يشهد العالم العربي موجة متسارعة من تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتقاطع فيها الاعتبارات الاقتصادية مع أهداف التحول الرقمي والحوكمة الذكية، حيث عرفت استراتيجيات الدول العربية الصاعدة – خلال الأعوام الأخيرة – تحوّلاً من “استكشاف” تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي إلى “تعميمها” في القطاعات الحيوية من خلال استثمارات ضخمة، وسياسات داعمة، وبناء منظومات بحثية وتعليمية جديدة.
ويحاول هذا المقال، في هذا الإطار، رصد بعض الآثار الإيجابية لهذا التحول عبر نماذج من الإمارات والسعودية ومصر والمغرب وتونس، ويقدّم قراءة تحليلية مقتضبة للفرص والآفاق التي يفتحها الذكاء الاصطناعي أمام الاقتصادات العربية، والتحديات التي ينبغي إدارتها بحكمة.
تتصدر الإمارات المشهد الإقليمي في تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي، بفضل استراتيجيتها الوطنية الطموحة ومشروعاتها العملاقة التي تجمع بين البنية التحتية المتقدمة والبحث العلمي المتخصص. فمن تأسيس أول جامعة عالمية مكرسة لدراسات الذكاء الاصطناعي، إلى إطلاق مجمعات حوسبة فائقة، تضع الإمارات نفسها في موقع الريادة لتكون مركزًا عالميًا للابتكار المسؤول، وتفتح الباب أمام اقتصاد معرفي يواكب التحولات الرقمية الكبرى.
وفي إطار استراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031، أنشأت الدولة وزارة للذكاء الاصطناعي، وأطلقت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي تعد الأولى عالميًا في هذا المجال، إضافة إلى مجمع “Stargate UAE” للحوسبة بقدرة تصل إلى 5 جيجاوات في أبوظبي، بالشراكة مع شركات عالمية مثل OpenAI وNVIDIA وOracle. وتعكس هذه الخطوات التزام الإمارات ببناء منظومة متكاملة تدعم الابتكار وتضمن السيادة الرقمية.
وتشير تقارير إقليمية إلى أن مساهمة الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد الإماراتي قد تصل إلى 13% من الناتج المحلي بحلول عام 2031، أي ما يعادل 96–100 مليار دولار، وهي النسبة الأعلى خليجياً.
ويكمن الأثر الإيجابي لهذه الجهود في محورين رئيسيين:
وبينما ترسم الإمارات ملامح المستقبل الرقمي بخطوات واثقة، تسير دول عربية أخرى بخطى متسارعة نحو استثمار الذكاء الاصطناعي لتعزيز النمو الاقتصادي وتطوير الخدمات، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية التي أطلقت مشاريع ضخمة ضمن رؤية 2030.
تتجه المملكة العربية السعودية انطلاقا من رؤية 2030 نحو بناء منظومة ذكاء اصطناعي عالمية عبر مبادرات تمويلية وبنيوية قوية أبرزها مشرع Project Transcendence باستثمار يُقدَّر بـ 100 مليار دولار لتوسيع مراكز البيانات، وجذب المواهب، وتطوير نماذج باللغة العربية إلى جانب شراكات مع شركات عالمية.
وتشير تقديرات PwC إلى أن مساهمة الذكاء الاصطناعي قد تصل إلى 12.4% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030 بما يعادل 235 مليار دولار، مع تزايد عدد الشركات والبراءات وتدريب عشرات الآلاف من الشباب على مهارات الذكاء الاصطناعي.
كما يتجلى الأثر الإيجابي للذكاء الاصطناعي أيضاً في القطاعات اللوجستية والصناعة والخدمات الحكومية؛ فعلى سبيل المثال، يجري إطلاق تجارب للنقل الذاتي في الرياض وجدة عبر شراكات مع شركات عالمية، ما يَعِد بخفض الحوادث والتكاليف وتحسين الكفاءة التشغيلية للنقل الحضري.
وتُسهم كل هذه التحوّلات في تعميق التنوع الاقتصادي للمملكة وتعزيز موقع ومكانتها كمركز إقليمي لحوسبة الذكاء الاصطناعي والابتكار.
وبدورها تُظهر مصر توجّهاً تدريجياً وثابتاً نحو اقتصاد رقمي يقوم على الذكاء الاصطناعي. فقد أطلقت القاهرة النسخة الثانية من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي (2025–2030)، مع هدفٍ صريح لرفع مساهمة الذكاء الاصطناعي إلى 7.7% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2030 – حوالي 42.7 مليار دولار – عبر ستة محاور تشمل الحوكمة، التكنولوجيا، البيانات، البنية التحتية، المنظومة الحاضنة، والمهارات.
ووفق تقارير محلية، فقد نما سوق الذكاء الاصطناعي في مصر إلى نحو 490 مليون دولار مع استثمارات متزايدة في الأمن السيبراني والبنية الرقمية وتدريب الكفاءات.
ويتمثل الأثر الاقتصادي الإيجابي للاستثمارات في تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي في تحسين الإنتاجية في قطاعات الزراعة والصحة والتعليم من خلال نماذج التنبؤ، وإدارة الموارد الذكية، وبناء منظومة شركات ناشئة قادرة على تحويل البحوث الأكاديمية إلى منتجات قابلة للتصدير. وستشكل هذه الدينامية، في حال استمرارها بوتيرتها الحالية، بوابة تدعم مصر من خلالها تنويع قاعدتها الإنتاجية مع تقليلها، في الآن نفسه، الاعتماد على القطاعات التقليدية.
يمثّل المغرب حالة مهمة في استخدام الذكاء الاصطناعي لتحديث القطاع الزراعي – قطاع يشكّل نحو 14% من الناتج المحلي ويستوعب 40% من القوى العاملة. تشير دراسة مرجعية إلى أن الهياكل الهجينة في نماذج الذكاء الاصطناعي رفعت دقة مراقبة المحاصيل والكشف المبكر عن الأمراض إلى 94%، مع توسّع اعتماد التعلّم بنقل التجارب الناجحة من أجل تخفيض الحاجة لبيانات ضخمة.
كما عزّز المغرب، على المستوى المؤسسي، منظومته البحثية عبر المركز الدولي للذكاء الاصطناعي بجامعة محمد السادس ومبادرات تعليمية وتنظيمية لضمان أخلاقيات البيانات وحمايتها.
الأثر الإيجابي لما يبذله المغرب من مجهودات في سبيل الاستفادة من إمكانات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يتجسّد في رفع الإنتاجية الزراعية وترشيد استخدام المياه – الأمر الذي يعتبر ضرورة ملحة في ظل سياق الإجهاد المائي الذي تعيشه المملكة المغربية – إلى جانب نقل التكنولوجيا للشركات الزراعية الصغيرة والمتوسطة مما من شأنه أن يسهم في توسّيع قاعدة التصدير وتعزيزها ويدعم الأمن الغذائي للبلد.
وبشكل عام، تسعى المملكة من خلال استراتيجية “المغرب الرقمي 2030” إلى ترسيخ مكانتها كفاعل إقليمي في التحول الرقمي، عبر مشاريع طموحة تشمل تطوير البنية التحتية، تعزيز المهارات الرقمية، واعتماد تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي. وتستهدف هذه الاستراتيجية رفع مساهمة الاقتصاد الرقمي في الناتج المحلي الإجمالي بما يقارب 100 مليار درهم بحلول عام 2030.
تعتمد تونس على الذكاء الاصطناعي لتعزيز التخطيط الوطني وصناعة القرار؛ إذ استُخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي لصياغة خطة التنمية 2026–2030 مع تركيز على التحول الرقمي والطاقة والصحة ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة.
وعلى المستوى التشغيلي، فقد حقّق عدد مهم من الشركات وفورات كبيرة في الوقت والتكلفة — على سبيل المثال، تقليص معالجة صرف الأدوية من ساعة إلى 30 ثانية — بفضل الأتمتة الذكية والتحليلات.
كما واصلت تونس بناء إطار تنظيمي عبر [قانون الشركات الناشئة] Startup Act ومبادرات لتحسين حماية البيانات، تمهيداً لتوسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في المالية العامة والخدمات.
في ظل التحولات الرقمية العالمية، أصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم المحركات الاقتصادية التي تعيد رسم ملامح النمو والتنمية. أما بالنسبة للدول العربية، فلا يقتصر دوره على كونه تقنية مبتكرة، بل يمثل فرصة استراتيجية لتجاوز التحديات التقليدية وتحقيق قفزة نوعية نحو اقتصاد المعرفة. من تعزيز الإنتاجية وتحفيز النمو، إلى تنويع القاعدة الإنتاجية وتحسين الخدمات العامة، وصولًا إلى بناء رأس مال بشري قادر على المنافسة في عصر الرقمنة، تتعدد أوجه الأثر الإيجابي لهذه التكنولوجيا.
وفيما يلي أبرز المجالات التي يمكن أن يحقق فيها الذكاء الاصطناعي قيمة مضافة ملموسة للاقتصادات العربية.
رغم الإمكانات الهائلة التي يوفرها الذكاء الاصطناعي، فإن تحقيق أقصى استفادة منه في الاقتصادات الصاعدة يتطلب تهيئة بيئة متكاملة تجمع بين البنية التحتية القوية، والمهارات البشرية، والأطر التنظيمية المرنة، والابتكار المحلي – هذه العناصر ليست مجرد توصيات نظرية، بل هي شروط أساسية لضمان استدامة التحول الرقمي وتعظيم أثره الاقتصادي والاجتماعي.
وفيما يلي أبرز المحاور التي ينبغي أن تركز عليها الدول الصاعدة اقتصادياً لتحقيق هذه الغاية:
تؤكد التجارب العربية أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية واعدة؛ بل أداة اقتصادية شاملة تعيد تشكيل قطاعات الإنتاج والخدمات والحوكمة – ففي الإمارات، تُشيّد بنية حوسبية عالمية مع منظومة بحثية رائدة؛ وفي السعودية، تُوظّف الاستثمارات الضخمة لتغيير قواعد المنافسة؛ وفي مصر، تُبنى استراتيجية متسقة تربط المهارات بالبنية الرقمية؛ وفي المغرب وتونس، تُوظَّف التطبيقات العملية في الزراعة والقطاع العام لرفع الإنتاجية وتقليل التكاليف.
الفرصة الآن تكمن في تسريع التنفيذ المتوازن: بنية تحتية + مهارات + تنظيم مرن + ابتكار محلي؛ وبهذه المعادلة، يمكن للاقتصادات العربية الصاعدة أن تنتقل من مستهلكة للتكنولوجيا إلى منتِجة لها، وأن تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة دائمة للنمو، التنويع، والازدهار الاجتماعي.
علن معهد النماذج التأسيسية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي بالتعاون مع "جي 42"، إطلاق نموذج "كي.....
اقرأ المزيدترحب أول جامعة في العالم مكرَّسة للذكاء الاصطناعي بالطلاب المتميزين من مختلف أنحاء العالم للانضمام إلى برامجها.....
جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تنضم كشريك مؤسس إلى مبادرة قادة التكنولوجيا التي أطلقها معهد آسبن.