العلامات المائية المخفية MBZUAI

دراسة حديثة تكشف ثغرة جوهرية في أبرز أدوات التحقق من الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي

الاثنين، 01 يونيو 2026

في مشهد يبدو عادياً للوهلة الأولى، تظهر صورة لراعي بقر وسط الطبيعة في سهول الغرب الأوسط الأميركي وإلى جانبها ست نسخ تكاد تتطابق معها تماماً؛ إلا أن لكل نسخة قصة مختلفة، إذ خضعت كل واحدة منها للمعالجة بواسطة خوارزمية صُممت خصيصاً لإزالة العلامة المائية المخفية داخل الصورة الأصلية.

خمس من تلك النسخ يظهر عليها بوضوح آثار المعالجة؛ فإحداها باهتة الألوان، وأخرى مشوشة قليلاً، والثالثة مضغوطة لدرجة فقدت معها الصورة تفاصيلها فيما النسخة السادسة تبدو عالية الدقة ولا يمكن تمييزها عن الصورة الأصلية بالعين المجردة – والأهم من هذا وذاك أنها لم تعد تحمل العلامة المائية المخفية التي كان يُفترض أن تثبت أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي.

يقف وراء هذا الإنجاز نظام جديد يُدعى RAVEN”، طوّره باحثون من “جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي” بالتعاون مع “جامعة ولاية ميشيغان”. ويرى الفريق البحثي بعد هذا الإنجاز أن ما حققته التقنية لا يمثل مجرد تطوير لأساليب إزالة العلامات المائية المخفية، بل يكشف عن تغرث تنسف افتراضاً أساسياً تعتمد عليه معظم النظم التي تولد هذه العلامات المائية المخفية.

نظم توليد العلامات المائية المخفية

تكمن أهمية هذا الاكتشاف في طبيعة العلامات المائية المخفية نفسها؛ فأنظمة مثل SynthID لا تضيف شعاراً أو توقيعاً غير مرئي إلى الصورة المولدة بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل تجري تعديلات إحصائية دقيقة على وحدات البكسل أو على التمثيل الخفي للصورة، بحيث يمكن لاحقاً لخوارزمية متخصصة اكتشاف هذه الإشارة إذا بحثت عنها في المكان الصحيح في الصورة.

تكمن قوة هذه النظم التي تضيف هذه العلامات في جعل الصور قادرة على الصمود في وجه ما قد تتعرض له من تعديلات أثناء تداولها عبر الإنترنت – من قبيل عمليات الضغط، أو القص، أو التشويش، أو تغيير الألوان ما جعلها أداة مهمة وأساسية تستند عليها الجهود التنظيمية الرامية إلى التمييز بين المحتوى الأصيل والمحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي. كما أن الإرشادات المرتبطة بالمادة 50 من قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي شجعت مزودي النماذج الكبرى على تبني هذه التقنيات على نطاق واسع.

غير أنه – رغم ما تحظى به هذه النظم من زخم – تمكن فريق RAVENمن ملاحظة جانب لم يحظ بالاهتمام الكافي؛ فجميع اختبارات المتانة [robustness] تقريباً تفترض أن الصورة نفسها تبقى، وأن ما يتغير هو بعض خصائصها التقنية فقط. لكن ماذا لو لم تُعدَّل الصورة الأصلية مباشرة، وتم إنشاء صورة جديدة للمشهد نفسه؟

إعادة تصوير المشهد

في الورقة البحثية التي قُدمت خلال مؤتمر الرؤية الحاسوبية والتعرف على الأنماط “CVPR 2026” في مدينة دنفر الأميركية، تناول الباحثون فكرة إعادة “تصوير” المشهد ذاته من زاوية مختلفة بقليل.

والنتيجة ليست مشهداً جديداً، بل المشهد ذاته تقريباً من حيث الموضوع، والإضاءة، والتكوين البصري، مع اختلاف بسيط للغاية في زاوية الرؤية لا يتجاوز بضع سنتيمترات افتراضية يكاد يكون بسببها الفرق معدوماً بالنسبة للعين المجردة؛ لكن بالنسبة لكواشف العلامات المائية المخفية، فإن النمط المكاني الذي تبحث عنه يصبح مشوشاً بالكامل، لأن الإشارة المبحوث عنها التي كانت مرتبطة بمواقع محددة داخل الصورة لم تعد تحتوي على المحتوى نفسه بعد هذا التحول الضئيل في المنظور.

وتعتمد أداة RAVEN” على نموذج انتشار (Diffusion Model) مدرب مسبقاً ومخصص لتحويل الصور إلى صور أخرى، وهو نوع من النماذج أصبح يشكل بنية أساسية في كثير من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتبدأ العملية بإخضاع الصورة الحاملة للعلامة المائية المخفية للمعالجة بواسطة النموذج حتى تتحول جزئياً إلى تمثيل كامن ضبابي يحتفظ ببنية المشهد الأساسية.

يقوم الباحثون – بعد هذه الخطوة – بتطبيق إزاحة هندسية صغيرة داخل هذا الحيز غير الظاهر، بما يشبه تحريك كاميرا افتراضية بضع عشرات من وحدات البكسل على خط مائل. ثم يُترك النموذج ليستكمل عملية إعادة بناء الصورة من جديد.

هندسة ذكية

ولو توقفت العملية عند هذه الخطوة، فستظهر صورة للمشهد نفسه مع بعض الانحرافات الطفيفة في الألوان والتفاصيل الناتجة عن عملية إعادة التوليد. ولمعالجة هذا الأمر، أضاف الباحثون طبقة إضافية إلى آلية الانتباه داخل النموذج، تفرض على عملية إعادة البناء الرجوع باستمرار إلى الصورة الأصلية ومقارنة ما يتم توليده بها.

أطلق الفريق على هذه التقنية اسم “الانتباه الموجَّه بالتطابق البصري” View-Guided Correspondence Attention”. وتتمثل وظيفة هذه التقنية في تثبيت عناصر الهوية البصرية والألوان المرتبطة بالمشهد الأصلي وعناصره، مع السماح بتغيير هندسي محدود يكفي لتعطيل العلامة المائية المخفية دون التأثير على الجودة البصرية للصورة.

وفي الخطوة الأخيرة، تُنقل خصائص اللون والتباين من الصورة الأصلية إلى النسخة الجديدة داخل فضاء لوني إدراكي، الأمر الذي يساعد على معالجة أي فروقات متبقية من دون العلامة الرقمية المحذوفة.

نتائج غير متوقعة

قام الباحثون باختبار تقنية أو نظام “RAVEN”على 15 نظاماً مختلفاً لكشف العلامات المائية المخفية بما فيها أنظمة تحظى بانتشار واسع في أوساط الأبحاث الأكاديمية والتطبيقات العملية – مثل Tree-Ring وStable Signature وGaussian وShading وStegaStamp.

لقد أظهرت النتائج تراجع معدلات كشف هذه الأنظمة للعلامات المائية المخفية إلى مستويات تقترب من حدود التخمين الإحصائي العشوائي. ففي العلامات المائية المخفية المدمجة أثناء عملية التوليد نفسها، انخفضت نسب الكشف من مستويات شبه كاملة إلى نحو 2% فقط في المتوسط.

أما في الأنظمة التي تعتمد على تضمين سلاسل من البيانات الثنائية داخل الصور بعد إنشائها، فقد أصبحت “البيتات” (Bitstream) المستخرجة أقرب إلى نتيجة عشوائية بنسبة 50% مقابل 50%، وهي النتيجة المتوقعة عند محاولة قراءة معلومات مشوشة غير منظمة.

كما تفوق “RAVEN”على أقرب منافسيه، وهو نظام “UnMarker” فبينما يحتاج الأخير إلى نحو خمس دقائق من عمليات التحسين الحسابي لكل صورة ويترك آثاراً بصرية يمكن ملاحظتها عبر مؤشرات جودة الصورة، ينجز “RAVEN” مهمته خلال نحو ست ثوانٍ فقط لكل صورة، مع الحفاظ على مستوى عالٍ من الدقة البصرية للصورة الأصلية.

تداعيات تتجاوز النماذج الحالية

تتجاوز تداعيات هذه النتائج حدود الجوانب التقنية البحتة؛ فمن ناحية أولى، تكشف الدراسة أن عدداً من أنظمة توليد العلامات المائية المخفية المستخدمة تجارياً أو المصنفة ضمن أحدث ما توصلت إليه الأبحاث الأكاديمية يمكن تجاوزها باستخدام نموذج انتشار متاح للعامة وبضع ثوانٍ كافية لتحقيق ذلك.

واللافت أن نظم مثل “RAVEN” لا تحتاج إلى الوصول إلى كاشف العلامة الرقمية، ولا إلى معرفة نوع النظام المستخدم، ولا إلى بيانات تدريب متطابقة، ولا حتى إلى معلمات النماذج الأصلية. ويصف الباحثون هذا السيناريو بأنه نموذج هجوم من دون صندوق No-Box”*، أي أن قدرات المهاجم أكبر بكثير مما تفترضه معظم استراتيجيات الحماية الحالية.

أما التداعيات الأوسع فتتعلق بإعادة تعريف مفهوم “المتانة” نفسه في عالم العلامات الرقمية. فعلى مدى سنوات، اعتمدت الأبحاث على مجموعة ثابتة من الاختبارات تشمل الضغط، والقص، والتمويه، والضوضاء، وتعديل التباين. لكن دراسة موضوع هذا المقال تشير إلى أن المشكلة الحقيقية قد لا تكمن في قدرة العلامة المائية على الصمود أمام التعديلات التي تطال البكسلات مباشرة، بل في قدرتها على البقاء عندما يُعاد توليد المحتوى نفسه مع الحفاظ على معناه ومضمونه البصري، بينما يُعاد تشكيل كل تفاصيله التقنية. وقد تكون تقنية توليد زوايا رؤية جديدة إحدى وسائل تحقيق ذلك، لكنها على الأرجح ليست الوسيلة الوحيدة.

فجوة بين الطموح التنظيمي والواقع التقني

لا يذهب الباحثون إلى حد القول بفشل أو عجز العلامات المائية الرقمية بشكل كامل، غير أن نتائجهم تطرح تساؤلات جوهرية في وقت تبني فيه الحكومات والهيئات التنظيمية أطرها المستقبلية على افتراض أن هذه العلامات تشكل دليلاً موثوقاً على مصدر المحتوى الرقمي؛ فإذا كان بمقدور باحث أو طالب دراسات عليا يمتلك بطاقة رسومية واحدة إزالة تلك العلامات خلال ثوانٍ معدودة من دون التأثير في جودة الصورة، فإن الفجوة بين ما تفترضه السياسات العامة وما توفره التكنولوجيا فعلياً تبدو أوسع بكثير مما توحي به الوثائق التنظيمية الحالية.

ويبقى السؤال المطروح أمام مطوري هذه الأنظمة: هل ستنجح الأجيال المقبلة من العلامات المائية في مقاومة أساليب “إعادة أخذ العينات الدلالية” للمحتوى، أم أن سباقاً جديداً بين أدوات الحماية ووسائل التحايل قد بدأ بالفعل؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد مستقبل الثقة في المحتوى المُنتج بالذكاء الاصطناعي خلال السنوات المقبلة.

*نموذج هجوم من دون صندوق No-Box”: هجوم يتم دون أي إمكانية للوصول إلى النظام أو التفاعل معه أو معرفة تفاصيله.

أخبار ذات صلة

thumbnail
الاثنين، 18 مايو 2026

إنجاز علمي يعيد تعريف فهم العلاقات السببية ويكشف ما تخفيه البيانات

كشف العلاقة السببية: دراسة حديثة تقدم خوارزمية متطورة لتحليل المتغيرات الكامنة وفهم العلاقات السببية المعقدة دون الاعتماد.....

  1. البحوث ,
  2. المؤتمرات ,
  3. تعلّم الآلة ,
  4. ICLR ,
  5. كشف العلاقة السببية ,
اقرأ المزيد