رغم القفزات النوعية التي حققها الذكاء الاصطناعي في استخلاص الأنماط من كميات هائلة من البيانات، إلا أن قدرته ما تزال محدودة عندما يتعلق الأمر بفهم المشاعر الإنسانية وتعقيداتها.
لم تشكل هذه الإشكالية مجرد نقاش نظري بالنسبة لأيجيريم جماباييفا، إحدى خريجات الدفعة الأولى لعام 2022 من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بل يمثل محور مسيرتها. فبعد أن تلقت تدريباً أكاديمياً في الرياضيات والمالية وتعلّم الآلة، اختارت أن تسلك مساراً مختلفاً كمعالجة نفسية، وكرّست جهودها لتعزيز الوعي بالصحة النفسية، مع الاستمرار في بحث نقاط التلاقي بين التكنولوجيا والذكاء الإنساني.
مسيرة جماباييفا لم تكن تقليدية، حيث إنها تنقلت بين مجالات متعددة من الخدمات المصرفية الاستثمارية إلى أبحاث الذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى العمل العلاجي. غير أن هذه التحولات – على تنوعها – تتقاطع جميعها عند مفهوم محوري واحد وهو: “الأنماط”.
وتوضح في هذا السياق أن “الذكاء الاصطناعي يحلل الأنماط في البيانات، بينما العلاج النفسي يحلل الأنماط في المشاعر والسلوك”.
تنحدر جماباييفا من كازاخستان، حيث بدأت مسيرتها بشغف عميق بالرياضيات؛ هذا العلم الذي يشكل الأساس والإطار المنطقي الذي تقوم عليه علوم وتقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة.
حصلت جماباييفا على بكالوريوس الرياضيات من جامعة لومونوسوف الحكومية في موسكُو، قبل أن تتجه إلى عالم المال وتحصل على ماجستير العلوم المالية من جامعة جنوب فلوريدا في الولايات المتحدة.
عقب تخرجها، خاضت تجارب مهنية متنوعة، شملت العمل في الخدمات المصرفية الاستثمارية، ثم في صندوق الثروة السيادية في كازاخستان كمديرة مخاطر، وفي التحقق من المخاطر لدى “كريدي سويس” في بولندا.
وقد أتاح لها عملها في التحقق من مخاطر النماذج الاطلاع على الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي في النمذجة المالية – وعن هذا الدور توضح جماباييفا أنه “كلما ازدادت البيانات تعقيداً، احتجنا إلى أدوات أفضل لفهمها”.
وفي السياق يذكر أن المؤسسات المالية تعتمد بشكل كبير على التحليل الكمي، إذ تستند نماذج المخاطر والتوقعات المالية واستراتيجيات الاستثمار إلى الأساليب الإحصائية والأدوات الحاسوبية، وهي مهارات استفادت منها جماباييفا لاحقاً في مجال تعلم الآلة.
وتضيف: ” كنت في هذه الفترة أسمع كثيراً عن نماذج الصندوق الأسود، وكنت فضولية لمعرفة ما يجري داخلها”. وقد شكل هذا الفضول نقطة التحول التي قادتها إلى الجامعة، حيث حصلت على درجة الماجستير في تعلّم الآلة مع تركيز خاص على تقنيات التحسين.
في عالم المال، يتم تشغيل النماذج ضمن منظومات أعمال تطغى عليها سمة عدم اليقين، وغالباً ما تُتخذ القرارات بناءً على معلومات غير مكتملة. ويواجه تعلم الآلة تحديات مشابهة، إذ نادراً ما تكون البيانات في الواقع مثالية؛ فقد تكون ناقصة أو تحتوي على أخطاء، كما يمكن للأنماط أن تتغير بمرور الوقت – ولذا فإن التعامل مع هذه الحقائق يُعد أمراً أساسياً لبناء أنظمة ذكاء اصطناعي موثوقة.
وتؤكد جماباييفا، في السياق، أن خلفيتها في الرياضيات والمالية ما تزال تلعب دوراً محورياً في عملها، مشيرة إلى تجربتها في الجامعة، حيث عملت على مدى سنتين على أحد أكثر التحديات التي لا يَلتفِت إليها كثيرون في تعلم الآلة – وهي: “البيانات المشوشة”.
وقد ركزت أطروحتها على تطوير أساليب تمكّن أنظمة تعلم الآلة من التعلم بفعالية حتى عند احتواء بيانات التدريب على أخطاء.
يذكر أن جماباييفا، بعد تخرجها، واصلت العمل في الجامعة كمساعد باحث. كما أنها تعمل في معهد العلاج النفسي متعدد الوسائط، حيث تساعد المراجعين على تحسين صحتهم النفسية وتعزيز إدراكهم الذاتي عبر مقاربات إبداعية قائمة على الأدلة.
يُعدّ التساؤل عما إذا كان بإمكان الآلات فهم المشاعر الإنسانية فهماً حقيقياً من أكثر الأسئلة إلحاحاً في عصر الذكاء الاصطناعي – وعن هذا التساؤل تقدّم جماباييفا إجابة متوازنة وتوضح “يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقرّ بمشاعرنا ويعكسها، لكن هل يفهمنا بشكل كامل؟ – شخصياً، لا أعتقد ذلك”
وتتابع شارحة أن النماذج اللغوية الكبيرة رغم قدرتها على إنتاج استجابات تبدو منسجمة مع توقعات المستخدمين لأنها تعتمد على كميات ضخمة من بيانات التواصل البشري، إلا أن ذلك لا يعني امتلاكها فهماً عاطفياً حقيقياً لمشاعر الإنسان. وتضيف: “إن الأمر أشبه بعملية انعكاس؛ فالأنظمة تستند إلى بيانات ضخمة من التفاعلات البشرية، ومن هنا يأتي هذا التشابه”.
وبعبارة أخرى، لا يعيش الذكاء الاصطناعي المشاعر، بل يعيد إنتاج أنماط السلوك الإنساني كما رُصدت في البيانات ما يشكل فرقا جوهريا، ترى جماباييفا أنه لا يمكن تجاهله عند تقييم قدرات هذه التقنيات.
وتؤكد، في السياق، أن الفهم الحقيقي للعاطفة يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتجربة الحياتية والذاكرة الشعورية، وهما عنصران ما تزال الآلات تفتقر إليهما. وتختتم بقولها إن “المشاعر والعاطف يتشكلان عبر التجارب الحياتية والذاكرة العاطفية، وهذه أمور لا تمتلكها نماذج الذكاء الاصطناعي”.
في وقت تتزايد فيه الاعتمادية على أدوات الذكاء الاصطناعي لتقديم الدعم والتوجيه، تؤكد جماباييفا أن هذه التقنيات، مهما بلغت من تطور، لا يمكن أن تحل محل جوهر العلاقة الإنسانية التي يقوم عليها العلاج النفسي.
وتوضح قائلة: “تنشأ الصدمات النفسية غالباً في سياق التفاعل بين البشر، وبالتالي فإن التعافي ينبغي أن يحدث أيضاً من خلال تواصل علاجي حقيقي وهادف”. ويسلّط هذا المنظور الضوء على أهمية البعد الإنساني في عملية الشفاء، والذي يتجاوز حدود الاستجابة الآلية أو النصائح العامة.
فالعلاقة بين المعالج والمراجع تتيح قراءة دقيقة للفروق الفردية والتفاصيل الدقيقة في التجربة الإنسانية، كما تمكّن المختص من مواجهة أنماط التفكير السلبية وتحديها، وتقديم تعاطف يستند إلى خبرة واقعية ومعايشة إنسانية؛ في المقابل، تميل أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى إعطاء الأولوية لإرضاء المستخدم.
وتشير جماباييفا إلى هذه الإشكالية بقولها: “تم تصميم هذه النماذج لتحقيق رضا المستخدم، ولذلك تميل غالباً إلى موافقته”؛ غير أن هذا الميل قد يتحول إلى نقطة ضعف، خاصة إذا كان المستخدم يبحث عن تبرير لسلوكيات أو قناعات ضارة.
وهنا يتجلى الفارق الجوهري في دور المعالج النفسي، الذي لا يكتفي بالموافقة أو التعاطف السطحي، بل يتدخل أحياناً لتصحيح المسار – وتضيف: “نحن نتحدى المرضى أحياناً، ونساعدهم على تقييم ما إذا كانت سلوكياتهم أو نواياهم صحية أم لا”.
رغم انتقالها إلى مجال الصحة النفسية، ترى جماباييفا أن القواسم المشتركة بين أبحاث الذكاء الاصطناعي والعلاج النفسي أعمق مما قد يبدو الأمر عليه للوهلة الأولى، حيث يقوم كلا المجالين على فهم الأنماط والتعلّم التدريجي عبر التكرار.
وتوضح: “في الذكاء الاصطناعي، نقوم بتدريب النماذج عبر مراحل متكررة، نعيد ضبطها وتحسينها مرة تلو الأخرى” – وهذه الآلية، بحسب جماباييفا، لا تختلف كثيراً عن مسار التغيير الإنساني.
فالنمو الشخصي – كما تشير – لا يحدث دفعة واحدة، بل يتشكل عبر خطوات متتابعة وتراكمية – وتضيف: “في العلاج النفسي أيضاً، يتحقق التغيير عبر تكرار تدريجي – خطوة تلو الأخرى”.
ولم يقتصر تأثير تدريبها في الذكاء الاصطناعي على الجانب المعرفي فحسب، بل انعكس كذلك على نهجها كمعالجة نفسية، حيث تظل روح التساؤل والبحث عنصراً أساسياً في عملها اليومي.
وتختم بقولها: “لا يمكننا أن نعرف تماماً ما يدور في خلد كل إنسان، لذا يجب أن نحافظ دائماً على فضولنا”.
إلى جانب عملها في العلاج النفسي، تتخصص جماباييفا في العلاج بالفن، وهو نهج علاجي يعتمد على التعبير الإبداعي كوسيلة لفهم الذات واستكشاف العوالم الداخلية للإنسان.
ويتيح هذا النوع من العلاج للأفراد مساحة للتعبير عن مشاعر قد يصعب صياغتها بالكلمات، من خلال الرسم أو إنتاج تمثيلات بصرية لتجاربهم الشخصية. وهنا لا يقتصر دور المعالج على الملاحظة، بل يمتد إلى توجيه أسئلة مدروسة تساعد المراجع على تفكيك المعاني الكامنة خلف ما ينتجه من أعمال فنية.
وتوضح جماباييفا: “نحن لا نفسر الأعمال الفنية لهم، بل نساعدهم على تفسيرها بأنفسهم”. وتمنح هذه المقاربة الأفراد فرصة أعمق لاكتشاف ذواتهم، بعيداً عن الإسقاطات أو التفسيرات الجاهزة.
ومن خلال هذه العملية، يمكن الكشف عن أنماط عاطفية خفية، وفتح آفاق جديدة للفهم الذاتي. وتضيف: “إذا كانت هناك جوانب لا يدركها الشخص عن نفسه، فإن العلاج من خلال التعبير الفني يساعده على رؤيتها”.
وترى جماباييفا أن ثمة تقاطعاً لافتاً بين هذا المجال والذكاء الاصطناعي، رغم اختلاف الأدوات والغايات المباشرة، مشيرة إلى أن كليهما يسعى إلى هدف مشترك: “محاولة جعل ما هو غير مرئي مرئياً”.
تدرك جماباييفا، بحكم تجربتها الشخصية، حجم التحديات النفسية التي يواجهها الطلبة داخل البرامج الأكاديمية ذات العبء الدراسي المرتفع، حيث يتقاطع الضغط المعرفي مع التحولات الشخصية العميقة.
فخلال دراستها في الجامعة، مرت بتجربة صعبة، تصفها بقولها: “مررت بأصعب مرحلة خلال السنة الأولى”. فقد شكّل انتقالها من مجال المالية إلى تعلّم الآلة تحدياً كبيراً، تطلّب منها إتقان لغات برمجة جديدة، وفهم أطر عمل معقدة في الذكاء الاصطناعي، والتأقلم مع متطلبات البحث العلمي الصارم.
ومع تراكم هذه الضغوط الأكاديمية والشخصية، لم يكن الطريق سهلاً، إلا أن الدعم الذي تلقته من أعضاء الهيئة التدريسية وزملائها لعب دوراً حاسماً في تمكينها من الاستمرار وتجاوز تلك المرحلة.
وتشير بشكل خاص إلى مُشْرِفها الأكاديمي، البروفيسور مارتن تاكاش، الذي كان له أثر بارز في تجربتها – قائلة: “كان يتمتع بصبر كبير، وكان يعيد الشرح مراراً دون لوم أو توبيخ”. وقد أسهم هذا النوع من الدعم في خلق بيئة تعليمية آمنة ساعدتها على إتمام دراستها بنجاح.
لاحقاً، أتاحت لها هذه التجربة مساحة أوسع للتأمل في العلاقة بين الصحة النفسية والقدرة على التعلم، حيث تؤكد: “عندما يكون الإنسان تحت ضغط نفسي، يصبح من الصعب عليه استيعاب المعلومات”.
واليوم، تحرص جماباييفا على تشجيع الطلبة على بناء شبكات دعم قوية، مع تذكيرهم بأن التحديات جزء طبيعي من مسار الحياة الأكاديمية والشخصية – وتختتم قائلة: “من الطبيعي ألا تكون بخير دائماً”، معتبرة أن هذا الفهم يساعد الأفراد على النمو دون فقدان توازنهم الداخلي.
رغم تركيزها الحالي على مجال العلاج النفسي، تواصل جماباييفا استكشاف إمكانات توظيف الذكاء الاصطناعي في تطوير أدوات داعمة للصحة النفسية، في محاولة لدمج البعد التكنولوجي مع النهج الإنساني في الرعاية العلاجية.
وتعمل جماباييفا حالياً على فكرة بحثية تجمع بين الذكاء الاصطناعي وبرامج العلاج من خلال التعبير الفني، تقوم على تحليل بيانات مجهولة الهوية من جلسات العلاج، وبموافقة المشاركين، بهدف رصد أنماط سلوكية وعاطفية يمكن أن تسهم في تطوير أدوات رقمية أكثر فاعلية ودقة.
وتنطلق هذه الرؤية من هدف أساسي يتمثل في بناء أنظمة تدعم الصحة النفسية دون أن تفقد الطابع الإنساني للعلاج، بحيث تبقى التكنولوجيا عنصراً مساعداً لا بديلاً عن العلاقة العلاجية المباشرة.
وتؤكد جماباييفا هذا التوجه بقولها: “نأمل في تطوير أدوات مفيدة تكون في متناول الجميع”، في إشارة إلى أهمية إتاحة حلول الصحة النفسية على نطاق أوسع، مع الحفاظ على جودة الرعاية وعمقها الإنساني.
تجسّد رحلة جماباييفا نموذجاً متفرداً لمسار مهني وفكري يجمع بين علوم الرياضيات والمالية والذكاء الاصطناعي وعلم النفس في ممارسة واحدة تتمحور في جوهرها حول الإنسان. ورغم تنوع هذه الحقول، فإن رؤيتها تبقى واضحة وثابتة ترى من خلالها أن الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يكون أداة مساعدة، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التجربة الإنسانية بكل تعقيداتها.
ويعكس مسار جماباييفا تحوّلاً أوسع يشهده مجال الذكاء الاصطناعي عالمياً، يتمثل في إدراك متزايد بأن معالجة القضايا الإنسانية المعقدة تتطلب تفكيراً متعدد التخصصات، يدمج بين العلم والخبرة الإنسانية والمعرفة السلوكية.
وتلخّص جماباييفا هذه الفلسفة بقولها: “كل تجربة تضيف شيئا ما”، في إشارة إلى إيمانها بأن تراكم الخبرات، مهما اختلفت مجالاتها، يصب في بناء فهم أعمق للإنسان والعالم من حوله.
وبروح تعكس تقبّل الذات والاختلاف، تقول بابتسامة: “أنا لست غريبة، أنا نسخة محدودة الإصدار”. وهي عبارة تختزل رؤيتها لهويتها المهنية والشخصية بوصفها مزيجاً غير تقليدي من التجارب والتخصصات.
وفي عالم يتزايد فيه حضور الذكاء الاصطناعي في تفاصيل الحياة اليومية، تؤكد جماباييفا أن الروابط الإنسانية تظل عنصرًا لا غنى عنه، وأن فهم البشر لا يزال يحتاج إلى ما هو أبعد من الخوارزميات.
وتختتم رؤيتها بقولها: “التعاطف ينبع من التجربة الحياتية، وهذا ما يظل حكرًا على الإنسان”.
"من خلال عمله مع مستشفيات في مختلف أنحاء دولة الإمارات، يسهم خريج جامعة محمد بن زايد للذكاء.....
يوضح خريج جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كيف تحوّل تركيزه من النشر العلمي إلى إحداث أثر.....
دراسة حديثة قام بإنجازها باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع مؤسسات أخرى تلقي.....
اقرأ المزيد