بالنسبة للباحثين العاملين في مجالي الذكاء الاصطناعي والطب، لا يقتصر التحدي على تطوير نماذج قوية فحسب، بل يمتد ليشمل ضمان معالجة هذه الأنظمة لاحتياجات سريرية واقعية.
وفي هذا السياق، جعل نعمان سعيد، خريج جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، تحقيق هذا الأثر محوراً رئيسياً في مسيرته البحثية مواصلاً تركيزه منذ أن أصبح أول خريج دكتوراه في الجامعة عام 2024 على توظيف التعلم الآلي في مجالي التصوير الطبي وأبحاث السرطان. ويعمل حالياً باحثاً علمياً في الجامعة يطور أنظمة ذكاء اصطناعي تهدف إلى دعم الأطباء في تفسير الصور الطبية المعقدة وتعزيز فهم تطور الأمراض.
ويشير سعيد إلى أن إحدى أبرز التحديات تكمن في عدم انطلاق الباحثين والأطباء دائماً من نفس الأولويات البحثية. ويقول: “أعتقد أن على باحثي الذكاء الاصطناعي التواصل مع الأطباء بشكل أكبر. ففي كثير من الأحيان، يحدد الباحثون والمهندسون بأنفسهم المشكلة التي يسعون إلى حلها، لكن عند التفاعل مع الأطباء، يتضح أن هذه ليست بالضرورة المشكلة التي يركزون عليها”.
وانطلاقاً من هذا التحدي، يعمل سعيد على سد الفجوة بين الطموح التقني والواقع السريري من خلال شراكات فاعلة مع مستشفيات في دولة الإمارات، بهدف بناء مجموعات بيانات تضمن تطوير حلولاً تخدم الأطباء والمرضى على حد سواء.
يقول: “نتعاون مع المستشفيات المحلية ليس فقط للحصول على البيانات، بل أيضاً للاستفادة من الخبرات السريرية والتعليقات التوضيحية المتخصصة التي تضمن فاعلية نماذجنا في البيئات الواقعية. وتشمل هذه الشراكات مدينة الشيخ شخبوط الطبية، وكليفلاند كلينك، وبرجيل، ومستشفى الكورنيش.
“وقد نجحنا بالفعل في جمع مجموعات بيانات واسعة النطاق، من بينها أكثر من 200 ألف صورة موجات فوق صوتية للأجنة.”
وتشكل هذه الأحجام الكبيرة من البيانات عنصراً أساسياً في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة، إذ تتيح للخوارزميات التعرف على الأنماط الدقيقة في الصور الطبية، بما يسهم في دعم الاكتشاف المبكر للأمراض وتحسين سرعة تحليل الحالات المعقدة.
ويتسق هذا التوجه مع الطموحات الوطنية لدولة الإمارات في تطوير قطاع الرعاية الصحية، حيث يتزايد توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين نتائج المرضى وتعزيز جودة اتخاذ القرار السريري. ومن خلال تدريب النماذج على بيانات محلية وبالتعاون مع مؤسسات صحية رائدة، يسهم عمل سعيد في دعم جهود الدولة نحو تمكين التشخيص المبكر وتقديم رعاية صحية أكثر تخصيصاً.
وفي إطار الاستفادة من هذه البيانات، يعمل سعيد وفريقه على تطوير نموذجاً جديداً يركز على السرطان.
ويقول: “نركز حالياً على مشروع HECKTOR، الذي يعالج سرطانات الرأس والعنق بالاعتماد على مجموعة بيانات متعددة الوسائط وواسعة النطاق تم جمعها من أكثر من 10 مراكز حول العالم، بما في ذلك في دولة الإمارات. ويتضمن هذا العمل تطوير حلٍّ متكاملٍ وخفيفٍ وقابلٍ للتطبيق سريريًا لتقسيم الأورام باستخدام صور التصوير المقطعي المحوسب (CT) والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET)، إلى جانب تحديد مراحل المرض والتنبؤ بمآلاته”.
ويعمل الفريق بالتعاون مع عدداً من اختصاصيي الأشعة في الدولة في مجالات التعليق التوضيحي، والاختبار، وتقديم التغذية الراجعة، بالتوازي مع توسيع نطاق البيانات المحلية لضمان جاهزية النموذج للتطبيق السريري.
ويضيف: ” حصلنا أيضاً على موافقة للحصول على منحة من دائرة الصحة لتطوير نموذجٍ تأسيسي للسرطان بالاعتماد على بيانات من مستشفيات الدولة، مع تركيزٍ خاص على سرطانات الثدي، والقولون والمستقيم، والرأس والعنق”.
“ويهدف المشروع إلى تطوير نماذج متقدمة تدعم الكشف المبكر عن السرطان وتشخيصه والتنبؤ بمآلاته، من خلال الاستفادة من بيانات صحية متعددة الوسائط تشمل السجلات الصحية الإلكترونية، وبيانات التصوير، والبيانات الجينومية، بما يسهم في تعزيز الطب الدقيق في الدولة.”
وعلى المدى الأبعد، يعمل الفريق أيضاً على تطوير ما يعرف بالنموذج العالمي الطبي، بهدف تمكين الأطباء من استكشاف مسارات تطور الأمراض وتوقع استجابة المرضى للعلاجات المختلفة.
ويقول: “في حين تتميز أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية في التعرف على الأنماط، فإن النماذج العالمية تتعلم محاكاة ديناميكيات البيئة السريرية، مما يتيح الانتقال من التنبؤ إلى المحاكاة الاستباقية.
“وتكمن القيمة الأساسية لما يُعرف بـ«نموذج العالم» (World Model) في قدرته على توليد ما يشبه فيلماً ذهنياً قابلاً للاستخدام حول المستقبل. فبدلاً من الاكتفاء بتصنيف البيانات، يُفترض في المساعد المثالي أن يُنشئ مساراً سريرياً محتملاً للمريض وفق تدخلات علاجية بديلة. ويتيح ذلك للأطباء مقارنة خيارات علاجية مختلفة ونتائجها المحتملة مثل التغيرات في تطور المرض أو مؤشرات صحة المريض قبل اتخاذ قرار سريري محدد”.
“وينطوي هذا النوع من النماذج ضمنياً على ضرورة إبقاء الإنسان في دائرة اتخاذ القرار. وبالنسبة لسعيد، فإن دور الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا يتمثل في استبدال الأطباء، بل في دعم خبراتهم، من خلال الجمع بين قوة التعلم الآلي والمعرفة والحكم السريري الذي يقدمه الأطباء في رعاية المرضى”.
ويقول: “عندما يعمل الطبيب ونماذج الذكاء الاصطناعي معاً كفريق واحد لمعالجة المشكلة، ترتفع فرص التعامل مع التحديات الحقيقية بفاعلية أكبر. فهذا يتطلب حضوراً بشرياً مستمراً، وليس الاعتماد على الذكاء الاصطناعي وحده”.
“ويستند هذا التوجه إلى مجمل الخبرة البحثية التي اكتسبها سعيد في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي منذ انضمامه إليها عام 2021”.
“ويستند هذا التوجه إلى مجمل الخبرة البحثية التي اكتسبها سعيد في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي منذ انضمامه إليها عام 2021، حيث عمل ضمن مجموعة BioMedIA تحت إشراف الأستاذ المشارك في الرؤية الحاسوبية محمد يعقوب. وركز في أبحاث الدكتوراه على دراسة كيفية تمكّن نماذج التعلم العميق من تحليل بيانات التصوير الطبي المعقدة، مع تركيز خاص على سرطانات الرأس والعنق. وتُعد هذه السرطانات سابع أكثر أنواع السرطان شيوعاً على مستوى العالم، وتمثل تحدياً كبيراً للأطباء، إذ يتعين عليهم تفسير أنواع متعددة من بيانات التصوير مع مراعاة طيف واسع من المتغيرات السريرية”.
وهدفت أبحاثه إلى تطوير نماذج قادرة على التعلم من هذه المصادر المتعددة من البيانات في آن واحد، بما يساعد الأطباء على اكتشاف الأورام بدقة أكبر وفهم كيفية تطور المرض بشكل أفضل.
كما أرست هذه الأبحاث أساساً للعديد من المشاريع التي يعمل عليها اليوم. ويقول: “أركز بشكل رئيسي على تشخيص السرطان والتنبؤ بمآلاته، ومؤخراً عملت أيضاً على مجموعات بيانات الموجات فوق الصوتية لتصوير الأجنة وتخطيط صدى القلب”.
وتبقى الغاية المشتركة عبر هذه المشاريع هي تطوير أدوات ذكاء اصطناعي تساعد الأطباء على تفسير البيانات الطبية المتزايدة التعقيد، مع الحفاظ على الخبرة البشرية في صميم عملية اتخاذ القرار.
“وبحكم انتمائه إلى مجتمع جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي منذ افتتاحها، اكتسب سعيد رؤية مميزة حول كيفية الاستفادة القصوى من التجربة الأكاديمية والبحثية فيها، وما يتطلبه النجاح في مجال سريع التطور مثل الذكاء الاصطناعي”.
ويقول: “يحتاج الطلاب إلى المثابرة. ينبغي أن يختاروا مشكلة يهتمون بها فعلاً ويرغبون في حلها، ثم يلتزموا بها. فكثيراً ما يختار الطلاب مشكلة، ويواجهون بعض التحديات، ثم يتخلون عنها. لكن الاستمرارية ضرورية”.
“وللمساعدة في ذلك، ينبغي عليهم اختيار المشرف الذي يتمتعون معه بأفضل انسجام. كما يجب أن يكون المشرف مهتماً بالمشكلة التي يعملون على حلها، بحيث يمكن العمل عليها معاً وجعلها أولوية مشتركة. إن اتخاذ هذه القرارات بشكل صحيح منذ البداية أمر بالغ الأهمية”.
وتكتسب هذه المثابرة أهمية خاصة في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي الطبي، حيث يتطلب حل المشكلات ذات الأثر الحقيقي تعاوناً طويل الأمد عبر تخصصات متعددة من علماء الحاسوب والمهندسين إلى الأطباء والمؤسسات الصحية.
وكما يوضح سعيد، فإن ترسيخ هذه العقلية التعاونية يُعد أساساً للعمل بفاعلية مع الأطباء والمستشفيات، وتطوير حلول تلبي الاحتياجات الفعلية بالشكل الصحيح وللفئات المناسبة. وفي نهاية المطاف، يرى أن أهم التطورات في الذكاء الاصطناعي الطبي لن تأتي من الخوارزميات وحدها، بل من الباحثين القادرين على العمل عن قرب مع الأطباء والمستشفيات والمرضى.
وبالنسبة إلى الجيل القادم من طلاب جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، فقد يكون تبني هذه العقلية عاملاً حاسماً لا يقل أهمية عن أي تقدم تقني.
يوضح خريج جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي كيف تحوّل تركيزه من النشر العلمي إلى إحداث أثر.....
ستيفن هوانغ نموذج ملهِم نجح في توظيف معرفته الأكاديمية وخبرته المتقدمة في تعلّم الآلة للإسهام في صياغة.....
اقرأ المزيدمن أبوظبي إلى أكسفورد – إكبولجون سويروف يحقق حلمه ويقود ابتكار الجيل القادم من أدوات التشخيص القادرة.....