كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم اللغات واللهجات التي يتحدث بها معظم سكان العالم؟ - MBZUAI MBZUAI

كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخدم اللغات واللهجات التي يتحدث بها معظم سكان العالم؟

الأربعاء، 13 ديسمبر 2023

لا شك أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعتمدة على معالجة اللغات الطبيعية أصبحت خلال السنوات القليلة الماضية جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص حول العالم، من روبوتات المحادثة إلى المساعِدات الصوتية وغيرها كلها باتت أنظمة قادرة على تنفيذ مجموعة واسعة من المهام التي كانت حتى وقت قريب حكراً على البشر ولا يُتصور أن يؤديها غيرهم.

لكن رغم التقدم الكبير الذي حققته هذه التقنيات، فإن فوائدها لا تصل إلى جميع المستخدمين بالقدر نفسه، فمعظم النماذج اللغوية الحديثة طُورت أساساً بالاعتماد على اللغة الإنجليزية وعدد محدود من اللغات الأخرى، وهو ما يدفعنا لطرح تساؤلات مهمة حول مدى قدرتها على خدمة المتحدثين بآلاف اللغات واللهجات الأخرى المنتشرة على وجه الأرض.

استجابة لهذا التحدي، عَرَض البروفيسور محمد عبد المجيد، الأستاذ المشارك الزائر في معالجة اللغات الطبيعية وتعلم الآلة بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، مجموعة من الدراسات التي تبحث في كيفية تطوير أنظمة لغوية أكثر قدرة على خدمة التنوع اللغوي والثقافي حول العالم وذلك خلال مشاركته في مؤتمر الأساليب التجريبية في معالجة اللغات الطبيعية (EMNLP)، الذي عُقد في سنغافورة.

يرى البروفيسور عبد المجيد أن أهمية هذا التوجه تتجاوز الجانب التقني، قائلاً: “أصبحت هذه التقنيات جزءاً متزايد الأهمية من الحياة اليومية، كما أن وتيرة التقدم فيها تتسارع باستمرار، إلا أننا إذا واصلنا تطوير التطبيقات باللغة الإنجليزية وعدد محدود من اللغات الأخرى مع تجاهل آلاف اللغات واللهجات الموجودة حول العالم، فإننا سنسهم في توسيع الفجوات القائمة بالفعل بين المجتمعات”.

عرض البروفيسور عبد المجيد وزملاؤه أثناء المؤتمر ثلاث دراسات تتناول كيفية تعامل النماذج اللغوية مع اللغة العربية بمختلف أشكالها، كما عرضوا دراسة رابعة تتناول قدرة النماذج اللغوية الكبيرة على فهم العلاقة بين اللغة والسياق الاجتماعي الذي تُستخدم فيه.

وشارك الفريق أيضاً بثماني أوراق بحثية ضمن الدورة الأولى من مؤتمر المعالجة الآلية للغة العربية (ArabicNLP)، والذي عُقد بالتزامن مع مؤتمر الأساليب التجريبية في معالجة اللغات الطبيعية في سنغافورة.

هل تفهم النماذج اللغوية اللهجات العربية؟

ركزت إحدى الدراسات على تقييم أداء شات جي بي تي ونموذج جي بي تي 4 في اللغة العربية، ورغم أن عدداً من الدراسات السابقة تناول أداء هذه الأنظمة باللغة الإنجليزية، فإن قدرتها على التعامل مع لغات أخرى لم تحظ بالقدر نفسه من الدراسة.

ويشير الباحثون إلى أن هذه الدراسة تُعد الأولى من نوعها التي تختبر قدرة شات جي بي تي ونموذج جي بي تي 4 على التعامل مع أشكال مختلفة من اللغة العربية، بما في ذلك العربية الفصحى الحديثة وعدد من اللهجات الإقليمية.

ويقول البروفيسور عبد المجيد: “تختلف اللهجات العربية على جميع المستويات اللغوية تقريباً، سواء من حيث الصرف أو النحو أو المفردات، بالإضافة إلى أن الناطقين بها قد يرغبون في استخدام الفصحى في بعض السياقات، واللهجات المحلية في سياقات أخرى”.

ويُمثل هذا التنقل المستمر بين الفصحى واللهجات المحلية جزءاً طبيعياً من التواصل اليومي لملايين الناطقين بالعربية، لكنه يضيف مستوى إضافياً من التعقيد بالنسبة للأنظمة الحاسوبية.

وأظهرت نتائج الدراسة أن النماذج التي طورتها “أوبن إيه آي” تحقق أداءً جيداً باللغة الإنجليزية، لكنها تواجه تحديات أكبر عند التعامل مع لغات تتميز بتنوع لغوي واسع مثل اللغة العربية.

كما أظهرت النتائج أن أداء GPT-4 كان أفضل من GPT-3.5 في عدد من المهام التي اختبرها الباحثون، إلا أن المجال ما يزال مفتوحاً أمام تحسينات كبيرة.

كيف نقيس أداء النماذج اللغوية؟

إن تطوير النماذج اللغوية واختبارها بصورة عامة غير كافٍ، بل يحتاج الباحثون إلى أدوات تسمح لهم بقياس أدائها بطريقة موحدة ومنهجية، ولهذا الغرض يعتمد الباحثون على ما يُعرف بالمقارنة المرجعية، وهي مجموعات بيانات واختبارات مصممة خصيصاً لتقييم أداء النماذج في مهام محددة ومقارنة نتائجها بصورة عادلة.

ويشير البروفيسور عبد المجيد وزملاؤه في دراسة أخرى عُرضت خلال المؤتمر إلى “أن هذه المعايير تساعد في قياس الأداء، وتسهم أيضاً في تعزيز الشفافية وإمكانية إعادة إنتاج النتائج البحثية، وهو ما يدعم التقدم العلمي في المجال”.

وفي هذا السياق، طور الفريق إطاراً جديداً يحمل اسم دولفين، يوفر مقارنة مرجعية تغطي العربية الكلاسيكية والعربية الفصحى الحديثة وعدداً من اللهجات العربية، بما في ذلك اللهجات المصرية والأردنية والفلسطينية، كما أن جميع مجموعات البيانات المستخدمة في الدراسة متاحة بصورة مفتوحة للباحثين، بما يسهم في دعم الأبحاث المستقبلية في هذا المجال.

الكلمات وحدها لا تبني المعنى

ورغم أن جزءاً كبيراً من أبحاث البروفيسور عبد المجيد يركز على اللغة العربية، فإن اهتماماته تمتد إلى قضايا أوسع تتعلق باللغة والتواصل البشري عموماً.

وفي إحدى الدراسات التي عُرضت خلال المؤتمر، شارك في تطوير إطار جديد لتقييم النماذج اللغوية عبر 64 لغة مختلفة، مع التركيز على مفهوم يُعرف باسم الفهم الاجتماعي التداولي، وهو مفهوم يشير إلى قدرة النظام على فهم أن معنى الجملة قد يتغير تبعاً للشخص الذي يقولها، والطرف الذي تُوجَّه إليه، والموقف الذي تُستخدم فيه، حتى لو بقيت الكلمات نفسها دون تغيير.

تقوم الفكرة الأساسية هنا على أن معنى الكلام لا يتحدد بالكلمات وحدها، فعندما يتواصل الناس، سواء في الحديث المباشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو تطبيقات الرسائل، يتأثر المعنى بمجموعة واسعة من العوامل الاجتماعية والثقافية.

يوضح البروفيسور عبد المجيد هذه النقطة قائلاً: “لا يعتمد المعنى على الكلمات المستخدمة فقط، بل يتأثر أيضاً بمن يتحدث، ولمن يتحدث، ومتى يتحدث، ولماذا يتحدث، وكيف يفعل ذلك”.

ويضيف أن العمر والخلفية التعليمية والطبقة الاجتماعية وعوامل أخرى كثيرة تؤثر في طريقة استخدام اللغة وفهمها.

ولتوضيح الفكرة، قد تحمل الجملة نفسها معنيين مختلفين تماماً تبعاً للشخص الذي قالها أو السياق الذي وردت فيه، كما قد يختلف تفسيرها من مجتمع إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، وبمعنى آخر، فإن فهم اللغة لا يقتصر على فهم الكلمات، بل يتطلب أيضاً فهم الظروف الاجتماعية والثقافية التي أحاطت باستخدامها.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن عدداً من النماذج اللغوية الكبيرة، بما في ذلك  شات جي بي تي، ما يزال يواجه صعوبة في فهم هذا النوع من المعاني عبر اللغات المختلفة.

ولمعالجة هذه المشكلة، طور الباحثون إطاراً جديداً يحمل اسم SPARROW، وهو إطار صُمم خصيصاً لقياس قدرة النماذج اللغوية على فهم المعاني الاجتماعية والسياقية المرتبطة باستخدام اللغة.

ويأمل الفريق أن يساعد هذا الإطار في تطوير نماذج أكثر قدرة على فهم اللغة كما يستخدمها البشر في الواقع، وليس فقط كما تظهر في النصوص.

نحو ذكاء اصطناعي أكثر شمولاً

يعترف عبد المجيد بأن الطريق ما يزال طويلاً قبل الوصول إلى أنظمة لغوية قادرة على خدمة آلاف اللغات واللهجات حول العالم بالكفاءة نفسها.

لكنه يبدي قدراً كبيراً من التفاؤل بشأن قدرة الباحثين على تحقيق هذا الهدف.

ويقول: “أنا متفائل بقدرتنا على العمل والتعاون عبر الحدود الجغرافية والثقافية من أجل معالجة هذه التحديات”.

وفي نهاية المطاف، يرى أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات لا تقاس بعدد النماذج أو حجمها، بل بقدرتها على تحسين حياة الناس.

ويضيف: “هل يمكننا استخدام هذه التقنيات لتعليم الناس بصورة أفضل؟ وإذا استطعنا الوصول إلى مرحلة تسهم فيها الحواسيب في تحسين صحتنا ورفاهنا، فسنكون عندها نستخدم التكنولوجيا في خدمة الإنسانية بالفعل”.

أخبار ذات صلة

thumbnail
الثلاثاء، 30 يونيو 2026

إريك مولين: بناء الأسس العلمية لعصر الذكاء الاصطناعي من قلب أبوظبي

إريك مولين، العميد المؤسس لقسم علوم الحوسبة والرياضيات في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، يوضح كيف.....

  1. الرياضيات ,
  2. education ,
  3. البحث العلمي ,
  4. computing ,
  5. Dean ,
  6. الحوسبة ,
  7. قسم علوم الحوسبة والرياضيات ,
  8. التعليم ,
  9. عميد ,
  10. research ,
  11. mathematics ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الأربعاء، 20 مايو 2026

كيف "تفكر" النماذج اللغوية الكبيرة؟

خريجة الماجستير تزينكسي وانغ تستكشف الميكانيزمات الداخلية التي تتحكم في طريقة معالجة النماذج اللغوية الكبيرة للغة وأساليب.....

  1. النماذج اللغوية الكبيرة ,
  2. الماجستير ,
  3. التفكير ,
  4. حفل التخرج ,
  5. دفعة 2026 ,
  6. هيكليات داخلية ,
  7. بنى عصبية ,
  8. بنى عاطفية ,
  9. بنى منطقية ,
اقرأ المزيد