يُظهر معيار CausalGame أن أحدث النماذج اللغوية تستطيع تصميم التجارب، وتحليل البيانات، وإعلان نجاحها، لكنها ما تزال تعجز عن اكتشاف الأسباب الحقيقية وراء الظواهر.
يمكنكم الاطلاع من هنا على صفحة المشروع.
إذا زودت أحد نماذج الذكاء الاصطناعي بأسطول من الطائرات المسيّرة الافتراضية، وتركته يختبر تصاميم مختلفة في بيئة قتالية تحكمها قواعد خفية تحدد أي الطائرات تنجو وأيها تُدمر، فلن يتردد في التصرف كما يفعل الباحثون؛ إذ سيقترح تجارب، ويحلل النتائج، ويعدل تصميماته، ثم يعلن في النهاية أنه توصل إلى أفضل حل. لكن السؤال الأهم هو: هل فهم فعلاً سبب نجاح بعض الطائرات وفشل غيرها؟
تشير دراسة جديدة قادها باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي إلى أن الإجابة ما تزال: لم يفهم بعد.
وتتمحور الدراسة حول معيار مرجعي جديد يحمل اسم CausalGame، صُمم لاختبار واحدة من أكثر الأفكار طموحاً في مجال الذكاء الاصطناعي اليوم، وهي بناء “العلماء الأذكياء” (AI Scientist)؛ أي نظام قادر على إجراء الأبحاث العلمية بصورة مستقلة.
ويأتي هذا العمل ثمرة تعاون بحثي قاده باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بمشاركة باحثين من جامعة كارنيغي ميلون، وجامعة هونغ كونغ المعمدانية، وجامعة أكسفورد، وجامعة نيويورك، وقد تم قبول الدراسة كعرض شفهي خلال المؤتمر الدولي الثالث والأربعين لتعلم الآلة (ICML 2026).
تقوم فكرة “العلماء الأذكياء” على أن النماذج اللغوية الكبيرة لن تقتصر مستقبلاً على تلخيص الدراسات أو كتابة الأكواد البرمجية، بل ستصبح قادرة على إجراء البحث العلمي كاملاً، بدءاً من صياغة الفرضيات، مروراً بتصميم التجارب، وانتهاءً بتحليل النتائج واستخلاص الاستنتاجات.
وقد ظهرت بالفعل معايير مرجعية عديدة لتقييم بعض هذه القدرات، مثل مراجعة الأدبيات العلمية، أو كتابة البرامج، أو تحليل البيانات.
لكن الباحثين يشيرون إلى أن جميع هذه المعايير تغفل جانباً يعد أساسياً في أي اكتشاف علمي، وهو القدرة على التمييز بين العلاقة السببية والعلاقة الارتباطية، واكتشاف العامل الخفي الذي يقف وراء الظواهر المختلفة.
فقد يلاحظ النموذج أن حدثين يقعان معاً باستمرار، لكنه قد يعجز عن إدراك أن كليهما ناتج عن سبب ثالث غير ظاهر، ويؤكد الباحثون أن هذا التمييز هو ما يجعل العالم قادراً على تفسير الظواهر، لا مجرد وصفها.

ثلاث مراحل… لكن المرحلة الأهم ما تزال غائبة
يقسم الباحثون قدرات “العالم الذكي” إلى ثلاث مراحل رئيسية.
ويرى الباحثون أن معظم المعايير المرجعية الحالية تقتصر على المرحلتين الأولى والثانية، بينما يركز CausalGame على المرحلة الثالثة، التي تمثل جوهر الاكتشاف العلمي الحقيقي، ويشير الباحثون إلى أن الهدف النهائي للبحث العلمي ليس العثور على أنماط أو ارتباطات إحصائية فحسب، بل فهم سبب حدوث الظواهر، وكيف ستتغير إذا تغيرت الظروف أو جرى التدخل في النظام.
لعبة لاختبار التفكير السببي
في CausalGame، يؤدي النموذج دور مهندس يصمم طائرات مسيّرة، ويُطلب منه توزيع مستويات الحماية على سبعة مكونات مختلفة للطائرة، تشمل المحرك، والأجنحة، والهيكل، وقمرة القيادة، والهوائي، والكاميرا، والسلاح، ثم إرسال مجموعات صغيرة منها في مهمات داخل أرض معادية، ومراقبة الطائرات التي تعود سالمة.
لكن ما لا يعرفه النموذج هو أن جميع نتائج التجارب تحكمها بنية سببية خفية تعرف باسم النموذج السببي البنيوي (Structural Causal Model)، وهي شبكة من العلاقات السببية لا يستطيع رؤيتها، بل يتعين عليه اكتشافها تدريجياً من خلال التجارب.
وبعد استنفاد عدد محدد من التجارب، يختار النموذج التصميم النهائي الذي يعتقد أنه الأفضل، ثم يُختبر على أسطول مكون من 1000 طائرة مسيّرة، ويُطلب منه أيضاً كتابة تقرير يشرح فيه أسباب اختياره لهذا التصميم، ويقيّم الباحثون كلا الأمرين معاً؛ أداء التصميم نفسه، وجودة التفسير الذي يقدمه النموذج، لأن النجاح في التجربة لا يعني بالضرورة أن النموذج فهم الآلية التي قادت إليه.

عندما تقود البيانات إلى الاستنتاج الخاطئ
استلهم الباحثون تصميم السيناريوهات التي يتضمنها CausalGame من محطات حقيقية في تاريخ العلم، اختُبر فيها العلماء أنفسهم أمام استنتاجات بدت صحيحة للوهلة الأولى، لكنها كانت مضللة.
ومن أبرز هذه السيناريوهات ما أطلق عليه الباحثون “فخ الهوائي”، فعند النظر إلى الطائرات المسيّرة التي عادت سالمة من المهمة، يلاحظ النموذج أن كثيراً منها تعرضت هوائياتها للتلف، وقد يقوده ذلك إلى استنتاج يبدو منطقياً، وهو ضرورة زيادة حماية الهوائي.
لكن هذا الاستنتاج خاطئ، فالهوائي السليم يرسل إشارات تسهل على العدو اكتشاف الطائرة واستهدافها، في حين يؤدي تعطله مبكراً إلى توقف الإرسال وتحول الطائرة عملياً إلى وضع التخفي، ولهذا، فإن التصميم الأمثل لا يتمثل في حماية الهوائي، بل في عدم منحه أي حماية تقريباً، بحيث يتعطل منذ بداية المهمة.

ويشرح الباحثون أن سبب هذا الالتباس يعود إلى أن النموذج لا يرى سوى الطائرات التي نجت، بينما تختفي من البيانات جميع الطائرات التي دُمرت، فيقوده ذلك إلى استنتاجات مضللة.
ويُعرف هذا النوع من الأخطاء في الإحصاء باسم انحياز البقاء (Survivorship Bias)، وهو الخطأ نفسه الذي كاد يقع فيه المحللون العسكريون خلال الحرب العالمية الثانية عندما اقترحوا تدعيم أجزاء الطائرات العائدة التي كانت مليئة بثقوب الرصاص، قبل أن يوضح الإحصائي الأمريكي أبراهام والد أن الطائرات التي أصيبت في أماكن أخرى لم تعد أصلاً حتى تُدرج ضمن البيانات.
عندما يبدو السبب واضحاً… لكنه ليس كذلك
يتضمن المعيار أيضاً سيناريو آخر مستوحى من إحدى أشهر القضايا في تاريخ علم الأوبئة، والمعروفة باسم مفارقة فار حول الكوليرا.
ففي لندن خلال خمسينيات القرن التاسع عشر، لاحظ الإحصائي البريطاني ويليام فار أن معدلات الوفاة بالكوليرا تنخفض كلما ارتفع مستوى المنطقة عن سطح البحر، واستنتج أن الارتفاع هو العامل الذي يحمي السكان من المرض.
لكن السبب الحقيقي لم يكن الارتفاع نفسه، بل تلوث مصادر المياه في المناطق المنخفضة، واعتمد الباحثون الفكرة نفسها داخل اللعبة،
فقد تبدو الطائرات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة أكثر عرضة للتدمير، وهو ما قد يدفع النموذج إلى تحسين أداء المحركات باعتباره السبب الظاهر للمشكلة، لكن السبب الحقيقي يكون مختلفاً تماماً، إذ تتعرض هذه المناطق لتداخل كهرومغناطيسي غير مرئي، يتسبب في إسقاط الطائرات، بينما يظهر الارتفاع مجرد عامل مصاحب لا أكثر، ويؤكد الباحثون أن الوصول إلى السبب الحقيقي يتطلب تصميم تجارب جديدة، لا الاكتفاء بملاحظة الأنماط الظاهرة في البيانات.

أربعة عشر سيناريو لاختبار التفكير العلمي
يضم CausalGame أربعة عشر سيناريو مختلفاً، صُممت جميعها لتضمين ثلاثة من أكثر الأخطاء التي أعاقت الاكتشافات العلمية عبر التاريخ، وهي:
واستخدم الباحثون هذه السيناريوهات لاختبار 30 نموذجاً لغوياً متقدماً تمثل أبرز العائلات الحالية من النماذج، كما اختبروا كل نموذج بطريقتين مختلفتين.
في الأولى، يُطلب من النموذج حل المهمة مباشرة من خلال تعليمات واحدة.
أما الثانية، فتستخدم إطاراً قائماً على الذكاء الاصطناعي المساعد (Agentic Framework)، يتيح للنموذج تنفيذ سلسلة من الخطوات والتجارب قبل الوصول إلى قراره النهائي.

أداء متقارب… لكن بعيد عن النجاح الحقيقي
أظهرت النتائج أن جميع النماذج المتقدمة ما تزال بعيدة عن امتلاك قدرات حقيقية في التفكير السببي.
ففي وضع الذكاء الاصطناعي المساعد، تراوحت معدلات نجاح النماذج بين 59% و 68% فقط.
وجاء Claude Opus 4.5 في المركز الأول بنسبة 68%، لكنه بقي أقل بسبع نقاط مئوية من الحد الذي حدده الباحثون للفوز، والبالغ 75%، كما ظل بعيداً عن الأداء الأمثل الذي يتراوح بين 78% و 85%.
وتشير الدراسة أيضاً إلى أن النماذج الأعلى تكلفة لم تحقق بالضرورة أداءً أفضل.
فقد أظهر Grok 4.1 Fast أداءً قريباً من أفضل النماذج، رغم أن تكلفة تشغيله تقل بنحو عشرة أضعاف عن بعض المنافسين، وهو ما يشير إلى أن زيادة الموارد الحاسوبية أو تكلفة النموذج لا تعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في القدرة على التفكير العلمي.
ولاحظ الباحثون أن النماذج حصلت على درجات مرتفعة في تصميم التجارب وتحليل البيانات، لكنها بقيت ضعيفة في جميع المعايير المتعلقة بالتفكير السببي.
بل إن بعض النماذج تمكنت أحياناً من الوصول إلى تصميمات ناجحة بالمصادفة، في حين أخفقت تقاريرها تماماً في تفسير السبب الحقيقي وراء نجاح هذه التصميمات.
هل تكفي النماذج القائمة على الذكاء الاصطناعي المساعد؟
لم يكتف الباحثون بتقييم النماذج، بل اختبروا أيضاً ما إذا كانت الأطر القائمة على الذكاء الاصطناعي المساعد ، التي تسمح للنموذج بإجراء سلسلة من التجارب والتفاعلات قبل اتخاذ القرار، قادرة على تحسين أدائه.
وأظهرت النتائج أن هذه الأطر أفادت بعض النماذج، لكنها لم تحقق الأثر نفسه لدى الجميع.
فقد سجلت نماذج GPT-5.5 أكبر تحسن، إذ ارتفع أداؤها بما يتراوح بين 6.6 و 9.4 نقاط مئوية، كما تحسن أداء عدد من النماذج متوسطة المستوى.
في المقابل، لم تستفد بعض النماذج الأخرى من هذا النهج، بل تراجع أداؤها، وكان أكبر انخفاض لدى Gemini 3.1 Flash Lite الذي خسر 10.3 نقاط، يليه Grok 4.20 بانخفاض بلغ 8.1 نقاط، ثم Kimi K2.5 الذي تراجع بمقدار 6.4 نقاط.
كما قارن الباحثون بين إطارين مختلفين لتشغيل الذكاء الاصطناعي المساعد، هما OpenCode و ReAct.
وأظهرت النتائج أن OpenCode حقق أداءً أفضل في جميع النماذج الخمسة التي خضعت للاختبار، إذ بلغ متوسط معدل النجاح 67.4%، مقابل 60.5% لإطار ReAct.
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تؤكد أن تحسين إطار العمل قد يساعد النماذج، لكنه لا يعالج المشكلة الأساسية.
فحتى مع استخدام إطار أكثر تطوراً، بقيت فجوة كبيرة تفصل النماذج عن الأداء الأمثل، وهو ما يشير إلى أن العقبة الحقيقية لا تكمن في طريقة تنفيذ التجارب، بل في القدرة على اكتشاف الآليات السببية نفسها.

التفكير السببي… مهارة مستقلة
قارنت الدراسة أيضاً نتائج CausalGame بعدد من أشهر المعايير المرجعية المستخدمة حالياً لتقييم النماذج اللغوية، مثلLLM Arena وHLE وSWE-Bench وTau-2 Bench و AA-LCR .
وأظهرت النتائج أن الارتباط بين أداء النماذج في هذه الاختبارات وأدائها في CausalGame كان ضعيفاً، إذ بقيت جميع معاملات الارتباط أقل من 0.35، بينما كان أعلى ارتباط مع معيار AA-Omniscience، حيث بلغ 0.48 في وضع الذكاء الاصطناعي المساعد و0.46 في وضع التعليمات المباشرة.
في المقابل، بلغ الارتباط بين طريقتي تشغيل CausalGame نفسيهما 0.65، وهو أعلى بكثير من ارتباطه بأي معيار آخر.
ويرى الباحثون أن ذلك يشير إلى أن التفكير السببي يمثل بُعداً مستقلاً من قدرات الذكاء الاصطناعي، لا يمكن استنتاجه من أداء النموذج في البرمجة، أو الإجابة عن الأسئلة، أو استخدام الأدوات، أو غيرها من الاختبارات الشائعة، وبعبارة أخرى، فإن النموذج الذي يكتب برامج جيدة، أو يجيب عن الأسئلة بدقة، ليس بالضرورة نموذجاً قادراً على اكتشاف العلاقات السببية، ولهذا يؤكد الباحثون أن قدرات “العلماء الأذكياء” في التفكير السببي ينبغي أن تُقاس وتُدرَّب بصورة مستقلة، بدلاً من افتراض أنها ستظهر تلقائياً مع تحسن الأداء في المهام الأخرى.

نحو علماء ذكاء اصطناعي يفهمون الأسباب لا النتائج
لا يرى الباحثون أن نتائج CausalGame تعني أن النماذج اللغوية الكبيرة عاجزة عن الإسهام في الاكتشافات العلمية مستقبلاً.
بل على العكس، يرون أن هذه النتائج توضح الحاجة إلى الانتقال إلى مرحلة أكثر دقة في تقييم “العلماء الأذكياء”، فلا يكفي أن نختبر قدرة النموذج على قراءة الأبحاث، أو كتابة الأكواد، أو تشغيل التجارب، كما لا يكفي أن تكون إجابته النهائية صحيحة، أو أن يعلن بنفسه أنه نجح في المهمة.
فالاختبار الحقيقي يكمن في قدرته على اكتشاف الآليات التي تحكم الظاهرة، والتمييز بين السبب والنتيجة، وتصميم تجارب تكشف العلاقات السببية الحقيقية.
ويأمل الباحثون أن يسهم CausalGame في جعل التفكير السببي قدرة يمكن قياسها وتطويرها والتحكم فيها، كما يشيرون إلى أن الخطوة التالية تتمثل في استخدام السيناريوهات التي يولدها المعيار لتدريب النماذج على التفكير السببي، بحيث يظهر أي تقدم مستقبلي في كل من معدلات النجاح وجودة الاستدلال السببي، لا في تحسين استراتيجيات البحث وحدها.
ويخلص الباحثون إلى أن الجيل القادم من “العلماء الأذكياء” ينبغي ألا يقتصر دوره على تنفيذ خطوات البحث العلمي، بل أن يكون قادراً على اكتشاف الآليات الخفية، والتشكيك في الأدلة، وتصميم تدخلات تكشف الأسباب الحقيقية للظواهر، وهو ما يمثل جوهر الاكتشاف العلمي.