية دوراً محورياً في تشكيل مساره. ويتجلى هذا الدور في لحظات فارقة، من بينها دعوة تلقاها من باحث بارز في اليابان للانضمام إلى مختبره، إلى جانب حصوله على جائزة “أفضل مُراجع” في المؤتمر الدولي للتعلم الآلة (ICML)، تقديراً لجهوده التي انطلقت أساساً من شغف شخصي بمراجعة البحوث.
يعكس مسار عبد الله المنصوري معادلة متوازنة بين فضول فردي لا يهدأ وإيمان متزايد بقوة العمل الجماعي؛ وهي معادلة تبدو اليوم ركيزة أساسية لمواصلة التقدم في عالم الذكاء الاصطناعي سريع التطور.
مع اقتراب لحظة التخرج، لا يقف عبد الله المنصوري عند حدود الإنجازات الأكاديمية التي حققها، بل ينظر بثقة إلى المرحلة المقبلة بوصفها البداية الفعلية لمسيرته البحثية – ويعبّر عن هذه الرؤية بقوله: “أعتبر هذه اللحظة انطلاقةً لرحلتي في البحث العلمي.. فالدكتوراه لم تكن سوى برنامج إعداد وتدريب”.
وانطلاقاً من هذا الفهم، يدخل المنصوري مرحلة جديدة يصفها بأنها مرحلة “العمل الحقيقي”، مدفوعاً بفضوله العميق وإصراره المستمر على طرح الأسئلة الكبرى والسعي للإجابة عنها؛ وهي أسئلة لا تقتصر على فهم العالم من حولنا، بل تمتد إلى الإسهام في رسم ملامحه المستقبلية.
ورغم اهتمامه بالفرص التي توفرها المؤسسات الصناعية الرائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، بما تمتلكه من بيئات بحثية متقدمة، فإن توجهه الأساسي يظل نحو البحث الأكاديمي، وتحديداً داخل جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، حيث يطمح إلى مواصلة رفع التحديات العلمية وتطوير نماذج مبتكرة – ويؤكد في هذا السياق: “أدرك جيداً حجم الامتياز الذي أتمتع به… فهناك الكثير من التسهيلات التي حظيت بها لكوني مواطناً إماراتياً”.
غير أن هذا الفهم لا يتوقف عند حدود الامتنان، بل يتحول إلى إحساس راسخ بالمسؤولية، فالمنصوري يسعى إلى رد الجميل عبر الإسهام في تعزيز منظومة أبحاث الذكاء الاصطناعي في الإمارات، والعمل على تمكين أجيال جديدة من الباحثين وفتح آفاق أوسع أمامهم.
ويمتد هذا الشعور بالمسؤولية إلى نظرته الأوسع لمستقبل الذكاء الاصطناعي؛ إذ يرى أن التحدي لا يكمن فقط في تطوير التقنيات، بل في كيفية تطويرها والغايات التي ينبغي أن تخدمها. وتتجلى بالنسبة إليه القيمة الحقيقية لهذا المجال في قدرته على خدمة الإنسان وصناعة أثر إيجابي ومستدام في المجتمعات.
ومع مواصلة جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تعزيز مكانتها مركزاً عالمياً للبحث والابتكار، تعكس مسيرة خريجٍ مثل المنصوري جوهر هذا التوجه؛ إذ يجمع بين الطموح العلمي والوعي بالمسؤولية، في سعيٍ لترسيخ أسس أثر يتجاوز التجربة الفردية إلى الإسهام في مستقبل هذا المجال عالمياً.
خريجة الماجستير بشاير السريدي تشرح كيف أن رغبتها في أن تفخر الإمارات بها منحتها الدافع الذي احتاجته.....
تشرح لارا حسن، طالبة علوم الحاسوب، كيف أسهم شغفها بالحياة والعمل في تمكينها من تطوير أنظمة تسهم.....
طوّر باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي منهجية DP-Fusion، وهي طريقة تتيح حماية البيانات الحساسة.....