نُشر هذا المقال لأول مرة في مجلة Wired Middle East بتاريخ 19 ديسمبر 2021.
في المستشفيات، قد يكون الوقت الفاصل بين ظهور الأعراض والوصول إلى التشخيص الصحيح عاملاً حاسماً في إنقاذ حياة المريض، لكن واقع الأمر ليس بهذه البساطة فالأطباء يعملون غالباً تحت ضغط كبير، ويتعاملون مع كميات هائلة من المعلومات الطبية التي يجب تحليلها في وقت قصير، وهو ما يجعل الوصول إلى التشخيص الدقيق أكثر صعوبة، خصوصاً في الحالات المعقدة.
للمساعدة في تجاوز هذا التحدي، يعكف باحثون في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي على توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال تطوير أنظمة قادرة على دعم الأطباء في تشخيص الأمراض بصورة أسرع وأكثر دقة، مع إتاحة هذه التقنيات لعدد أكبر من المؤسسات الصحية حول العالم.
قد يتذكر كثيرون المسلسل الطبي الشهير “هاوس” (House)، الذي تدور معظم حلقاته حول مريض يعاني مرضاً غامضاً، فيبدأ الدكتور هاوس وفريقه رحلة طويلة من الفحوصات والفرضيات قبل الوصول إلى التشخيص الصحيح في اللحظة الأخيرة، وغالباً ما يقودهم إلى الحل ملاحظة عابرة أو تفصيل يبدو غير مرتبط بالحالة إلى الحل النهائي في حبكة قد تبدو مشوقة على الشاشة، لكنها في الواقع قد تعني فقدان حياة المريض.
يقود الدكتور محمد يعقوب، الأستاذ المساعد في الرؤية الحاسوبية بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، فريقاً بحثياً يعمل على تطوير تقنيات تعلم الآلة لتسريع عمليات التشخيص الطبي وزيادة دقتها، وهي مهمة لا ترتبط بالنسبة إليه بالبحث العلمي وحده، بل بتجارب شخصية تركت أثراً عميقاً في مسيرته.
يقول د. يعقوب: “أصيب أحد أصدقائي، الذي درست معه في الجامعة، بمرض التصلب المتعدد، ورغم ظهور الأعراض عليه، ومراجعته عدداً من الأطباء، استغرق الأمر عامين كاملين حتى حصل على التشخيص الصحيح. كان الأمر أشبه بما نراه في مسلسل هاوس؛ أطباء يناقشون الاحتمالات ويحاولون فهم ما يحدث، لكنهم لا يستطيعون الوصول إلى السبب الحقيقي، ولهذا نعمل اليوم على تطوير مجموعة من الخوارزميات القادرة على تشخيص المرض في الزمن الحقيقي، وتحديد ما إذا كان المريض مصاباً بالتصلب المتعدد، بل وإظهار المنطقة المتضررة في الدماغ. لا أريد أن تتكرر مثل هذه التأخيرات”.
ويستعيد د. يعقوب تجربة أخرى كان لها أثر كبير في توجهه البحثي. أحد زملائه في جامعة أكسفورد، والذي كان قائداً لفريق كرة القدم ويتمتع بصحة ولياقة بدنية ممتازتين، توفي بصورة دون سابق إنذار. يستطرد د. يعقوب “علمت لاحقاً أنه كان مصاباً بمرض خلقي في القلب لم يُشخص أبداً. وهناك آلاف الأطفال الذين يولدون يومياً وهم يعانون حالات مشابهة. كنت أعمل بالفعل في مجال الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، لكن هذه التجربة جعلتني أدرك بصورة أكبر أن ما نقوم به يمكن أن ينقذ حياة الناس”.
انطلاقاً من هذا الهدف، طور د. يعقوب وفريقه نظام ScanNav، وهو أول نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقييم التشوهات الخلقية لدى الأجنة أثناء فحص الموجات فوق الصوتية، وقد حصلت شركة شركة جي إي للرعاية الصحية (GE Healthcare) على ترخيص حصري لاستخدامه ضمن أجهزة الموجات فوق الصوتية Voluson SWIFT.
يشرح د. يعقوب طريقة عمل النظام: “بعد الأسبوع العشرين من الحمل، تخضع الحامل لفحص يُعرف باسم فحص التشوهات الخلقية، ويهدف إلى الكشف عن حالات مثل أمراض القلب الخلقية، والسنسنة المشقوقة، وهي حالة خلقية تؤثر على نمو الحبل الشوكي والعظام المحيطة به، وبعض أمراض الدماغ. ويفترض بالطبيب أن يراجع صور الموجات فوق الصوتية ويتأكد من استيفاء مجموعة من المعايير الطبية، ثم يقرر ما إذا كان نمو الجنين يسير بصورة طبيعية”.
لكن الواقع لا يكون دائماً بهذه البساطة، حيث يوضح قائلاً “تعمل المستشفيات تحت ضغط كبير، وقد يضطر اختصاصي الموجات فوق الصوتية إلى إنجاز عدد كبير من الفحوصات خلال وقت محدود. وإذا ما تحدثنا على مستوى العالم، فإنه يولد ما بين 2 و3 ملايين طفل سنوياً وهم يعانون تشوهات خلقية، من بينهم نحو مليون طفل مصاب بأحد أمراض القلب. والأمر الأكثر إثارة للقلق نحو نصف هذه الحالات لا تُكتشف قبل الولادة، حتى في بعض الدول المتقدمة، وهذه مشكلة كبيرة، لأن اكتشاف المرض في مرحلة مبكرة يتيح التدخل العلاجي في الوقت المناسب ويزيد فرص نجاح العلاج.
ويعتمد النظام على تحليل الصور الطبية باستخدام الخوارزميات التي طورها فريق د. يعقوب في التحقق من أن نمو الجنين يسير بصورة طبيعية، وتنبيه الطبيب في حال عدم استيفاء أحد المعايير الطبية المطلوبة، ويُحلل الصور الطبية باستخدام خوارزميات دُرِّبت على نحو مليون صورة تغطي أجزاء الجسم المختلفة، من الدماغ حتى القدمين. يقول د. يعقوب “طورنا خوارزميات تحاكي الطريقة التي يستخدمها الأطباء في قراءة هذه الصور وتحليلها. يمكنك أن تتخيل الأمر وكأننا جمعنا خبرات عدد كبير من الأطباء داخل نظام واحد قادر على اتخاذ قرارات موضوعية”.
يرى د. يعقوب أن نظام ScanNav لن يقتصر أثره على المستشفيات التي تمتلك أحدث التجهيزات الطبية، بل يمكن أن يسهم أيضاً في تحسين خدمات الرعاية الصحية في المناطق التي تعاني نقصاً في الكوادر أو الإمكانات.، موضحاً “إذا كانت بعض الحالات تُفوت حتى في المملكة المتحدة، فماذا عن الدول النامية؟ في بعض الأماكن لا يتولى الأطباء إجراء فحوصات الموجات فوق الصوتية، بل يقوم بها ممرضون أو قابلات، وفي أماكن أخرى قد لا تتوفر أجهزة الفحص أصلاً، ولهذا نحتاج إلى حلول منخفضة التكلفة وسهلة الاستخدام، مثل أجهزة صغيرة يمكن للمستخدم تشغيلها بضغطة زر، ثم تظهر النتائج مباشرة على الهاتف الذكي. ويعمل فريقي حالياً على تطوير خوارزميات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لهذه الأجهزة، بحيث يمكن استخدامها في أي مكان، حتى في مخيمات اللاجئين أو مناطق النزاعات”.
ولا تقتصر التحديات على نقص الأجهزة أو الكوادر، فأثناء فحص الحمل، لا يبقى الجنين ثابتاً في مكانه، بل يتحرك باستمرار، وهو ما يزيد من صعوبة ملاحظة بعض المؤشرات المهمة. ولهذا يعمل فريق د. يعقوب على تطوير خوارزمية لتحليل مقاطع الفيديو الناتجة عن التصوير بالموجات فوق الصوتية، حيث يهدف هذا النظام إلى رصد مؤشرات مثل تسارع نبضات قلب الجنين بصورة غير طبيعية، ثم تحليل هذه البيانات واقتراح استجابات طبية مناسبة في الزمن الحقيقي.
وتتعاون جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كذلك مع شركة أبوظبي للخدمات الصحية (صحة) في عدد من المشاريع البحثية، من بينها تطوير نظام قادر على تنبيه الطواقم الطبية عند تعرض الأطفال حديثي الولادة لصعوبات في التنفس، بما يسمح بالتدخل السريع وتقديم العلاج في الوقت المناسب.
ولا تركز جميع مشروعات د. يعقوب على التشخيص الدقيق للأمراض أو التعامل مع الحالات الطارئة. فإلى جانب تطوير نماذج الرعاية الصحية التنبؤية التي تتنبأ بمعدل البقاء على قيد الحياة لدى مرضى السرطان أو تحدد شدة الإصابة بمرض السل، يعمل فريقه على دراسة كيفية استخدام تعلم الآلة للتنبؤ بالمرضى الذين قد يتغيبون عن مواعيدهم الطبية. ويعتمد هذا النهج على اتخاذ القرار القائم على البيانات من خلال تحليل عوامل مختلفة كالسجل السابق للمريض وظروفه المعيشية.
“تكلف هذه المشكلة المستشفيات مليارات الدراهم، كما تؤثر في المرضى الآخرين. فإذا عرفنا مسبقاً أن أحد المرضى لن يحضر إلى موعد تصوير بالرنين المغناطيسي مثلاً، يمكن منح هذا الموعد لمريض آخر يحتاج إليه. وفي النهاية، يساعد ذلك الأطباء على توفير وقتهم للتركيز على رعاية المرضى. فلماذا لا نستخدم الذكاء الاصطناعي لتسهيل هذه المهمة وجعل العمل أكثر كفاءة؟”
مع تنامي دور الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية، من التشخيص الدقيق إلى إدارة المواعيد وتحليل الصور الطبية، يبرز سؤال يتكرر كثيراً: هل يمكن أن يصبح الأطباء في يوم من الأيام غير ضروريين؟ يبتسم د. يعقوب عندما يُطرح عليه هذا السؤال. “لن يحل الذكاء الاصطناعي محل الأطباء، لكن الأطباء الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي سيحلون محل الأطباء الذين لا يستخدمونه”.
الخلاصة أن الهدف من هذه التقنيات ليس استبدال الطبيب، بل منحه أدوات تساعده على اتخاذ قرارات أسرع وأكثر دقة، وتخفف عنه الأعباء التي تستهلك جزءاً كبيراً من وقته. ففي نهاية المطاف، يبقى التشخيص والعلاج مسؤولية الطبيب، بينما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يتولى تحليل الصور الطبية وكميات هائلة من البيانات في وقت قصير، أو يلفت الانتباه إلى مؤشرات قد يصعب ملاحظتها بالعين المجردة.
باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يكشفون عن إطار عمل جديد سيمكن النماذج متعددة الوسائط.....
نجح فريق بحثي من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في تطوير نهج مبتكر لفهم مقاطع الفيديو،.....
فريق بحثي من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ينجح في تطوير نظام لتوليد العلامات المائية، قد.....