الذكاء الاصطناعي والفن: مناظرة حول مستقبل الإبداع - MBZUAI MBZUAI

الذكاء الاصطناعي والفن: مناظرة حول مستقبل الإبداع

الأربعاء، 06 مايو 2026

ماذا يحدث للفن، وماذا يحدث لنا نحن أيضاً، عندما تبدأ الآلات في الإبداع؟
كان هذا السؤال محور “المناظرة الكبرى بين الذكاء الاصطناعي والفنون”، التي نظمتها “الأكاديمية” التابعة لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في متحف زايد الوطني، وجمعت فنانين وباحثين وقيّمين فنيين وخبراء تقنيين في أمسية حافلة بالنقاشات حول العلاقة المتشابكة بين الإبداع والتقنيات الحاسوبية.
وشهد الحدث حضور نحو 140 مشاركاً، وهدف إلى استكشاف الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي تشكيل معنى الفن وطرق إنتاجه ومستقبله.
وفي افتتاح الأمسية، دعت سبرينغ فو، المدير التنفيذي لـ “الأكاديمية” في الجامعة، الحضور إلى التفكير فيما هو أبعد من التكنولوجيا نفسها، والتأمل في الأسئلة الأعمق التي تطرحها هذه التحولات.
وقالت: “ما الذي تظنون أنه يروي قصة عصرنا؟”
مشيرةً إلى أن الإجابة تختلف باختلاف الخلفية والمنظور.
وأضافت: “إذا كنتم تعملون في بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي أو دراستها، فقد يبدو هذا سؤالاً أخلاقياً… أما إذا كنتم فنانين، فقد يكون سؤالاً وجودياً، ولهذا، فإن نقاش الليلة لا يدور حول الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة، بل حول هويتنا نحن، عندما تصبح الأدوات نفسها قادرة على تغيير كل شيء”.
وأدار الجلسة عبد الله عليم، رئيس قسم التفاعل المجتمعي في “الأكاديمية”، وشارك فيها أربعة متحدثين هم:
الدكتور أحمد العطار، كبير مهندسي الروبوتات في مختبرات دبي للمستقبل وزميل الفنون في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي؛
البروفيسور سيزاري ستيفانيني، أستاذ الروبوتات في الجامعة؛
نور المهيري، القيّمة الفنية في مؤسسة الثقافة؛
والبروفيسور أوليفييه أولييه، أستاذ ممارس في التفاعل بين الإنسان والحاسوب في الجامعة.
كما شهد الحدث حضور عدد من الشخصيات البارزة، من بينهم معالي سعيد الفلاسي، المدير التنفيذي لقطاع الشؤون الاستراتيجية في دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، والمخرج السينمائي العالمي شيخار كابور.

ما معنى الفن في عصر الذكاء الاصطناعي؟
صُممت المناظرة بحيث يتبنى المشاركون مواقف مؤيدة أو معارضة بغض النظر عن آرائهم الشخصية، بهدف دفع النقاش إلى ما هو أبعد من المواقف المسبقة وتشجيع الجميع على التفكير من زوايا مختلفة.
وكان السؤال الأول المطروح: هل يُعد الفن الذي ينتجه الذكاء الاصطناعي فناً حقيقياً؟
بالنسبة للبروفيسور ستيفانيني، جاءت الإجابة حذرة لكنها منفتحة: “يمكن أن يكون كذلك… ليس بمفرده، لكنه قد يصبح فناً”.
وشبّه ذلك بتحولات تقنية سابقة شهدها تاريخ الفن، مضيفاً: “لقد رأينا شيئاً مشابهاً مع التصوير الفوتوغرافي… وحتى مع الموسيقى الإلكترونية. وفي النهاية أصبحت هذه الوسائط أدوات فنية قوية. لكن يبقى على الفنان أن يضع رؤيته وروحه داخل هذه الأدوات”.
كما أشار إلى الإمكانات غير المسبوقة التي يتيحها الذكاء الاصطناعي للفنانين:
“ما نمتلكه اليوم هو أرشيف حي غير مسبوق. يستطيع الفنان أن يسأل الذكاء الاصطناعي، فتجيبه أصوات كبار المبدعين من الماضي”.
أما أحمد العطار، فاعتبر أن الذكاء الاصطناعي يمثل امتداداً طبيعياً لمسار تطور الفن عبر التاريخ.
وقال: “أؤمن بأن الذكاء الاصطناعي التوليدي جزء من الامتداد التاريخي للفن. فعندما ظهرت الفرشاة، ثم الكاميرا لاحقاً، تساءل الناس أيضاً: هل هذا فن حقاً؟”
وبرأيه، فإن جوهر الفن يكمن في الفكرة الإنسانية ذاتها: “الفكرة ستظل دائماً نابعة من الإنسان… ولذلك يبقى ما ينتجه فناً”.
في المقابل، قدّمت نور المهيري طرحاً مختلفاً ركز على “عملية الخلق” لا النتيجة النهائية فقط.
وقالت: “الفن هو الحاجة إلى أن يُسمَع صوتك، وأن تجلس داخل المجهول وتحاول أن تصنع منه شيئاً”.
وأضافت: “لكن عندما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المعادلة، فإنك تتنازل عن جزء أساسي من عملية الإبداع للآلة. صحيح أن الإنسان حاضر في البداية والنهاية، لكن ما يحدث في المنتصف مهم للغاية، لأن عملية الصنع نفسها هي المكان الذي يولد فيه الفن”.
أما البروفيسور أوليفييه أولييه، فتناول القضية من منظور علم الأعصاب والتجربة الإنسانية.
وقال: “الفن ليس مجرد معلومات، بل هو تجسيد حي لتجاربنا البشرية، والطريقة التي نعبر بها عن تاريخنا الفردي”.
وأضاف: “لا يمكنك أن تطلب من نموذج ذكاء اصطناعي أن يولّد الطرب… الطرب يُكتسب بالتجربة. القصيدة جرح يسمح للضوء بالدخول. وحتى الآن، لا تمتلك الخوارزميات جروحاً”.
هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي الفنان؟
إذا كان السؤال الأول يناقش تعريف الفن، فإن السؤال الثاني انتقل إلى مستقبله: هل سيستبدل الذكاء الاصطناعي الفنان البشري أو يهدد وجوده؟
رفض ستيفانيني فكرة “الاستبدال” بشكل قاطع، قائلاً: “الفن لا يقتصر على إنتاج الصور أو الكلمات أو الأصوات، بل يتعلق بتجربة الحياة ونقل هذه التجربة إلى الآخرين”.
وأضاف: “الحياة تتضمن المشاعر والمعاناة والانفعالات… والذكاء الاصطناعي لا يعيش”.
أما أحمد العطار، فرأى أن الذكاء الاصطناعي يمثل تطوراً في أدوات الفن وليس تهديداً له.
وقال: “لن يستبدل الفن أو الفنانين، بل سيكمل دورهم”.
وأضاف: “بدلاً من التركيز على الإنتاج فقط، يمكن للفنانين أن يتحولوا أكثر نحو دور رواة القصص”.
لكن نور المهيري فرّقت بين بقاء الفن وبقاء الفنان كمهنة. وقالت: “الذكاء الاصطناعي لن يقضي على الفنان، لكنه قد يضر بالمهنة وبالعملية الإبداعية نفسها”.
وأضافت: “ما قد يختفي هو النموذج التقليدي للفنان المحترف الذي يعتمد على ممارسته الفنية كمصدر دخل”.
من جهته، رأى أولييه أن السرعة والطابع الفوري الذي تتيحه أدوات الذكاء الاصطناعي قد يؤديان إلى تآكل مفهوم “الإتقان”.
وقال: “الإتقان ليس شيئاً يحدث بضغطة زر… بل يحتاج إلى وقت وجهد وإلهام”.
هل يجعل الذكاء الاصطناعي الفن أكثر إتاحةً للجميع أم يفرغه من قيمته الفنية؟
تناول السؤال الأخير قضية الوصول والإتاحة: هل يسهم الذكاء الاصطناعي في دمقرطة الفن أم في إفراغه من قيمته؟
بالنسبة لستيفانيني، كانت الإجابة واضحة: “سيؤدي إلى توسيع الوصول إلى الفن أمام جمهور أوسع”.
وأشار إلى تطبيقات قد تجعل الفن أكثر شمولاً، بما في ذلك للأشخاص أصحاب الهمم.
واتفق العطار مع هذا الطرح، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي يخفف الحواجز التي كانت تحدّ تقليدياً من المشاركة في الفنون.
وقال: “إذا أردت أن تصبح رساماً، كنت تحتاج إلى سنوات من التدريب. أما اليوم، فقد أزال الذكاء الاصطناعي كثيراً من العوائق، وأصبح بإمكان الناس الدخول مباشرة إلى عملية الإبداع”.
لكنه رأي لم توافق عليه نور المهيري بالكامل.
وقالت: “توسيع الوصول إلى الفن لا يعني بالضرورة تحقيق مساواة حقيقية في فرص الإبداع والتأثير”.
وأضافت: “الإنتاج الضخم أتاح المنتجات للجميع، لكنه في الوقت نفسه عمّق الفجوات الطبقية”.
وحذّرت من أن الذكاء الاصطناعي قد يحوّل الإبداع إلى صناعة جماهيرية سريعة تشبه “الموضة السريعة”، بما يؤدي إلى ثقافة استهلاكية للفن.
أما أولييه، فميّز بين الوفرة والمعنى.
وقال: “نعم، لدينا اليوم محتوى أكثر بكثير… لكن هناك فرقاً بين الإنتاج الجماهيري والاستهلاك الجماهيري من جهة، وبين الحِرفية التي يصنع بها المبدعون الحقيقيون أعمالهم”.
وأضاف: “الوصول إلى الفن ليس سوى الخطوة الأولى”.
ما بعد المناظرة
على امتداد الأمسية، أظهرت استطلاعات الرأي الحية بين الحضور مدى تعقيد القضية؛ إذ انتقلت الآراء من أغلبية بسيطة ترى أن الفن المُولّد بالذكاء الاصطناعي يمكن اعتباره “فناً حقيقياً”، إلى انقسام متساوٍ حول ما إذا كان يشكل تهديداً للفنانين، ثم عادت لترجّح إمكاناته في توسيع الوصول إلى الفن.
لكن الهدف من المناظرة لم يكن الوصول إلى إجابة نهائية أو إعلان “فائز”، بقدر ما هو الكشف عن تعقيدات المسألة وطبقاتها المختلفة.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة للإبداع، وفي الوقت نفسه قوة تعيد تشكيله؛ ويمكن أن يوسع فرص الوصول، لكنه قد يخلق أيضاً أشكالاً جديدة من التفاوت؛ وقد يكون شريكاً للفنان، كما يمكن أن يصبح عاملاً مقلقاً ومربكاً للمشهد الإبداعي.
وفي النهاية، أظهرت الأمسية أن الذكاء الاصطناعي — مثل كل تحول تقني كبير سبقه — يعيد تعريف الفن بصورة مستمرة، ويؤكد أهمية وجود مساحات مفتوحة للنقاش والتساؤل والتفكير الجماعي.
وربما، كما أشارت سبرينغ فو في بداية الأمسية، فإن السؤال الحقيقي ليس ما الذي سيفعله الذكاء الاصطناعي بالفن، بل ما الذي يكشفه هذا التحول عنّا نحن… وكيف سنختار التعامل معه.