كيف تساعد البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في فهم بيولوجيا الإنسان؟ - MBZUAI MBZUAI

كيف تساعد البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي في فهم بيولوجيا الإنسان؟

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

تلقى إيرَن سيغال تدريبه الأكاديمي في علوم الحاسوب إلا أن أبحاثه اليوم تتمحور حول أحد أكثر الأسئلة تعقيداً في العلوم الحديثة: كيف يمكن استخدام البيانات والذكاء الاصطناعي لفهم جسم الإنسان والتنبؤ بصحته بصورة أدق؟

يركز سيغال على الطب الدقيق (الشخصي) القائم على البيانات، ويعمل على توظيف الذكاء الاصطناعي وبيانات المجموعات البشرية واسعة النطاق لبناء نماذج قادرة على تفسير الصحة والمرض ناشراً على امتداد مسيرته البحثية أعمالاً مؤثرة في مجالات متعددة من علم الجينوم البشري، بما في ذلك العلاقة بين صحة الإنسان والتركيب الجيني للميكروبيوم المعوي. وقد استُشهد بأبحاثه نحو 90 ألف مرة.

عُيّن سيغال مؤخراً عميداً لقسم العلوم الحيوية والحياتية وأستاذاً لعلم الأحياء الحاسوبي في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، حيث يقود جهوداً طموحة لبناء منظومة بحثية تستهدف بعض أكثر التحديات تعقيداً في علوم الحياة.

ويرى سيغال أن الطفرة الأخيرة في الذكاء الاصطناعي أحدثت تحولاً جوهرياً في طريقة إجراء الأبحاث العلمية. فعلى سبيل المثال، أصبح تطوير التطبيقات القادرة على تحليل البيانات البيولوجية أسهل من أي وقت مضى بفضل أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي حيث أصبح ما يتطلب أشهراً من العمل قبل سنوات يمكن إنجازه خلال فترة أقصر بكثير، بما قلّص المسافة بين الفكرة والتنفيذ بصورة غير مسبوقة.

الأفكار وحدها لا تكفي لإنتاج أبحاث مؤثرة، فالبيانات تظل العنصر الأساسي في أي اكتشاف علمي، وغالباً ما يتطلب الأمر كميات هائلة من البيانات عالية الجودة، وهنا تحديداً تبرز المكانة الفريدة لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في مجال أبحاث بيولوجيا الإنسان، إذ يتمتع الباحثون فيها بإمكانية الوصول إلى مجموعتين ضخمتين من البيانات البيولوجية البشرية، تشكلان معاً واحدة من أكثر قواعد بيانات الصحة البشرية شمولاً على مستوى العالم.

تأتي المجموعة الأولى من برنامج الجينوم الإماراتي، الذي نجح في رسم الخريطة الجينية لما يقارب مليون مواطن إماراتي، ويهدف البرنامج إلى مساعدة مقدمي الرعاية الصحية على التنبؤ بمخاطر الأمراض الوراثية، ودعم السياسات الصحية، وتطوير استراتيجيات صحية أكثر دقة ووقاية وتخصيصاً.

أما المجموعة الثانية فتتمثل بمشروع الصفات الظاهرية للإنسان، الذي يقوده سيغال، ويهدف إلى اكتشاف مؤشرات جزيئية جديدة ذات قيمة تشخيصية وتنبؤية وعلاجية، إضافة إلى تطوير نماذج قادرة على التنبؤ بظهور الأمراض وتطورها.

تغطي البيانات التي يجمعها المشروع أكثر من 40 نوعاً مختلفاً من القياسات والبيانات، تشمل السجلات الطبية، وأنماط الحياة والتغذية، والمؤشرات الحيوية، ونتائج اختبارات الدم، والبيانات الجينية، وغيرها.

ويقول سيغال: “تمتد هذه البيانات عبر جميع المستويات، بدءاً من الميكروبيوم وصولاً إلى وظائف الجسم المختلفة”.

عندما تتحول البيانات إلى نماذج قادرة على التنبؤ

لا يتمثل الهدف من جمع هذه الكميات الضخمة من البيانات في أرشفتها فحسب، بل في استخدامها لبناء نماذج تأسيسية قادرة على التنبؤ ببيولوجيا الإنسان ومحاكاتها، بل وحتى اقتراح فرضيات علمية جديدة حول آليات عمل الجسم البشري. ويشير سيغال إلى أن هذه النماذج يمكن أن تؤدي أدواراً مختلفة، ولكل منها قيمة علمية وعملية خاصة.

فالنماذج التنبؤية، على سبيل المثال، يمكنها توقع المسارات الصحية المستقبلية للأفراد استناداً إلى بياناتهم التاريخية. ويشبه سيغال ذلك بطريقة عمل النماذج اللغوية الكبيرة، حيث يتلقى النموذج مدخلات معينة ثم ينتج مخرجات متوقعة.

وفي حالة الصحة البشرية، يمكن للنموذج أن يتلقى بيانات متعددة الوسائط عن المريض، تشمل السجلات الطبية والصور الطبية وبيانات الأجهزة القابلة للارتداء وغيرها، ثم يتنبأ بالحالة الصحية للشخص في نقطة زمنية مستقبلية.

أما النماذج القادرة على محاكاة بيولوجيا الإنسان، فقد تتيح للباحثين اختبار تأثير تدخلات علاجية مختلفة، مثل الأدوية، على جسم الإنسان افتراضياً في فكرة تشبه إلى حد ما التجارب السريرية التقليدية، التي يُعطى خلالها المرضى دواءً معيناً ثم تُراقب حالتهم الصحية لتحديد فعاليته غير أن هذه التجارب تتطلب سنوات طويلة وتكاليف مرتفعة.

ففي المتوسط، قد يستغرق تطوير علاج جديد أكثر من عقد من الزمن قبل أن يجتاز جميع مراحل الاختبار ويحصل على الموافقات اللازمة للاستخدام السريري، ومن هنا تأتي أهمية النماذج القادرة على محاكاة الاستجابة البيولوجية للأدوية. يوضح سيغال: “لم نصل إلى هذه المرحلة بعد، لكن الرؤية طويلة المدى تتمثل في تقليل الحاجة إلى التجارب السريرية المكلفة والممتدة زمنياً عبر محاكاة النتائج بصورة أسرع وأكثر كفاءة”.

نحو فهم أعمق لبيولوجيا الإنسان

يرى سيغال أن النماذج التوليدية قد تكون الأكثر تأثيراً على المدى البعيد نظراً لقدرتها على إنتاج فرضيات علمية جديدة حول الآليات الأساسية التي تحكم عمل الجسم البشري، فبدلاً من دراسة كل نظام بيولوجي بصورة منفصلة، تستطيع هذه النماذج الربط بين طبقات متعددة من البيانات البيولوجية واكتشاف العلاقات الخفية بينها، وهي مهمة يصعب على البشر إنجازها بسبب الحجم الهائل للبيانات المطلوب تحليلها.

ويشبّه سيغال هذه النماذج التأسيسية للبيولوجيا بالنماذج المفاهيمية التي طوّرها العلماء لفهم الفيزياء عبر القرون، فبفضل فهمنا للقوانين الفيزيائية، أصبح بإمكاننا إرسال المركبات إلى الفضاء أو توجيه الجسيمات عالية الطاقة بدقة لعلاج الأورام السرطانية. وقياساً على ذلك قد تتيح لنا النماذج التوليدية مستقبلاً فهماً أعمق للأنظمة البيولوجية وقدرة أكبر على توجيهها والتعامل معها.

ورغم أن تعقيد بيولوجيا الإنسان لا يزال يمثل تحدياً هائلاً، فإن سيغال يعتقد أن الجمع بين البيانات الطولية واسعة النطاق التي يوفرها كل من برنامج الجينوم الإماراتي ومشروع الصفات الظاهرية للإنسان، وبين التقدم المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، يمنح الباحثين فرصة غير مسبوقة لبناء فهم أكثر دقة للإنسان، بما ينعكس إيجاباً على الصحة والمجتمع.

أثرٌ يتجاوز حدود المختبر

ورغم أن قسم العلوم الحيوية والحياتية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي لم يمض على تأسيسه سوى أقل من عام، فإنه يشهد نمواً متسارعاً ويستقطب باحثين من نخبة المؤسسات العلمية حول العالم.

يضيف سيغال: “سنواصل استقطاب المزيد من الباحثين الذين يرغبون في الاستفادة من هذه البيانات الفريدة والعمل إلى جانب زملاء متميزين”، لكن أثر هذا العمل لا يقتصر على الجامعة وحدها فجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تُشكل جزءاً من منظومة أوسع للابتكار في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يمكن للأفكار العلمية التي يتم تطويرها داخل المختبرات الأكاديمية أن تتحول إلى شركات ناشئة ومنتجات وتقنيات ذات أثر عملي، ومع نمو هذه المشاريع وتوسعها، تصبح قادرة على الوصول إلى أسواق ومجتمعات حول العالم.

ويختتم سيغال: “تمتلك قيادة دولة الإمارات رؤية واضحة لدفع عجلة العلم والتكنولوجيا والاكتشافات العلمية بما يخدم الإنسانية جمعاء”.

أخبار ذات صلة

thumbnail
الجمعة، 19 يونيو 2026

ديزين سونغ: من مختبرات الروبوتات إلى إعداد قادة الذكاء الاصطناعي

من تأسيس قسم الروبوتات إلى إعداد قادة الذكاء الاصطناعي المستقبليين، يقود البروفيسور ديزين سونغ جامعة محمد بن.....

  1. الابتكار ,
  2. الروبوتات ,
  3. هيئة تدريسية ,
  4. OSPA ,
  5. نائب عميد الجامعة ,
اقرأ المزيد