عصر النهضة الذكية MBZUAI

عصر النهضة الذكية: لماذا يمثل الذكاء الاصطناعي عودة إلى المنهج التجريبي؟

الخميس، 16 نوفمبر 2023

مقال رأي بقلم إريك زينغ – رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وبروفيسور جامعي – تم نشره ضمن فعاليات “أجندة المنتدى الاقتصادي العالمي” بتاريخ 12 نوفمبر 2023.

  • الذكاء الاصطناعي أصبح حقيقة واقعة في حياتنا اليومية، وما رافق ثورة برامج الدردشة الآلية من تحذيرات وضعَ هذه التقنية في قفص الاتهام.
  • الصورة القاتمة التي يرسمها البعض للذكاء الاصطناعي باعتباره تهديداً وجودياً تستند في كثير من الأحيان إلى الصخب المحيط أكثر مما تستند إلى أدلة علمية رصينة.
  • الذكاء الاصطناعي بوصفه قوة محركة تقودنا في القرن الواحد والعشرين إلى عصر نهضة ذكية تضع الإنسانية على أعتاب عصر تمكين حقيقي.

بعيداً عن الصخب الذي رافق انتشار بوتات الدردشة ومولدات الصور، كان الذكاء الاصطناعي قد شق طريقه بهدوء إلى تفاصيل حياتنا اليومية، ليصبح جزءاً أصيلاً من كثير من الخدمات والتطبيقات التي نعتمد عليها دون أن نستشعر حضوره؛ فهو يتولى التعرّف إلى ملامح الوجه لفتح الهواتف الذكية، ويساعد في الترجمة أثناء السفر، ويرشد المستخدمين عبر الازدحامات المرورية، بل ويسهم أيضاً في ترشيح الأفلام والمحتوى الذي قد يروق لهم.

غير أن ما رافق الطفرة التي أحدثتها بوتات الدردشة من موجة تحذيرات قاتمة، بلغت حد تشبيه تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي بـ “تهديدات وجودية” تماثل الإبادة النووية أو الكوارث الطبيعية. كما أن ما روّج له عدد من المؤثرين عبر الإنترنت من فكرة “الذكاء الاصطناعي الشبيه بالإله”، إلى جانب مزاعم نظرية ومجردة، بل – وأحياناً – أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، ما وضع هذه التقنية في قفص الاتهام.

وازداد وقع هذه الطروحات مع تبنيها من شخصيات بارزة في الأوساط الأكاديمية وقطاع الأعمال مما أضفى بثقلها المعنوي قدراً من المصداقية على الخطاب التشاؤمي. وبدلاً من إفساح المجال أمام تحليل عقلاني يستند إلى الأدلة – وهو ما يستحقه أي مجتمع متعلم – أسهم ذلك في تأجيج مخاوف الرأي العام وتعميق حالة القلق إزاء مستقبل تطور الذكاء الاصطناعي.

وفي خضم هذا الصخب، يواجه الباحثون والمبتكرون العاملون في طليعة التطورات العلمية خطر تراجع أصواتهم أو ضياعها وسط السرديات المثيرة التي تطغى على النقاش العام. كما أنه، في حال استمرت وتيرة الاندفاع نحو تشديد الأطر التنظيمية، فمن المرجح أن تكون شركات التكنولوجيا العملاقة المستفيد الأكبر، بينما سيدفع الثمن مجتمع الشركات الناشئة ومطورو البرمجيات مفتوحة المصدر الذين يسعون إلى تطوير تقنيات أكثر انفتاحاً وشفافية ومسؤولية تخدم المجتمع.

التهويل في تصوير مخاطر الذكاء الاصطناعي

تكشف نظرة متأنية إلى التهديدات الوجودية الحقيقية حجم المبالغة التي تحيط بالادعاءات بشأن مخاطر الذكاء الاصطناعي؛ فذوبان الأنهار الجليدية بفعل تغير المناخ، والآثار التي لا تُمحى للقصف النووي في هيروشيما وناغازاكي، والدمار الذي خلفته جوائح مثل “كوفيد-19″، جميعها شواهد ملموسة على أخطار حقيقية وقائمة بالفعل.

وفي المقابل، فإن الصورة القاتمة التي تُرسم للذكاء الاصطناعي تبدو أقرب إلى الإثارة منها إلى الحقائق العلمية؛ فبخلاف المخاطر المباشرة التي تمثلها الأسلحة النووية أو تداعيات تغير المناخ، تستند معظم التصورات عن تهديد الذكاء الاصطناعي إلى سيناريوهات من الخيال العلمي؛ فشخصيات مثل “هال 9000“، و”سكاي نت“، و”ألترون” أصبحت نماذج مألوفة في السينما لذكاء اصطناعي انقلب على مبتكريه.

لكن الواقع الذي يعيشه الباحثون يختلف جذرياً عن هذه الصور المتخيلة؛ فمصطلح “الذكاء الاصطناعي” يشمل طيفاً واسعاً من المجالات العلمية، والابتكارات التقنية، والأنظمة والأدوات، فضلاً عن تفاعل البشر معه. وكثيراً ما يُساء، مع هذا، فهم مصطلح الذكاء الاصطناعي أو توظيفه بصورة خاطئة في نقاشات تنزلق سريعاً نحو الحديث عن تهديدات وجودية.

كما أن كثيراً من التنبؤات التي تحذر من أخطار مستقبلية تستند إلى إسقاطات علمية غير موثوقة، تعتمد على معدلات نمو نماذج الذكاء الاصطناعي خلال السنوات القليلة الماضية؛ غير أن التاريخ يؤكد أن أي منحنى لنمو التكنولوجيا لا يستمر في الارتفاع إلى ما لا نهاية، حيث تفرض قوانين الفيزياء وقيود الطاقة وحدود النماذج التقنية سقفاً لهذا النمو – وذلك على غرار ما حدث لكثافة الترانزستورات في رقائق أشباه الموصلات، والقدرة الحاسوبية للحواسيب الفائقة المقاسة بعدد العمليات الحسابية في الثانية.

ولا توجد أي أدلة علمية تشير إلى أن البرمجيات والأجهزة والأسس الرياضية الحالية قادرة، من تلقاء نفسها ومن دون تحولات جذرية في النماذج العلمية، على إيصالنا إلى مرحلة “الذكاء الاصطناعي العام” (AGI) أو ما يتجاوزها. بل إن المخاطر المحتملة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي القائم على بنية “المحوّلات” (Transformers)، التي تقوم عليها تطبيقات مثل “شات جي بي تي”، تبدو محدودة إذا ما قورنت بالإمكانات والمخاطر التي تنطوي عليها تقنيات التحرير الجيني مثل “كريسبر” .(CRISPR)

ويستند الخطاب التشاؤمي من الذكاء الاصطناعي إلى ضعف واضح في النهج والاستنتاج، يظهر في الانتقال السريع بين أفكار وفرضيات مختلفة من دون أدلة علمية كافية تدعمها.

ولتوضيح الفكرة، لنتخيل أن شخصاً اخترع دراجة هوائية، وتمكن خلال فترة وجيزة، بفضل التدريب والممارسة، من قيادتها بسرعات متزايدة، ثم أضاف إليها محرك كهربائي وصُنعت من مواد أخف وزناً، فأصبحت أسرع من السابق؛ فهل ذلك يعني أننا سنصدق أنها ستواصل زيادة سرعتها إلى أن تصبح قادرة على الطيران؟ – ومن السهل إدراك ما ينطوي عليه هذا الاستنتاج من مفارقة ومنطق غير سليم.

في جوهره، يقوم المنطق الذي تستند عليه السردية المتشائمة بشأن الذكاء الاصطناعي على فرضية أن الأنظمة الحالية، القائمة على نماذج “المحوّلات” المدربة مسبقاً للأغراض العامة، مثل “شات جي بي تي”، ستنتقل تلقائياً من امتلاك قاعدة معرفية موسوعية إلى بلوغ مرحلة “الذكاء الاصطناعي العام”، ثم إلى “الذكاء الاصطناعي الفائق” (ASI)، المزوَّد بالذكاء العاطفي والوعي والقدرة على الاستنساخ الذاتي.

ويضيف هذا التصور سلسلة من السيناريوهات الافتراضية التي تفترض أن الذكاء الاصطناعي قد ينقلب لاحقاً على البشر، وأنه في غياب أي رادع يمكن أن يقود إلى انقراض البشرية عبر تصورات من الخيال العلمي؛ مثل جعل النباتات تُفرز غازات سامة أو ابتكار طريقة لاستنزاف طاقة الشمس، وفقاً لسيناريوهات طُرحت مؤخراً في مناظرة عقدت في “اتحاد أكسفورد”.

غير أن كل هذه “التحولات” المفترضة تتطلب اختراقات علمية وتقنية كبرى ما تزال بعيدة المنال، إن لم تكن مستحيلة، كما أن كثيراً من الافتراضات التي تقوم عليها تفتقر إلى أساس منطقي متماسك. ورغم ذلك، فإن طابعها الدرامي يمنحها قدرة على استقطاب خيال الجمهور والتأثير في تصوره لمستقبل التكنولوجيا.

وفي هذا السياق، يتجاهل من يُعرفون بـ “المتشائمين تجاه الذكاء الاصطناعي”، عن قصد أو غير قصد، ضرورة الإثبات العلمي، بينما يسهمون في تأجيج الذعر لدى الجمهور وصناع القرار، كما ظهر في نقاشات تنظيمية حديثة مثل قمة “بليتشلي”. ويذهب هذا الطرح إلى أن الأطر التنظيمية المطروحة لا تستهدف فعلياً “مخاطر وجودية” متخيلة، بقدر ما تُستخدم لإضعاف مجتمع المصادر المفتوحة الذي ينافس هيمنة شركات التكنولوجيا الكبرى أو لفرض قيود تنظيمية مفرطة ترفع كلفة تطوير الذكاء الاصطناعي بما يخدم قلة محدودة من الفاعلين في هذا المجال.

المفارقة في هذا الطرح أن الحديث عن “التهديد الوجودي” للذكاء الاصطناعي يتجاهل دور الإنسان في إدارة التكنولوجيا. فالكوارث الكبرى مثل تشرنوبل وانفجار “تشالنجر” لم تكن نتاج التكنولوجيا نفسها، بل إخفاقات بشرية في الإدارة واتخاذ القرار.

وعلى خلاف العلوم الفيزيائية، يظل الذكاء الاصطناعي مجالاً رقمياً محكوماً بمستويات من التدخل البشري، مع نقاط متعددة للمراجعة والضبط تمنح قدراً أكبر من التحكم مقارنة بتقنيات تتعامل مباشرة مع العالم المادي.

كما أن الخطاب المتشائم يتجاهل الفوائد العميقة للتقدم العلمي، ويغذي القلق بدلاً من تعزيز الفهم والاستفادة من العلم. والتاريخ يثبت أن التكنولوجيا كانت محركاً للتقدم لا نذيراً بالهلاك، من البوصلة إلى الحاسوب.

أما فكرة “التهديد الوجودي” فترتكز على افتراض تجاوز الذكاء الاصطناعي للقدرات البشرية دون مقاييس واضحة، رغم أن اختراعات مثل المجاهر والحاسبات تفوقت على الإنسان في مجالات محددة دون أن تثير مخاوف وجودية.

في المقابل، يطرح هذا التصور أن الذكاء الاصطناعي يمهد لـ “نهضة ذكية” في القرن الحادي والعشرين، أو “عصر تمكين” يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة، على غرار ما فعله عصر النهضة التاريخي الذي أطلقه اختراع المطبعة وأسّس لنهج علمي عقلاني قاده مفكرون مثل نيوتن ولايبنتز، قائم على الفرضية والتحليل والتحقق المنهجي، وهو ما يعيد الذكاء الاصطناعي اليوم إعادة صياغته وتوسيعه.

عصر جديد من الاكتشافات العلمية

يمثل التقاء البيانات الضخمة والبنى التحتية المتقدمة والخوارزميات المعقدة والقدرات الحاسوبية الهائلة ملامح مرحلة جديدة من الاكتشاف العلمي تتجاوز حدود المنطق البشري التقليدي، وتقوم على منهجية تجريبية مختلفة جذريا وتصورات تقودها نظم الذكاء الاصطناعي.

في هذا العصر، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على الإجابة عن “كيف” بل يمتد إلى “لماذا”، مانحاً أدوات عملية لحل المشكلات، ومطلقاً إمكانات واسعة في مجالات الأحياء والجينوم وعلوم المناخ والتقنيات ذاتية التشغيل.

وتتمثل السمة الأبرز لهذه المرحلة في عودة المنهج التجريبي بقوة، مدفوعاً بقدرات الذكاء الاصطناعي على معالجة البيانات، بما يتيح استخلاص المعرفة وتنظيمها والاستدلال منها واختبار الفرضيات واكتشاف الأنماط.

كما يفتح هذا التحول الباب أمام مناهج جديدة للاستكشاف العلمي، مثل التوليد الرقمي عالي الكثافة والمحاكاة شديدة التعقيد والتحسين واسع النطاق، بسرعات تفوق بكثير المقاربات التقليدية، ما يتيح مواجهة تحديات كبرى مثل تغير المناخ والسرطان والطب الدقيق.

وتعزز هذه النهضة ثقافة التعلم المستمر والتكيف، والانتقال من انتظار الفهم الكامل قبل الفعل إلى الاستكشاف والتطبيق الأخلاقي، بروح أكثر تواضعاً في التعامل مع المعرفة.

وكما في أسطورة بروميثيوس، يظهر الذكاء الاصطناعي كأداة بالغة القوة لم تُستوعب أبعادها بالكامل بعد، لكنها تدفع الحضارة الإنسانية إلى الأمام، بما يتطلب قدراً من التواضع والشجاعة والحرية لتوظيفها.

أخبار ذات صلة