عندما يفهم الذكاء الاصطناعي الثقافة... لكنه يعجز عن التحدث بلهجتها - MBZUAI MBZUAI

عندما يفهم الذكاء الاصطناعي الثقافة… لكنه يعجز عن التحدث بلهجتها

الأربعاء، 08 يوليو 2026

في أحد الأعراس الإماراتية، يحمل رجل المبخرة ويمر بها بين الضيوف لتبخير المكان بالعود، في تقليد اجتماعي يعبر عن كرم الضيافة، وإذا سأل زائر من خارج الدولة عن سبب قيامه بذلك، فسيكون من السهل شرح أن هذا التصرف جزء من عادات الضيافة في المجتمع الإماراتي.

لكن إذا طرح السؤال نفسه على أحد نماذج الذكاء الاصطناعي، فقد يحصل على إجابة مختلفة تماماً مفسراً المشهد على أنه عملية لتعقيم القاعة، أو يصفه بأنه جزء من عرض فولكلوري، متجاهلاً المعنى الثقافي الحقيقي للموقف.

يمثل هذا المثال واحداً من 6942 حواراً يتضمنها ArabCulture-Dialogue، وهو معيار مرجعي طوره فريق بحثي في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي لقياس مدى قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على فهم الثقافة العربية كما يعيشها الناس في حياتهم اليومية.

وتشير نتائج الدراسة، التي عُرضت في الاجتماع السنوي الثالث والستين لجمعية اللغويات الحاسوبية (ACL 2026)، إلى أن جميع النماذج التي اختبرها الباحثون يتراجع أداؤها عندما ينتقل الحوار من العربية الفصحى إلى اللهجات المحلية.

وبينما تستطيع النماذج الأكثر تقدماً فهم السياق الثقافي بدرجة جيدة، فإنها تواجه صعوبة أكبر عندما يُطلب منها التعبير عن هذا الفهم باللهجة المناسبة.

اعتمدت معظم المعايير المرجعية السابقة الخاصة بالثقافة العربية على العربية الفصحى الحديثة، وهي اللغة المستخدمة في الصحف والكتب المدرسية ووسائل الإعلام، كما اقتصرت غالباً على أسئلة منفصلة من نوع الاختيار من متعدد، لكن هذه ليست اللغة التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية.

فالعالم العربي يضم نحو 400 مليون ناطق بالعربية، يتحدثون عشرات اللهجات التي تختلف عن العربية الفصحى، كما تختلف فيما بينها، وتحمل في مفرداتها وتعابيرها كثيراً من الخصوصيات الثقافية والاجتماعية.

ويرى الباحثون أن تقييم النماذج باستخدام العربية الفصحى وحدها يعني عملياً اختبارها في المستوى الأسهل من اللغة، وليس في اللغة التي يتواصل بها الناس في الواقع.

انطلق الباحثون من معيار سابق يحمل اسم ArabCulture، كان يعتمد على أسئلة منفردة باللغة العربية الفصحى، ثم أعادوا بناء كل سؤال على هيئة حوار قصير يحاكي مواقف الحياة اليومية، واستخدمت نماذج OpenAI لإعداد المسودات الأولية للحوارات، لكن العمل الفعلي بعد ذلك أُنجز بالكامل على يد 26 متحدثاً أصلياً بالعربية، بواقع شخصين من كل دولة مشاركة.

وتولى هؤلاء إعادة صياغة الحوارات، ثم ترجمتها إلى اللهجات المحلية في بلدانهم، مع التأكيد على كتابة الحوارات بالطريقة التي يتحدث بها الناس فعلاً، لا ترجمتها حرفياً من العربية الفصحى، وبعد ذلك، راجع كل فريق عمل ما أنجزه الفريق الآخر للتحقق من دقة الصياغة وسلامتها، ولضمان أن تعكس البيانات الاستخدام الحقيقي للغة، مُنع جميع المشاركين من استخدام أي أدوات ذكاء اصطناعي أثناء إعداد الحوارات.

واجه الباحثون تحدياً غير متوقع خلال إعداد البيانات، ففي النسخ الأولى، كانت الإجابة الصحيحة تختلف عن الإجابات الأخرى بطريقة تجعل النموذج قادراً على اختيارها من دون الحاجة إلى فهم السؤال، فقد تكون أطول قليلاً، أو تبدأ بعبارة مميزة، أو تحمل نمطاً لغوياً يسهل تمييزه.

 

ولمعالجة هذه المشكلة، أعاد المشاركون كتابة خيارات الإجابة الثلاثة في جميع الأسئلة، سواء بالعربية الفصحى أو باللهجات المحلية، بحيث تتقارب في الطول والأسلوب، ولا يبقى ما يميز الإجابة الصحيحة سوى الفهم الحقيقي للسياق الثقافي.

 

أداء قوي… لكن ليس في كل شيء

حينما تعلق الأمر باختبارات الاختيار من متعدد، حققت النماذج التجارية الكبيرة نتائج مرتفعة،  فقد سجل GPT-5 وGemini 2.5 Pro دقة تراوحت بين 94% و95%، سواء في العربية الفصحى أو في اللهجات، أما بين النماذج الأصغر، فقد حقق النموذجان العربيان Hala-9B وSILMA-9B نتائج تراوحت بين أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات.

في المقابل، اقترب أداء عدد من النماذج الأخرى من 33%، وهو مستوى لا يتجاوز كثيراً الاختيار العشوائي. كما سجل نموذج ALLaM-7B نتيجة بلغت 0.418 في العربية الفصحى و0.398 في اللهجات، بينما حقق Qwen3-8B نتيجة بلغت 0.354.

ورغم أن تراجع الأداء عند الانتقال إلى اللهجات كان محدوداً في اختبارات الاختيار من متعدد، فإنه ظهر بصورة شبه ثابتة في جميع النماذج. كما تبين أن الأسئلة المرتبطة بعادات أو ممارسات خاصة بدولة عربية بعينها كانت أصعب من الأسئلة التي تتناول ممارسات ثقافية مشتركة بين معظم الدول العربية.

وسجلت لهجات شمال أفريقيا أكبر تراجع في الأداء، إذ انخفض أداء أقوى النماذج مفتوحة الأوزان إلى 0.663 عند التعامل مع حوارات خاصة بلهجات هذه الدول. ولا حظ الباحثون أيضاً أن تزويد النموذج بمعلومات إضافية عن الدولة أو المنطقة التي ينتمي إليها الحوار أدى إلى تحسن طفيف في النتائج، وهو ما يشير إلى أن المعرفة موجودة داخل النموذج، لكنها لا تظهر دائماً تلقائياً.

فهم الثقافة أسهل من التحدث بلهجتها

لم يقتصر تقييم الباحثين على قدرة النماذج على اختيار الإجابة الصحيحة، بل اختبروا أيضاً قدرتها على الترجمة، واستكمال الحوارات، وإنتاج النصوص باللهجات المحلية، وأظهرت النتائج أن النماذج تؤدي أداءً جيداً عند تحويل اللهجات العربية إلى العربية الفصحى، لكنها تواجه صعوبة أكبر عند القيام بالمهمة العكسية، فعند تقييم جودة الترجمة باستخدام مقياس BLEU، وهو مقياس يقارن مدى تشابه النص المترجم بالنص المرجعي، حقق GPT-5 نتيجة بلغت 0.434 عند الترجمة من اللهجات إلى العربية الفصحى، لكنها انخفضت إلى 0.276 عند الترجمة من العربية الفصحى إلى اللهجات.

واختبر الباحثون أيضاً قدرة النماذج على استكمال الحوارات باللهجة المطلوبة، وعندما طُلب من GPT-5 مواصلة حوار بلهجة عربية محددة، قيّم نموذج آخر جودة النص الناتج ومنحه 0.956، وهو تقييم مرتفع، لكن عند إخضاع النص نفسه لنظام متخصص في التعرف على اللهجات، تبين أنه استطاع تحديد الدولة الصحيحة في 45% فقط من الحالات.

أما بالنسبة لهجات الإمارات، وليبيا، والسودان، واليمن، فقد أخفق النظام في التعرف إلى اللهجة تماماً، وسجلت جميعها نتيجة 0.000 وفق معيار التقييم الأكثر صرامة، حتى بالنسبة إلى GPT-5.

كما أظهرت النتائج أن بعض النماذج العربية لم تتمكن تقريباً من إنتاج اللهجات المحلية عند الطلب، فقد سجل Hala-9B نتيجة 0.02، بينما سجل Qwen3-8B 0.04 على مقياس تكون فيه القيمة صفر دليلاً على أن النص كُتب بالكامل بالعربية الفصحى.

هل تكفي التدريب على بيانات أكثر؟

اختبر الباحثون أيضاً أثر الضبط الدقيق (Fine-tuning)، وهي عملية يُعاد خلالها تدريب النموذج على بيانات متخصصة لتحسين أدائه في مهمة معينة، حيث أظهرت النتائج أن هذه العملية حسنت أداء النماذج، لكن بدرجات متفاوتة، فقد أصبحت النماذج أكثر قدرة على الالتزام باللهجة المطلوبة وأكثر سلاسة في إنتاج النصوص، كما تحسن تمييز بعض اللهجات التي تمتلك خصائص لغوية واضحة.

وكانت اللهجة المغربية المثال الأبرز، فبفضل مفرداتها المميزة، ارتفعت نتيجة أحد النماذج في التعرف عليها من 0.182 إلى 0.563، أما اللهجة السورية، فرغم تحسن جودة النصوص المنتجة بها، فإن النموذج ظل يميل إلى إنتاج لهجة شامية عامة، أو العودة إلى العربية الفصحى، بدلاً من الالتزام باللهجة السورية بصورة دقيقة.

ويشير الباحثون إلى أن زيادة كمية البيانات وحدها لم تكن كافية لتعليم النماذج الفروق الدقيقة بين لهجات الدول العربية المختلفة.

ما الذي لم يُحل بعد؟

يلفت الباحثون إلى أن الدراسة لا تزال تواجه بعض القيود، فالمعيار المرجعي يغطي 13 دولة عربية فقط من أصل 22 دولة، كما يتعامل مع كل دولة على أنها تمتلك لهجة واحدة، في حين أن الواقع أكثر تعقيداً.

فاللهجات والعادات لا تختلف بين الدول العربية فحسب، بل قد تختلف أيضاً بين مناطق الدولة الواحدة، ولهذا يرى الباحثون أن بناء معايير أكثر شمولاً سيظل أحد التحديات المهمة في هذا المجال.

بين فهم الثقافة والتحدث بلسانها

قد يتمكن النموذج من تحليل مشهد في عرس إماراتي، والتعرف إلى دلالة استخدام المبخرة، ثم يقدم تفسيراً صحيحاً لما يحدث، لكن عندما يُطلب منه التعبير عن هذا الفهم بالطريقة التي يتحدث بها إماراتي، فقد ينتج نصاً يبدو أقرب إلى اللهجة السعودية.

ويرى الباحثون أن النماذج اللغوية بدأت بالفعل تتعلم فهم السياقات الاجتماعية والثقافية المرتبطة باللغة، أما الوصول إلى مستوى من الأصالة اللغوية والثقافية يجعلها تبدو وكأنها تتحدث بلسان أبناء كل مجتمع، فما يزال يمثل تحدياً مفتوحاً أمام أبحاث الذكاء الاصطناعي.