حصل مؤخراً فريق من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي على جائزة “غوغل للأبحاث الأكاديمية” عن مشروع بحثي مبتكر سيتناول بالبحث والدراسة كيفية تمكّين نظم الذكاء الاصطناعي من فهم شعور الإنسان بالوحدة بشكل أعمق، والتفاعل معه بطرق أكثر وعياً ضمن السياقات الرقمية.
وتركّز الدراسة، بعنوان “فهم الشعور بالوحدة: إطار عمل نفسي-اجتماعي لتعزيز تفاعل أعمق وآمن مع نظم الذكاء الاصطناعي“، على أنماط التعبير عن الشعور بالوحدة عبر المنصات الرقمية، وتطوير آليات تمكّن الأنظمة الحوارية من رصد هذه الحالة. كما تهدف الدراسة إلى تطوير نماذج تعزز التفاعل الآمن مع نظم الذكاء الاصطناعي.
يقود المشروع البحثي، الذي يجري بالتعاون مع معهد جورجيا للتكنولوجيا تحت إشراف الأستاذة مونمون دي تشودري، كل من ثامار سولوريو – نائب عميد الجامعة للتميّز والتطوير الأكاديمي وأستاذة في قسم معالجة اللغة الطبيعية؛ ومونوجيت تشودري – أستاذ في القسم نفسه، بالإضافة إلى الباحث ما بعد الدكتوراه الطالب عاصم سريفاستافا.
وعن أهمية الدراسة، أوضح مونوجيت تشودري أن “الشعور بالوحدة أصبحت ظاهرة متنامية عالمياً، إذ تشير التقديرات إلى أن واحداً من كل ستة أشخاص يمرّ بتجربة الشعور بالوحدة في مرحلة ما. ويأتي هذا في وقت تُظهر فيه البيانات أن عدداً متناميا من الأفراد يلجؤون إلى روبوتات الدردشة وتقنيات الذكاء الاصطناعي للتعبير عن مشاعرهم، خصوصاً خلال فترات العزلة، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الأثر البعيد لهذا التوجّه؟، ومدى قدرة هذه الأنظمة على فهم الإشارات المرتبطة بمشاعر الوحدة لدى المستخدمين؟“.
يُذكر أن جائزة “غوغل للأبحاث الأكاديمية” تعد من إحدى مبادرات شركة «غوغل» الداعمة للأبحاث المتقدمة، حيث يوفّر تمويلًا للباحثين حول العالم في مجالات علوم الحاسوب والتخصصات ذات الصلة. كما يدعم البرنامج المشاريع التي تتقاطع مع أولويات الشركة، بما في ذلك معالجة اللغة الطبيعية، والصحة، والاستدامة، والتعليم، ما يعزّز الشراكات بين المؤسسات الأكاديمية والقطاع الصناعي.
وتُمنح الجائزة بناءً على عملية تقييم تنافسية، حيث تحصل المشاريع المختارة على دعم مالي مباشر لتنفيذ أبحاث مفتوحة ذات أثر علمي ومجتمعي.
تؤكد ثامار سولوريو أن التقدم المتسارع في تقنيات معالجة اللغة الطبيعية في مجال الصحة النفسية لم يُقابله تطور مماثل في فهم ظاهرة الشعور بالوحدة – وتقول: “هناك وفرة ملحوظة في الأبحاث المتعلقة بالاكتئاب وغيره من الاضطرابات النفسية، في حين ما تزال الدراسات التي تتناول الشعور بالوحدة محدودة نسبياً”. وتضيف أن “الشعور بالوحدة في السياقات الرقمية يتخذ أشكالاً مختلفة، وأن الاعتماد المتزايد على الأجهزة لا يشكّل بديلاً حقيقياً للعلاقات الإنسانية، بل قد يسهم أحياناً في تعميق الإحساس بالعزلة“.
ويعمل الفريق البحثي على إعادة صياغة مفهوم الشعور بالوحدة في العصر الرقمي، في ظل تحوّل أنماط التفاعل بشكل جذري. فالتفاعل مع روبوتات الدردشة يختلف جوهرياً عن أشكال التواصل التي سادت في المنصات التفاعلية التقليدية، مثل غرف الدردشة والمنتديات، والتي كانت تقوم أساساً على تواصل مباشر بين مستخدمين حقيقيين عبر الإنترنت.
ويشرح مونوجيت تشودري هذا التحوّل قائلاً: “في المنصات التقليدية، كان هناك شخص حقيقي على الطرف الآخر. أما اليوم، فعندما يكون الطرف المقابل نظامَ ذكاءٍ اصطناعي، فإن طبيعة العلاقة تتغير بالكامل“. ويضيف: “تكمن الإشكالية في أن هذه الأنظمة تُصمَّم غالباً لتقديم استجابات مُرضية للمستخدم؛ فإذا أخبرتَ روبوت الدردشة أنك تشعر بالوحدة، سيبادر بالقول: »آسف لسماع ذلك، حدّثني أكثر« – فهي مصمّمة لاستبقاء المستخدم وتعزيز استمرارية تفاعله“.
ومن جانبه، يشير عاصم سريفاستافا إلى صعوبة قياس الشعور بالوحدة في سياقات التفاعلات الرقمية، قائلاً: “نلاحظ حضوراً واسعاً لتعبيرات الشعور بالوحدة على منصات مثل Reddit، غير أن تحديد ما إذا كانت هذه التعبيرات تعكس حالة فعلية يظل مسألة معقّدة“. ويضيف: “ولرفع هذا التحدي، نسعى من خلال هذا المشروع البحثي إلى بناء نموذج تصنيفي شامل لأنماط التعبير عن الشعور بالوحدة، بما يساهم في فهم ديناميكيات تشكّل الإحساس بالعزلة الاجتماعية في السياقات الرقمية“.
ويخطط الباحثون لتوسيع نطاق الدراسة لتشمل الفروق الثقافية واللغوية في طرق التعبير عن الشعور بالوحدة، ويشرح تشودري هذا البعد قائلاً: “هناك اختلافات جذرية بين الثقافات، فبعض المجتمعات تتسم بتماسكها الاجتماعي، بينما يطغى الطابع الفردي على مجتمعات أخرى، وهذا ينعكس بوضوح على شعور الناس بالعزلة وكيفية التعبير عنه”. ويضيف موضحا: “في الوقت الذي تبدو فيه هذه الفروق واضحة في حياتنا اليومية، فإنها تكاد تختفي في العالم الرقمي، ومع روبوتات الدردشة تصبح تقريباً معدومة“.
وتختتم سولوريو بالتأكيد على أهمية البعد اللغوي والثقافي – وتقول: “تتضح هذه الفروق أكثر لدى المتحدثين بغير الإنجليزية. فطريقة شعوري بالأشياء بالإسبانية ليست نفسها عندما أعبّر عنها بالإنجليزية؛ ولذلك، من الضروري فهم ما يقصده الناس فعلاً ضمن سياقهم الثقافي واللغوي“.
يتجه الفريق البحثي مستقبلاً إلى تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي لا يقتصر دورها على التفاعل مع المستخدمين، بل يمتد ليشجعهم على خوض تجارب تواصل إنساني حقيقية تعزز حضورهم الاجتماعي وتوازنهم النفسي.
وفي هذا السياق، توضح سولوريو أن الطموح يتمثل في تطوير بوتات دردشة قادرة على استيعاب سياق الحوار مع المستخدم، بما يمكّنها من طرح أسئلة تحفّزه على الانخراط في تواصل بشري مباشر، مثل: هل تواصلت مع أحد اليوم؟ وهل خصصت وقتاً لزيارة الأصدقاء أو العائلة؟ وتضيف أن هذه المقاربة تعكس رؤية تعتبر التكنولوجيا جسراً داعماً للعلاقات الإنسانية، لا بديلاً عنها.
من جانبه، يؤكد تشودري أن معيار النجاح الحقيقي لهذا المشروع يكمن في وضع مؤشرات واضحة تمكّن الشركات المطوّرة من تقييم مدى التزام أنظمتها بهذه المبادئ، وقدرتها الفعلية على المساهمة في الحد من مشاعر العزلة والوحدة.
أما سريفاستافا، الذي يركّز على البعد الإنساني للعلاقة المتنامية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، فيشير إلى أن الأفراد بدأوا بالفعل في بناء علاقات مع أنظمة الدردشة الذكية، وهو اتجاه يشهد تسارعاً ملحوظاً. ويضيف أن هذا الواقع يفتح الباب أمام نقاشات واسعة حول جدوى هذه الأنظمة ومخاطرها المحتملة، مؤكداً أن الهدف هو توجيه هذه العلاقات لتكون أكثر وعياً وعمقاً ومعنى.
ويعكس هذا التكريم الأخير المكانة العالمية المتنامية للجامعة، ويؤكد التزامها بتطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي لخدمة المجتمع. وتشدد سولوريو على أهمية هذه التقنيات في دعم الخبرات البشرية، موضحة أن تطوير مثل هذه الأدوات يمكن أن يسهم في تعزيز كفاءة المختصين وتوسيع نطاق خدماتهم، لا سيما في ظل النقص الملحوظ في أعداد الأخصائيين النفسيين وموارد الدعم المتاحة.
وتختتم بالتأكيد على أن تسهيل الوصول إلى خدمات العلاج النفسي، وخفض تكلفتها، مع الحفاظ على موثوقيتها والالتزام بالمعايير الأخلاقية، يمثل خطوة جوهرية نحو تقديم خدمات أفضل تخدم الإنسان والمجتمع.
يُعدُ البرنامج خريجي الدكتوراه الإماراتيين لمسيرة مهنية أكاديمية من خلال توفير زمالات بحثية ممولة ضمن مؤسسات بحثية.....
اقرأ المزيديحدّد التقرير 12 سؤالاً بحثياً جوهرياً الهدف منها توجيه جهود العشرية القادم البحثية في اتجاه تطوير ذكاء.....