باحثون يطورون نظاماً ذكياً يدعم مدققي الحقائق والمعلومات - MBZUAI MBZUAI

باحثون يطورون نظاماً ذكياً يدعم مدققي الحقائق والمعلومات

الخميس، 16 يوليو 2026

في ظل الانتشار المتسارع للمعلومات المضللة عبر الإنترنت، أصبح التحقق من صحة المحتوى أحد أبرز التحديات التي تواجه المجتمعات ووسائل الإعلام والمؤسسات العلمية؛ إذ تتدفق يومياً آلاف الادعاءات عبر منصات التواصل الاجتماعي والمنتديات ومواقع نشر المحتوى، ما يجعل التحقق من كل ادعاء مهمة تستلزم وقتاً وجهداً وخبرات متخصصة.

وانطلاقاً من هذا التحدي، طوّر باحثون نظام QRAFT الذي يعتمد على منظومة من نماذج الذكاء الاصطناعي المساعد، هدفها مؤازرة مدققي الحقائق والمعلومات في إعداد مقالات التحقق من المعلومات بكفاءة أكبر؛ مع التأكيد – في الوقت نفسه – على أن الإنسان سيظل محورياً في مراجعة النتائج وضمان دقتها.

وفي هذا السياق، يشير دروف ساهنان – طالب الدكتوراه في قسم معالجة اللغة الطبيعية بجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي – إلى أن مدققي الحقائق يؤدون دوراً محورياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة من خلال التحقق من الادعاءات وتوضيح أسباب صحتها أو عدم صحتها؛ غير أن إعداد تقارير التحقق يستغرق وقتاً وجهداً كبيرين في وقت أصبح فيه الحجم المتزايد للمحتوى المضلل المنشور عبر الإنترنت يتجاوز قدرة فرق التحقق على مواكبته – ويضيف: “إننا نسعى إلى تطوير أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي تمكّن مدققي الحقائق من إنجاز عملهم بسرعة أكبر وكفاءة أعلى”.

وقد شارك في إعداد الدراسة إلى جانب دروف ساهنان كل من ديفيد كورني، وإيرين لاراث، وجيوفاني جاني، وروبن ميغيز، وتشووهان شيه، وإيرينا غوريفيتش، وإليزابيث تشرشل، وتانموي تشاكرابورتي، وبريسلاف ناكوف، وعُرضت نتائجها خلال الاجتماع السنوي الرابع والستين لجمعية اللغويات الحاسوبية (ACL) في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا.

التعلم من الخبراء

استهل الباحثون تصميم نظام QRAFT بإجراء مقابلات مع مختصين من أبرز مؤسسات التحقق من المعلومات، سعياً إلى فهم طبيعة مقالات التحقق وآليات إعدادها – وعن هذه الخطوة يقول ساهنان: “أردنا أن نفهم بدقة ماهية مقالات التحقق وكيف تُكتب، لأن المهندسون كثيراً ما يطورون حلولاً تقنية من دون الرجوع إلى الخبراء والمتخصصين”.

وقد أوضح الخبراء، في هذا السياق، أن المقال القوي يجب أن يشرح الادعاء بدقة، ويوضح مصدره، ويبين كيف تسهم الأدلة في التحقق من صحته، وأن يكون منظماً بأسلوب واضح وسهل القراءة، مع توضيح أهمية التحقق من الادعاء المطروح.

يذكر أن نظام QRAFT يتألف من ثلاثة نماذج للذكاء الاصطناعي المساعد تعمل بصورة تكاملية؛ إذ يتولى “نموذج التخطيط المساعد” استخراج الحقائق الأساسية ذات الصلة بالادعاء من الأدلة المتاحة وإعداد مخطط أولي للمقال، بينما يتولى “نموذج الكتابة المساعد” صياغة المسودة، ثم يراجعها “نموذج التحرير المساعد” ويقوم بتحسينها وصقلها بالتعاون مع “نموذج الكتابة المساعد”.

ويحاكي النظام، خلال مرحلة التحرير، سير العمل التحريري عبر حوار تفاعلي قائم على أسئلة وأجوبة بين كل من “نموذج الكتابة المساعد” و”نموذج التحرير المساعد”، ما ينتج قائمة بالملاحظات التحريرية قبل تنقيح المسودة للوصول إلى مستوى أعلى من جودة “نموذج الكتابة المساعد”. كما زوّد الباحثون النظام بالتفضيلات التي استخلصوها من مقابلاتهم مع مدققي الحقائق، في صورة تعليمات موجهة (Instruction Prompt)، لتوجيه نظام QRAFT أثناء إنشاء مقالات التحقق من المعلومات.

اختبار أداء نظام QRAFT

قيّم الباحثون أداء النظام الجديد بطريقتين – الأولى باستخدام مؤشرات آلية متعارف عليها لقياس جودة النصوص التي تنتجها النماذج اللغوية، والثانية عبر تقييم بشري أجراه مدققو حقائق محترفون، تولوا مراجعة المقالات وتقييم جودتها.

وقد لوحظ، خلال الاختبارات الآلية، تفوق نظام QRAFT على الأنظمة الأخرى التي شملتها الدراسة، ومن بينها “نموذج ذكاء اصطناعي فاعل” لتوليد النصوص الطويلة يعرف باسم Storm، إضافة إلى نموذج GPT-4o-mini الذي طُلب منه كتابة مقال كامل في خطوة واحدة، وهو النهج الذي أطلق عليه الباحثون اسم Vanilla-GPT.

كما سجل نظام QRAFT أعلى درجات الدقة الواقعية، وكان الأقل إنتاجاً للاستشهادات المرجعية المختلقة، وهي إحدى المشكلات التي أشار إليها مدققو الحقائق خلال المقابلات بوصفها سبباً رئيساً لترددهم في الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعي. كما استفاد النظام أيضاً بصورة أشمل من المواد المصدرية، إذ استند إلى أكثر من 90% من الأدلة المتاحة في مقالاته، مقارنة بنحو 30% فقط لدى Vanilla-GPT.

أما في ما يتعلق بتقييمات مدققي الحقائق المحترفين، فاستندت إلى مقارنة بين مقالات أعدتها الأنظمة الثلاثة – QRAFT وStorm وVanilla-GPT – وأخرى كتبها مدققو حقائق محترفون حول 12 ادعاءً يتعلق بتغير المناخ. ولأغراض مخرجات هذه المقارنة، عرض الباحثون جميع المقالات المنتجة على مجموعة من الخبراء من دون الكشف عن هوية كاتب كل مقال، وطلبوا منهم تقييم جودتها وترتيبها بحسب مدى جاهزيتها للنشر.

وجاءت المقالات التي كتبها الخبراء في المرتبة الأولى، بينما حل QRAFT في المركز الثاني. ورغم هذا الأداء الجيد نسبيا، أشار مدققو الحقائق إلى أن مقالات النظام الذي تم تطويره ما زالت تحتاج إلى تعديلات جوهرية قبل أن تصبح جاهزة للنشر. كما أوضحت الدراسة أن نتائج تقييم المدققين المهنيين تكشف عن قيود مهمة في الأطر المعتمدة على النماذج اللغوية الكبيرة لإنتاج مقالات التحقق، مما يؤكد الحاجة إلى إشراف مستمر من الخبراء.

لفت المدققون أيضاً إلى عدد من أوجه القصور في الأنظمة المدروسة؛ ففي بعض الحالات، تضمنت المقالات التي أنتجها كل من QRAFT وStorm تفاصيل إضافية لا ترتبط مباشرة بتقييم صحة الادعاء، وفي حالات أخرى، عرض QRAFT معلومات ذات صلة، لكنه لم يوضح بصورة كافية كيف تدعم هذه المعلومات أو تنفي صحة الادعاء.

ويرى ساهنان أن الفجوة بين نتائج التقييم الآلي والبشري قد تعود إلى أن مؤشرات تقييم النصوص الطويلة المتوافرة حالياً لا تعكس بصورة كافية كيفية استخدام هذه النصوص في الواقع العملي، كما أنها قد لا تراعي تفضيلات مدققي الحقائق وأساليبهم التحريرية؛ وعن هذه الفجوة يبين ساهنان أن “التقييم الآلي يركز على مدى تطابق المعلومات الواردة في المقال مع النص المرجعي، بينما ينظر المقيمون المهنيون إلى اعتبارات أخرى أيضاً”.

أوضح الخبراء كذلك أن الاعتماد على مقال مكتوب بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي لا يوفر الوقت بالقدر الذي قد يبدو الأمر عليه، لأن مدقق الحقائق سيظل مضطراً إلى مراجعة كل حجة ومقارنتها بالمصادر المشار إليها؛ وبذلك، قد تستغرق مراجعة مسودة أنشأها الذكاء الاصطناعي وقتاً يقترب من الوقت اللازم لكتابة مقال جديد من البداية. وقد أشار المدققون، رغم هذا القصور، إلى أن المسودات التي ينتجها النظام توفر أفكاراً مفيدة تتعلق ببنية المقال وتنظيمه.

نحو تحكم أكثر فاعلية

وتكمن أهمية المشروع – بالنسبة إلى ساهنان – في الدروس التي كشفها بقدر ما تكمن في النتائج التي حققها؛ فقد أظهرت الدراسة مدى تعقيد إنتاج نصوص طويلة وعالية الجودة باستخدام النماذج اللغوية الكبيرة، كما أكدت أن تصميم أدوات الذكاء الاصطناعي يصبح أكثر فاعلية عندما يبدأ بفهم احتياجات الخبراء وإشراكهم في عملية التطوير – وعن أهمية إشراك الخبراء المتخصصين يقول ساهنان: “بصفتنا مهندسي ذكاء اصطناعي، قد نعتقد أن ما نطوره سيكون مفيداً للناس، لكن هذا ليس صحيحاً دائماً ولا ينبغي لنا أن نفترض مسبقاً ما يحتاج إليه الخبراء”.

ويضيف أن المرحلة المقبلة ينبغي أن تركز على بناء علاقة تشاركية أكثر بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بحيث تمنح الأدوات المستخدمين قدراً أكبر من التحكم، وتكون قادرة على تفسير خطواتها وشرح المنطق الذي تستند إليه في الوصول إلى استنتاجاتها. وتشير نتائج الدراسة إلى أن مستقبل التحقق من المعلومات قد لا يعتمد على أنظمة تستبدل الخبراء، بل على أدوات ذكية تعزز قدراتهم، وتساعدهم على مواكبة التدفق المتزايد للمعلومات، مع الحفاظ على الدقة والشفافية والثقة التي ما تزال تشكل جوهر العمل المهني في التحقق من المعلومات.