أكد البروفيسور إريك زينغ، رئيس جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي والبروفيسور الجامعي، أن الثورة القادم في مجال الذكاء الاصطناعي لن تتحقق عبر توسيع نطاق نماذج الذكاء الاصطناعي الحالية، بل من خلال إعادة ابتكار هذا الذكاء ليصبح قادراً على استيعاب العالم الحقيقي وفهمه، ووضع خطط متوائمة معه، وتزويده بالقدرة على التعامل مع مستويات عالية من عدم اليقين.
وقد أتت هذه التصريحات خلال جلسة نقاشية بارزة جرت خلال فعاليات “المنتدى الاقتصادي العالمي” بدافوس، والتي جمعت نخبة من أبرز الباحثين والخبراء والمفكرين العالميين في مجال الذكاء الاصطناعي لمناقشة الخطوات المقبلة في رحلة تطوير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي.
وجاءت مداخلة البروفيسور إريك زينغ ضمن جلسة تحت عنوان “المرحلة التالية من الذكاء“، والتي تناولت مناقشة مستقبل الذكاء الاصطناعي من خلال محاولة الإجابة على سؤال: هل سيبقى تطوّر تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مدفوعاً بتوسيع نطاق نماذج الذكاء الاصطناعي أم أن التقدّم الحقيقي لهذه التقنية سيتطلب تحولات مبتكرة وأعمق في بنية النظم، وأساليب التعلّم، والقدرة على التخطيط واتخاذ القرار؟
وقد أدار الجلسة الحوارية السيد نيكولاس تومسون، الرئيس التنفيذي لمجلة “ذا أتلانتيك” بمشاركة كلٍّ من رائد التعلم العميق يوشوا بنجيو من جامعة مونتريال؛ والبروفيسورة ييجين تشوي من جامعة ستانفورد – صاحبة الإسهامات البارزة في التعلّم المستمر والاستدلال؛ والمفكر يوفال نوح هراري الذي أثارت رؤاه وتحذيراته بشأن التأثيرات الاجتماعية طويلة الأمد للذكاء الاصطناعي نقاشاً عالمياً واسعاً تجاوز حدود الأوساط الأكاديمية.

تنوّعت محاور النقاش لتشمل سلسلة واسعة من القضايا انطلاقاً من القرارات التقنية المتعلقة بتصميم الأنظمة، وصولاً إلى المخاطر الوجودية والحوكمة العالمية لهذه التكنولوجيا، مع التطرّق لموضوعات السلامة والتراصف والأسئلة الفلسفية المرتبطة بتطور الأنظمة فائقة القدرات – وقد قدّم البروفيسور زينغ، من هذا المنطلق، منظورا فريدا عبر فيه قائلاً:
“نحن في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، نعتبر من المؤسسات القليلة — وربما المؤسسة الأكاديمية الوحيدة — التي تطوّر النماذج التأسيسية بشكل كامل. وأعني بهذا أن عملية التطوير تبدأ بجمع البيانات، مروراً بتصميم الخوارزميات وبناء البنية التحتية الحاسوبية، وصولاً إلى تدريب النماذج وإطلاقها وتشغيلها. كما أنني أعتقد، في هذا الصدد، أنه من الضروري أن يكون للأكاديميين دورا مباشرا في هذا المجال، لتمكينهم من إتاحة المعرفة للعامة، ومنح الباحثين والمهتمين فرصة دراسة التفاصيل الدقيقة لعمليات بناء النماذج، وفهم القضايا المرتبطة بالسلامة والمخاطر.”
وأوضح زينغ في معرض مداخلته أيضاً – بناءً على خبرته كمطوّر وبروفيسور وباعتباره حلقة وصل بين الجمهور ومجال البحث العلمي – أن القول بأن نظم الذكاء الاصطناعي الحالية تقترب من مستوى الذكاء العام هو أمر غير واقعي. ويرى، بدلاً من ذلك، أن هذه الأنظمة ما تزال هشة إلى حد أكبر مما يعتقده الكثيرون.
ويتابع، في هذا الصدد، شارحاً أن نظم الذكاء الاصطناعي والبرمجيات في حقيقتها هشة ومعرضة للانهيار بسهولة، حيث إنها ليست قوية أو بتلك الصلابة التي يتخيلها البعض؛ فمجرد إزالة جهاز واحد من المنظومة الحاسوبية، قد يؤدي ذلك إلى تعطّل النظام بأكمله.
وأشار البروفيسور إلى أن هذا الواقع يدفعنا لإعادة التفكير في مفهوم “الذكاء” نفسه، والتعامل مع المصطلح بدقة أكبر – وأضاف: “لو طلبتُ من فريق مهندسين حاسوبيين تطوير برنامج ذكي، فلن تكون لديهم صورة واضحة عمّا أعني بذلك، لأن تعريف الذكاء يختلف من شخص لآخر – وفي تقديري، ما تنتجه النماذج اللغوية الكبيرة الآن لا يعدو أن يكون سوى شكلاً محدوداً من أشكال الذكاء الذي يمكن وصفه بأنه ذكاء قائم على النصوص أو الصور — شيء يظهر في هيئة لغة أو فيديو — وهو أقرب إلى المعرفة النظرية المكتوبة.”
ولتوضيح وجهة نظره أكثر، استشهد البروفيسور بتجربة شخصية مرّ بها مؤخراً.
وقال: “قبل أسبوعٍ فقط، كنتُ في رحلة تسلّق بجبال الألب في النمسا، اعتمدتُ فيها على GPT وخرائط Google وكل ما توفر لي من أدلّة السفر. لكنني سرعان ما اكتشفت أن خوض تجربة المشي في الجبال أصعب مما يبدو عليه الأمر على الخرائط. فقد اضطررتُ إلى الاعتماد على نفسي لمواجهة ظروف غير متوقعة؛ من بينها الثلوج العميقة، وسوء الأحوال الجوية، واختفاء معالم الطريق. عندها وجدتُ نفسي أتساءل: ماذا أفعل الآن؟ وكان واضحاً أن الإجابة تحتاج نوعاً آخر من الذكاء، ذكاءً عملياً حسياً لا تملكه الأنظمة الحالية.”
بيّن البروفيسور زينغ، في ذات السياق، أن الذكاء العملي الحسي يرتبط مباشرة بنماذج الذكاء الاصطناعي الواقعية القادرة على محاكاة العالم المحيط، وهي أنظمة لا تكتفي فقط بالتنبؤ بالكلمة أو الصورة التالية، بل تسعى إلى فهم الآليات التي يشتغل وفقها العالم الحقيقي بما في ذلك القدرة على فهم البيئة المحيطة، ووضع سيناريوهات الخطط المناسبة، وتنفيذ سلسلة من الإجراءات، والقدرة على التكيّف مع المتغيرات المفاجئة.
يذكر، في هذا السياق، أن جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كشفت في شهر نوفمبر عن نموذج الذكاء الاصطناعي للعالم الواقعي “نموذج بان” [PAN] وهو نموذج جديد طوره معهد النماذج التأسيسية التابع لها (IFM)، ويهدف إلى دراسة قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على فهم العالم ومحاكاته والتكيف معه بشكل لحضي ومتزامن مع اتجاهات تطوره وتغيره – ومع أن “نموذج بان” [PAN] يمثل خطوة متقدمة نحو بناء ذكاء اصطناعي قادر على التفكير والتوقع ووضع الخطط، شدّد البروفيسور زينغ في دافوس على أن التطور في هذا المجال ما يزال في بداياته الأولى.
وأوضح قائلاً: “نماذج الذكاء الاصطناعي للعالم الواقعي ما تزال في مراحل تطورها الأولية، وتعتمد إلى حد كبير على معماريات برمجية مستمدة مباشرة من النماذج اللغوية، ولتجاوز هذا الواقع أركز في أبحاثي الآن على ابتكار بنى معمارية جديدة يمكنها تمثيل البيانات والاستدلال والتعلم بأساليب مختلفة.”
وفي سياق النقاش، مضى البروفيسور زينغ إلى ما هو أبعد من فكرة الذكاء العملي الحسي ليستشرف ما يمكن أن يشكّل المراحل المستقبلية لتطور الذكاء.
وقال: “أعتقد أن المستوى الذي يلي الذكاء العملي الحسي هو الذكاء الاجتماعي.. فحتى الآن، لم نرَ نموذجي لغويين يعملان معاً بشكل تعاوني لأن النماذج تفتقر للقدرة على إدراك الآخر كما يدرك البشر بعضهم البعض.. فلا وجود لديها لمفهوم الذات التي تعي حدودها وحدود الآخر، ولا وعي لها يجعلها قادرة على تقسيم مهمة واحدة إلى عدة أجزاء – ولهذا لا يمكن الاعتماد على نموذج لغوي ما أو أي نموذج للعالم الوقعي لإدارة شركة أو دولة، لأنها لا تفهم التعقيدات الدقيقة للسلوك التفاعلي.”
وأضاف البروفيسور زينغ موضحاً مستوى أبعد من ذلك أسماه “الذكاء الفلسفي” – وقال: “في هذا المستوى، تصبح نماذج الذكاء الاصطناعي نفسها فضولية تجاه العالم، وتبحث عن المعلومة، وتتعلّم، وتقدّم تفسيرات دون أن يطلب أحد منها ذلك.. وهذا ما يثير قلق الكثيرين لأنه يشير إلى بدايات تشكل الهوية والقدرة الذاتية عند هذه الكيانات.. ومع هذ، فنحن ما زلنا بعيدين جداً عن الوصول إلى هذه المرحلة.”
شهدت الجلسة النقاشية أكثر لحظاتها القوية عندما طرح المتحدثون مخاوفهم بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، حيث حذّر هراري من أن أنظمة الذكاء الاصطناعي البسيطة نسبياً قد أعادت بالفعل تشكيل المجتمع من خلال الأسواق المالية ووسائل التواصل الاجتماعي – وأعرب عن قلقه من قلّة الاهتمام بالآثار المحتملة طويلة المدى خلال العقود أو حتى القرون المقبلة، في حين ركّز بنجيو على مخاطر إساءة استخدام هذه التكنولوجيا، وتحويل التقنية إلى أدوات تسليح، وتجميع السلطة في أيدي قلة.
ومن جانبه، أكّد البروفيسور زينغ أنه رغم أهمية هذه المخاوف، يجب ألا نغفل مبدأ أساسياً مفاده أن الذكاء الاصطناعي في النهاية مجرد برنامج، ولكي يتسبب في ضرر، لابد له من الخضوع قبل ذلك إلى المراجعة البشرية والمؤسسية.
وتابع البروفيسور شارحاً جوهر منظوره قائلا: “فكرة صنع قنبلة نووية معروفة ومتاحة في الكتب، لكن لا يمكنك تنفيذها فعلياً، لأن الأمر يتطلب الحصول على مواد محددة ومختبرات متخصصة. كما أن هناك سلسلة طويلة من القواعد والضوابط التي تُخضع مثل هكذا مشروع إلى الرقابة الصارمة.. وأعتقد أن خبراتنا في الحوكمة والتنظيم عبر أجيال وقرون – والتي ترسّخت في العديد من المجالات – ستساعدنا على التحكم في هذه التكنولوجيا”.
وأضاف: “الذكاء الاصطناعي، في نهاية المطاف، ليس سوى برنامج يعيش داخل أجهزة الحاسوب ولكي يتسبب في ضرر في العالم المادي، عليه أن يغادر هذا الإطار الرقمي، حيث توجد بالفعل طبقات متعددة من الضوابط التي تحكمه”.
وقد شكلت هذه القناعة أيضاً الدافع وراء دفاع البروفيسور عن الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر – فبالنسبة له، يمثل الانفتاح امتداداً طبيعياً للمنهج العلمي. ويؤكد أن الأنظمة المغلقة لا تمنع إساءة الاستخدام، بل إنها تحدّ فقط من القدرة على فهم التقنية.
وتابع قائلاً: “المصدر المفتوح يعني إتاحة المعرفة للجمهور، بحيث يتمكن الناس من استخدام التقنية ودراستها وفهمها وتطويرها.” ثم أضاف: “لا أرى أن التكنولوجيا سيئة بطبيعتها؛ فالمشكلة تكمن فيمن يسيء استخدامها. لذلك يجب أن ندرك أن الإغلاق لن يمنع إساءة الاستخدام، في حين أن إتاحة المصدر المفتوح قد تمنح قيمة حقيقية تُسهم في انتشار التقنية وتعميق فهمها.”
يرى البروفيسور زينغ أن هذا النهج القائم على الانفتاح سيشكل الأساس الذي يُمكّن من تطوير معماريات جديدة وأساليب تعلم أكثر تقدماً. ومن شأن هذه الابتكارات أن تفتح الباب أمام ما يسمّيه “المرحلة المقبلة من الذكاء” — وهي مرحلة تنتقل فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى ما يتجاوز حدود النماذج اللغوية الحالية، لتبلغ لمستوى قدرات عملية-حسية تتفاعل مع العالم الواقعي، وذكاءً اجتماعياً في سياقات التعاون ومستويات أعمق من التفكير والاستدلال الآلي.
ويأتي الاحتفاء بهذه المناسبة تحت شعار "رِيادة المستقبل بالذّكاء الاصطناعي والعُلوم للإنسانية"، تجسيداً لمسيرة السنوات الخمس (2020–2025).....
يعتمد نظام الاستدلال المتقدم الجديد، الذي يضم 70 مليار مُعامِل، على النموذج الأساسي K2-V2، أقوى نموذج تأسيسي.....
اقرأ المزيدأطلق معهد النماذج الأساسية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي أول نموذج استدلال سيادي بالكامل، وذلك.....