يرى إدواردو بلترامي، الأستاذ المساعد في قسم علم الأحياء الحاسوبي بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أن أصعب القضايا الفكرية والأخلاقية لا تكمن في البحث العلمي، بل تكمن في التعليم. ومع ذلك، فقد وضعته مسيرته المهنية في طليعة المجالين معاً.
فهو يعكف من خلال عمله في الجامعة على دراسة الخلايا الفردية في جسم الإنسان لفهم كيفية عملها واختلاف حالاتها في الصحة والمرض. ويسهم عمله في مجال تسلسل الحمض النووي الريبوزي للخلايا الفردية في تطوير أساليب أكثر دقة وتخصيصاً للوقاية من الأمراض وتشخيصها وعلاجها. كما أنه يدرّس طلاب المرحلة الجامعية والدراسات العليا، وكان له دور محوري في تصميم برنامجي الماجستير والدكتوراة الجديدين في علم الأحياء الحاسوبي بالجامعة المقرر أن ينطلقا في عام 2026.
انضم بلترامي إلى الجامعة للعمل مع البروفيسور إيران سيغال، رئيس قسم علم الأحياء الحاسوبي والعميد بالإنابة لكلية الصحة العامة الرقمية، الذي يعد عالماً بارزاً على المستوى العالمي، وأسهمت أبحاثه في مجالات علم الأحياء الحاسوبي وعلم الوراثة والميكروبيوم والتغذية الشخصية في إحداث ثورة في العديد من المجالات العلمية. وهما يعملان بالتعاون مع هيئة تدريسية سريعة النمو على بناء بيئة بحثية تنافس أبرز المؤسسات الأكاديمية العالمية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المرونة وروح التجريب التي تتسم بها الشركات الناشئة.
ويتجلى هذا الطموح في الأجندة البحثية للكلية، التي تشمل مبادرات تأسيسية مثل النموذج “AIDO”، وهو أول نموذج تأسيسي متعدد المقاييس لعلم الأحياء في العالم، ومشروع النمط الظاهري البشري، وتحليل مجموعات البيانات الضخمة الناتجة عن برامج وطنية مثل مشروع الجينوم الإماراتي.
يتحدث بلترامي عن طبيعة عمله البحثي قائلاً: ” خلال بضع سنوات فقط، ازداد حجم البيانات في مجال علم أحياء الخلايا الفردية بأكثر من مئة ضعف، وما زال هذا الاتجاه مستمراً. ولهذا نحتاج إلى أساليب جديدة في تعلم الآلة لمواكبة هذا التضخم الكبير في البيانات. أنا متحمس لإحداث قفزات كبيرة على المستويات المفاهيمية والعملية والتقنية، وهذا بالضبط نوع التفكير الذي تشجعه جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي”.
ويؤكد أن البحث العلمي الوازن والتعليم المتميز أمران لا ينفصلان بالنسبة له، مضيفاً: “تحدث الاختراقات العلمية عندما يكون لكل من العلم والعلماء أقوى أساس ممكن. فالبحث والتعليم يسيران جنباً إلى جنب”.
تكوَّنت قناعة بلترامي بأن التعليم لا يقل أهمية عن البحث العلمي – بل ربما يفوقه – قبل وقت طويل من انضمامه إلى جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي. فقد حصل على درجة الدكتوراة في الهندسة الحيوية من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، الذي يصفه بأنه “جنة علمية”. وهناك رأى كيف يمكن لمؤسسة صغيرة شديدة الانتقائية أن تمكّن طلابها من تجاوز الحدود بين التخصصات المختلفة والسعي وراء أفكار طموحة.
وبعد تخرجه من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا، أصبح عالِماً مؤسساً في شركة “Retro Biosciences”، وهي شركة ناشئة في مجال التكنولوجيا الحيوية في وادي السيليكون حظيت باستثمار كبير من سام ألتمان. وفي هذه الشركة، تعلّم بلترامي مدى السرعة التي يمكن أن تتحرك بها الابتكارات عندما تكون السرعة والتجريب المستمر في صميم العمل. وفي الوقت نفسه، بينما كان يشارك في دعم برامج تعليمية مبتكرة في البرازيل، ازدادت قناعته بأن التعليم يمكن أن يكون أكثر تأثيراً من أي تجربة منفردة تُجرى في المختبر.
ويشير بلترامي إلى أن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وفّرت له فرصة نادرة للجمع بين هذه الخبرات، قائلاً: “تتمتع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي بعقلية الشركات الناشئة، لكنها في الوقت نفسه تلتزم التزاماً جاداً وطويل الأمد بكل من البحث العلمي والتعليم. فهي المكان المثالي لإعادة التفكير في كيفية تدريس علم الأحياء الحاسوبي في عصر الذكاء الاصطناعي”.
في عام 2025، حصل بلترامي على جائزة عميد الجامعة للخدمة المتميزة تقديراً لدوره في تطوير برامج الدراسات العليا الجديدة في علم الأحياء الحاسوبي. ويقوم جوهر هذه البرامج على فكرة أن يتمكن الطلاب من بناء مسارات تعليمية شخصية ومتعددة التخصصات ضمن إطار أكاديمي صارم. ومن المقرر أن يبدأ برنامجا الماجستير والدكتوراة الجديدان في علم الأحياء الحاسوبي في خريف عام 2026، وهما يستندان إلى ثلاثة أقسام ضمن كلية الصحة العامة الرقمية، وهي علم الأحياء الحاسوبي، وعلم الأوبئة والأمراض المعدية، والطب الدقيق والشخصي.
يبدأ الطلاب بدراسة أساس قوي في علم الأحياء الحاسوبي، ثم يعملون عن كثب مع المشرفين الأكاديميين لتصميم مسارهم الدراسي بما يتناسب مع خلفياتهم واهتماماتهم البحثية. وقد صُممت المقررات بحيث تجمع بين الذكاء الاصطناعي وعلم الأحياء والصحة العامة، بما يشجع الطلاب على التنقل بسلاسة بين المناهج النظرية والتطبيقات العملية.
ويدرس طلاب الماجستير والدكتوراة في علم الأحياء الحاسوبي معاً، كما يمكن لطلاب المرحلة الجامعية الانضمام إليهم أيضاً، وذلك وفق نموذج تعرّف عليه بلترامي عن قرب خلال دراسته للدكتوراة في الهندسة الحيوية في معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا. وسيحصل جميع الطلاب على تمويل كامل، كما سيكون بإمكانهم العمل مع أي مشرف أكاديمي، مما يمنحهم الفرصة لاختيار المشاريع والمشرفين الأكثر توافقاً مع أهدافهم العلمية.
يقول بلترامي في سياق حديثه عن هذين البرنامجين: “الهدف التعليمي هو إعداد علماء قادرين على التفكير بعمق في مختلف المجالات العلمية وعلى مستويات متعددة، من الجزيئات والخلايا إلى السكان والنظم البيئية. أما المبدأ الأخلاقي الذي يوجّهنا فهو أن ينمو طلابنا وهم يدركون ويفهمون الأبعاد الإنسانية لما يبنونه ويطورونه”.
أسهمت السنوات التي قضاها بلترامي في وادي السيليكون في تشكيل نظرته إلى العلاقة بين ريادة الأعمال والتدريب العلمي، والتي يوضحها بقوله: “غالباً ما يكون القطاع الخاص ديناميكياً للغاية وغنياً بالموارد. لكن عندما تصبح الأهداف التجارية هي الأهداف الوحيدة، تُغلق العديد من المسارات، مما يهدد بفقدان الحرية في استكشاف إمكانات وقيم بديلة. وقد لاحظت أن كثيراً من الزملاء الذين غادروا العمل الأكاديمي متجهين إلى القطاع الخاص أصبحوا يتقاضون رواتب أعلى، لكنهم كانوا أقل شعوراً بالرضا”.
ومع ذلك، لا يرفض بلترامي ريادة الأعمال، بل يسعى إلى إعادة تعريفها في سياق تعليمي. فبالنسبة له، تتمحور ريادة الأعمال في جوهرها حول الإبداع الهادف، أي استخدام الأدوات التقنية لمعالجة احتياجات إنسانية حقيقية. وقد أصبحت هذه الفلسفة اليوم توجّه برامج الدراسات العليا في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ومنهجها في المرحلة الجامعية.
ومع التحاق الدفعة الأولى من طلاب المرحلة الجامعية في الجامعة، أسهم بلترامي في تصميم وتدريس مقرر ريادة الأعمال، مستفيداً من ثقافة الشركات الناشئة في الجامعة ومن منظومة الابتكار المتسارعة في أبوظبي.
تركّز المقررات على التعلم من خلال البناء والتجريب العملي باستخدام بيانات حقيقية والتحسين المستمر. ويُشجَّع الطلاب على التعامل مع الجامعة نفسها بوصفها مختبراً للأفكار يختبرون فيه مبادراتهم ويتعلمون من الإخفاق ويواصلون صقل أفكارهم. كما تُطرح مناقشات ريادة الأعمال في إطار قضايا العدالة والصالح العام والتنمية البشرية، وليس فقط من منظور حجم السوق.
بالنسبة لبلترامي، فإن هذه الأفكار والقيم ليست مجرد مفاهيم نظرية، بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتجربته الشخصية. فقد وُلد ونشأ في مدينة فلوريانوبوليس في البرازيل، ويرى أن مسيرته العلمية تعود في جذورها إلى التعليم العام القائم على الرسالة المجتمعية. وقد منحه المعهد الفيدرالي في سانتا كاتارينا، وهو مؤسسة تعليمية عامة للتعليم المهني والعالي، الأساس التقني الذي مكّنه من متابعة مسيرته في مجال العلوم. وفي وقت لاحق، أتاحت له منحة برنامج “العلوم بلا حدود” في البرازيل الدراسة في جامعة برانديز في بوسطن بالولايات المتحدة، حيث تعرّف على ما يصفه بأنه “روح متنوعة ومتعددة التخصصات” والتزام قوي بقضايا العدالة الاجتماعية.
خلال جائحة كوفيد-19 عاد بلترامي إلى وطنه، حيث لاحظ التباين بين وفرة الموارد في الولايات المتحدة والتحديات التي يواجهها كثير من البرازيليين، مما عزز تصميمه على استخدام التعليم أداة لإحداث أثر اجتماعي. فعمل مع معهد فيلسون غروه، وهو منظمة عريقة غير ربحية في فلوريانوبوليس تدعم الفئات الاجتماعية المهمّشة من خلال التعليم والتدريب المهني والمساعدة الأسرية. وهناك ساعد بلترامي في إطلاق برنامج “Pode Crer”، وهو برنامج تعليمي تكميلي يستهدف الشباب في الأحياء الفقيرة ويركّز على التكنولوجيا والقيادة والمواطنة. وقد شمل دوره تصميم المناهج الدراسية والتدريس وتدريب المعلمين، إلى جانب زيادة مشاركته في البحوث التربوية من خلال كلية التربية في جامعة كاليفورنيا في بيركلي.
وهو يقول في هذا الصدد: “التعليم أصعب مجال حاولت دراسته بصورة منهجية. فهو عملية تشاركية وسياقية وإنسانية بعمق. ويجب فهم تصميم البرامج التعليمية والتدريس والتعلم باعتبارها عملية اجتماعية واحدة ومتكررة”.
وقد عزز نجاح برنامج “Pode Crer”، الذي انتقل اليوم إلى مركز جديد للابتكار الاجتماعي يجري إنشاؤه في أحد الأحياء الفقيرة التي انطلق منها، إيمان بلترامي بأن تصميم المناهج التعليمية بعناية يمكن أن يكون محركاً مباشراً للتغيير الاجتماعي.
يؤكد بلترامي أن هذه القناعة توجّه اليوم نظرته ونظرة زملائه إلى مجالات علم الأحياء الحاسوبي وريادة الأعمال والتعليم، مضيفاً: “الجامعات مؤسسات شديدة التعقيد بسبب تركيزها الثلاثي على البحث العلمي والتعليم وخدمة المجتمع. ويزداد هذا التعقيد في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي لأنها جامعة وشركة ناشئة في آن واحد، كما أنها تنمو بوتيرة غير مسبوقة حتى بالمقارنة مع معظم الشركات الناشئة في مختلف المجالات. والنجاح المتواصل للجامعة أمر لافت حقاً، وأنا أفتخر بكوني جزءاً من الفريق الذي يحدد الاتجاهات المستقبلية ويسهم في توجيه الجامعة نحوها”.
تخطط كلية الصحة العامة الرقمية لاستقطاب عدة عشرات من طلاب الدراسات العليا سنوياً في برامج علم الأحياء الحاسوبي الجديدة، إلى جانب التوسع المستمر في عدد أعضاء الهيئة التدريسية وزيادة أعداد طلاب المرحلة الجامعية. ويتمثل هدفها في إنشاء بيئة تجمع بين الهيئة التدريسية المتميزة والأبحاث الطموحة والمناهج الجريئة والثقافة الريادية القائمة على القيم وتعزز التكامل فيما بينها. ويؤكد بلترامي أن لدى الكلية الآن البرامج وأعضاء الهيئة التدريسية اللازمين لتقديم تجربة تعليمية فريدة حقاً. ومع وصول الدفعة الأولى من الطلاب في عام 2026، ستكتمل عناصر المعادلة وسنبدأ بجني ثمار كل ما نقوم به الآن.
تجدر الإشارة إلى أن فترة التقديم لبرنامجي الماجستير والدكتوراة في علم الأحياء الحاسوبي ستستمر حتى 27 فبراير 2026.
يُعدُ البرنامج خريجي الدكتوراه الإماراتيين لمسيرة مهنية أكاديمية من خلال توفير زمالات بحثية ممولة ضمن مؤسسات بحثية.....
اقرأ المزيدويأتي الاحتفاء بهذه المناسبة تحت شعار "رِيادة المستقبل بالذّكاء الاصطناعي والعُلوم للإنسانية"، تجسيداً لمسيرة السنوات الخمس (2020–2025).....