لماذا يعجز الذكاء الاصطناعي عن الإجابة إذا طُرح السؤال عن أفريقيا بلغة أفريقية؟ - MBZUAI MBZUAI

لماذا يعجز الذكاء الاصطناعي عن الإجابة إذا طُرح السؤال عن أفريقيا بلغة أفريقية؟

الجمعة، 10 يوليو 2026

لا يكفي أن يعرف الذكاء الاصطناعي معلومات عن ثقافة معينة، بل يجب أن يكون قادراً على فهمها باللغة التي يتحدث بها أهلها، وهو ما تبحثه هذه الدراسة التي تكشف الستار عن فجوة واضحة بين أداء هذه النماذج باللغة الإنجليزية وأدائها باللغات الأفريقية، و الفجوة ليست لغوية فقط، بل ثقافية أيضاً.

إذا عُرضت على أحد نماذج الذكاء الاصطناعي صورة لزي تقليدي مطرز بالخرز من بوتسوانا، أو لوجبة خفيفة شهيرة في أوغندا، أو لأحد المعالم البارزة في كينيا، فقد يتمكن من التعرف إليها إذا طُرح عليه السؤال باللغة الإنجليزية، لكن كيف يكون أداء الذكاء الاصطناعي لو طرحنا نفس السؤال بإحدى اللغات الأفريقية التي يتحدث بها السكان المحليون؟

تشير دراسة جديدة من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي إلى أن معظم النماذج الحالية ما تزال تواجه صعوبة في فهم السؤال بلغة إفريقية.

طور فريق بحثي في الجامعة أول معيار مرجعي يحمل اسم Afri-MCQA، لقياس قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على فهم الثقافات الأفريقية باستخدام اللغات التي يتحدث بها الأفارقة فعلياً، بدلاً من الاقتصار على اللغات العالمية الأكثر استخداماً في تدريب هذه النماذج.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن كثيراً من النماذج تستطيع الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بالثقافة الأفريقية عندما تُطرح باللغة الإنجليزية، لكن أداءها يتراجع بصورة ملحوظة عندما تُطرح باللغة المحلية نفسها.

بناء معيار يعكس الواقع اللغوي في أفريقيا

يغطي معيار Afri-MCQA ست عشرة لغة مستخدمة في ثلاث عشرة دولة أفريقية، ويضم نحو ثمانية آلاف زوج من الأسئلة والإجابات، جميعها مبنية على صور ترتبط بسياقات ثقافية محلية، وتشمل هذه الصور، على سبيل المثال، زياً تقليدياً مطرزاً بالخرز من شعب التسوانا، أو إحدى العلامات التجارية المحلية للوجبات الخفيفة في أوغندا، أو معالماً معروفة في كينيا.

ويُطرح كل سؤال بلغتين: اللغة المحلية واللغة الإنجليزية، كما يتوافر في هيئتين؛ الأولى نصية، والثانية صوتية، حيث سُجلت جميع الأسئلة بأصوات متحدثين أصليين، مما يجعل هذا المعيار أكثر شمولاً من معظم المعايير المرجعية الخاصة باللغات الأفريقية، التي تقتصر عادة على عدد محدود من اللغات وتعتمد على النصوص فقط.

بيانات كتبها أهل اللغة

اعتمد الباحثون على متحدثين أصليين يقيمون في البلدان التي تتحدث هذه اللغات لبناء مجموعة البيانات بالكامل، وبدأ العمل بدراسة تجريبية لاختيار المشاركين، قبل أن يتولى منسقون من المتحدثين الأصليين مراجعة نحو 500 عنصر لكل لغة، واحداً تلو الآخر، وتغطي اللغات الست عشرة التي يتضمنها المعيار ما يقارب 392 مليون متحدث.

ويعرض أحد الأسئلة صورة لطبق تقليدي، ثم يسأل باللغة الأورومية والإنجليزية عن اسمه، بينما يعرض سؤال آخر رفاً يحتوي على مجموعة من الوجبات الخفيفة، ويطلب من النموذج تحديد الشركة الأوغندية التي تنتجها.

ولكل سؤال ثلاث إجابات خاطئة لكنها تبدو معقولة، بحيث لا يستطيع النموذج الوصول إلى الإجابة الصحيحة بمجرد استبعاد الخيارات، بل يحتاج إلى فهم ما تعرضه الصورة والسياق الثقافي المرتبط بها.

كما تعتمد كثير من الأسئلة على معرفة ودراية محلية يصعب الوصول إليها عبر محركات البحث التقليدية.

لماذا تركز الدراسة على اللغات المحلية؟

تضم أفريقيا أكثر من ثلث لغات العالم، ومن المتوقع أن يتجاوز عدد سكانها 2.5 مليار نسمة بحلول عام 2050، وتتميز كثير من هذه اللغات بأنها تُستخدم شفهياً في المقام الأول، بينما تُكتسب مهارات القراءة والكتابة، عندما تتوافر، بلغات أخرى مثل الإنجليزية أو الفرنسية.

ويرى الباحثون أن روبوتات المحادثة التي تعتمد على النصوص وحدها لا تعكس الطريقة التي يستخدم بها كثير من الأفارقة اللغة في حياتهم اليومية، ولهذا السبب حرص الفريق على أن يتضمن المعيار أسئلة صوتية إلى جانب الأسئلة النصية.

ويشير الباحثون إلى أن معظم الدراسات السابقة كانت تختبر النماذج من خلال النصوص فقط، وهو ما يجعلها أقرب إلى تقييم نماذج دُربت على بيانات غربية، ناطقة بالإنجليزية، وهو ما وصفته إحدى الدراسات السابقة بأنه تغطية WEIRD، أي بيانات يغلب عليها الطابع الغربي والمتعلم والصناعي والغني والمتقدم.

ويقول أتنافو تونجا، المؤلف الرئيس للدراسة: “تعتمد كثير من اللغات الأفريقية على التواصل الشفهي في المقام الأول، ولذلك أردنا بناء معيار يعتمد على الأسئلة الصوتية، حتى نتمكن من قياس الفجوة الحقيقية في أداء النماذج الحالية عند التعامل مع هذه اللغات”.

عندما يختار النموذج الإجابة… يبدو أكثر ذكاءً

اختبر الباحثون سبعة نماذج لغوية، بدءاً من نماذج مفتوحة الأوزان الأصغر، مثل Qwen 2.5-Omni وGemma من جوجل، وصولاً إلى جيميناي برو 2.5.

وأظهرت النتائج أن أداء النماذج يبدو جيداً عندما يُطلب منها اختيار الإجابة الصحيحة من بين عدة خيارات حيث نجد أن جيميناي ، وهو أفضل النماذج أداءً في الدراسة، قد حقق دقة بلغت 78% في الأسئلة المطروحة باللغة الإنجليزية.

لكن الصورة تغيرت عندما طُلب من النماذج إنتاج الإجابة بنفسها، دون تزويدها بخيارات جاهزة إذ انخفض أداء جيميناي إلى 38%، بينما تراجعت نتائج النماذج مفتوحة الأوزان من مستويات تقارب الخمسين في المائة إلى أقل من 10% في بعض الحالات.

ويرى الباحثون أن أسئلة الاختيار من متعدد قد تمنح النماذج انطباعاً مضللاً بالكفاءة، لأنها تسمح لها بالاعتماد على أنماط متكررة أو التخمين بين الخيارات، في حين تكشف الأسئلة المفتوحة بصورة أوضح ما إذا كانت المعرفة موجودة فعلاً داخل النموذج.

كما تفوقت الأسئلة المطروحة باللغة الإنجليزية على نظيراتها المكتوبة باللغات المحلية في جميع النماذج، فقد بلغ الفارق نحو نقطتين مئويتين في نموذج جيميناي، ووصل إلى 19 نقطة مئوية في بعض نماذج Qwen.

ولم يؤدِ تكبير حجم النماذج مفتوحة الأوزان إلى تحسن ملحوظ في أدائها عند التعامل مع اللغات المحلية، وهو ما يشير، بحسب الباحثين، إلى أن المشكلة ترتبط ببيانات التدريب أكثر مما ترتبط بحجم النموذج نفسه.

عندما تعجز النماذج عن فهم اللغة نفسها

لم يقم الباحثون بقياس أداء النماذج في الإجابة عن الأسئلة فحسب، بل سعوا كذلك إلى فهم الأسباب التي تجعلها تعجز عند التعامل مع اللغات الأفريقية، ولهذا أجروا سلسلة من الاختبارات الإضافية ركزت على جانبين رئيسيين: مدى قدرة النماذج على التعرف إلى اللغة المنطوقة، وقدرتها على تحويل الكلام إلى نص مكتوب.

وأظهرت النتائج أن معظم النماذج مفتوحة الأوزان تعجز عن التعرف إلى كثير من اللغات الأفريقية، ففي اختبار تحديد اللغة، حقق جيميناي دقة بلغت 96%، بينما لم تتجاوز دقة نماذج Qwen 2% و4%، وهي نتائج لا تزيد كثيراً على التخمين العشوائي.

كما اختبر الباحثون قدرة النماذج على تفريغ التسجيلات الصوتية، أي تحويل الكلام المنطوق إلى نص مكتوب فأظهرت النتائج عندها أن معدلات الخطأ في الكلمات لدى النماذج مفتوحة الأوزان تراوحت بين 85% وأكثر من 100%، وهو ما يعني أن النصوص الناتجة كانت بعيدة جداً عن الكلام الأصلي.

ويشير الباحثون إلى أن النموذج الذي لا يستطيع التعرف إلى اللغة التي يسمعها، أو كتابة كلماتها بصورة صحيحة، لن يتمكن بطبيعة الحال من الإجابة عن السؤال المطروح بهذه اللغة.

وتعلق البروفيسورة ثامار سولوريو، أستاذة معالجة اللغات الطبيعية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، على هذه النتائج بقولها: “تُظهر نتائجنا الخاصة بتحديد اللغة أن المتحدثين بالعديد من اللغات الأفريقية لا يستطيعون حتى الآن الاعتماد على النماذج اللغوية الكبيرة للحصول على أداء مقبول بصورة مستمرة. كما تؤكد الحاجة إلى استثمارات أكبر، من الجهات الحكومية ومن المجتمع، في تدريب النماذج مفتوحة الأوزان على هذه اللغات باستخدام بيانات تعكس ثقافاتها المحلية. ونأمل أن يسهم معيار Afri-MCQA في تشجيع الباحثين وصناع السياسات وجميع الجهات المعنية على الاستثمار بصورة أكبر في بناء البيانات الخاصة بهذه اللغات واعتمادها.”

نموذج واحد تفوق على الجميع

كان جيميناي هو الاستثناء الواضح في معظم الاختبارات محققاً أفضل النتائج في جميع المهام تقريباً، ومحافظاً على أصغر فجوة بين الأسئلة المطروحة باللغة الإنجليزية وتلك المطروحة باللغات المحلية، كما كان النموذج الوحيد الذي اقترب من تحقيق أداء شبه كامل في مهمة التعرف إلى اللغة.

إلا أن الباحثين يلفتون الانتباه أيضاً إلى الفجوة الواضحة بين هذا النموذج التجاري المغلق وبين النماذج مفتوحة الأوزان التي يعتمد عليها معظم الباحثين اليوم، والتي كان أداؤها الأضعف تحديداً في اللغات التي تحتاج إليها المجتمعات المحلية أكثر من غيرها.

كما أظهرت الدراسة أن الفارق بين الأداء باللغة الإنجليزية واللغات المحلية كان أكبر في اختبارات فهم اللغة نفسها منه في الأسئلة الثقافية، وهو ما يشير إلى أن محدودية فهم اللغة تمثل العقبة الأكبر أمام النماذج عند التعامل مع اللغات منخفضة الموارد.

ومع ذلك، لم يكن العامل اللغوي وحده سبباً في هذا التراجع، فحتى عندما طُرحت الأسئلة الثقافية باللغة الإنجليزية، استمرت النماذج في ارتكاب أخطاء مرتبطة بالثقافة الأفريقية، وهو ما يشير إلى أن الفجوة ليست لغوية فقط، بل ثقافية أيضاً.

ما الذي لم يُحل بعد؟

رغم أن المعيار يغطي ست عشرة لغة، وهي تغطية واسعة مقارنة بالدراسات السابقة، فإنه لا يمثل سوى جزء صغير من آلاف اللغات المستخدمة في القارة الأفريقية، كما أن الثقافة نفسها ليست مفهوماً ثابتاً يمكن حصره بالكامل في مجموعة من الأسئلة، فقد اعتمد بناء البيانات على تقدير المشاركين لما يعد موضوعاً ذا صلة بالثقافة المحلية، وهو ما يجعل أحكامهم جزءاً من طبيعة المعيار نفسه.

ويشير الباحثون أيضاً إلى أن جمع هذه البيانات يدوياً يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين، ولهذا صُمم Afri-MCQA ليكون معياراً لتقييم النماذج، لا مجموعة بيانات لتدريبها، وحصلت الدراسة خلال المؤتمر السنوي لجمعية اللغويات الحاسوبية (ACL) لعام 2026 على جائزة الورقة البحثية ذات الأثر المجتمعي (Social Impact Paper Award)، كما نالت إشادة من رئيس المسار العلمي (Senior Area Chair Highlight)، تقديراً لإسهامها في جعل الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط أكثر شمولاً للغات والثقافات والمجتمعات الأفريقية.

بين معرفة الثقافة وفهم لغة أهلها

قد يمتلك النموذج معرفة صحيحة بحقيقة ثقافية معينة، لكنه قد يعجز عن استحضارها في اللحظة التي يُطرح فيها السؤال باللغة التي يتحدث بها أصحاب هذه الثقافة، وبالنسبة لملايين الأشخاص، فإن هذه اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي اللغة الوحيدة التي يفكرون بها ويطرحون أسئلتهم باستخدامها.

وتخلص الدراسة إلى أن النماذج الحالية بدأت تحقق تقدماً في فهم الثقافات المختلفة، لكنها لا تزال بعيدة عن الوصول إلى مستوى يمكنها من التعامل مع اللغات المحلية بالكفاءة نفسها، وهو ما يجعل تطوير الذكاء الاصطناعي أكثر شمولاً تحدياً لغوياً وثقافياً في آن واحد، وليس مجرد مسألة تتعلق بزيادة حجم البيانات أو عدد اللغات التي يدعمها النموذج.