يُنظر إلى القدرة على اكتشاف العلاقات السببية من البيانات بوصفها إحدى أكثر الطموحات العلمية تأثيراً في عصر البيانات الحديثة. فمن الاقتصاد وعلم الأوبئة إلى العلوم الاجتماعية والسياسات العامة، يَعِد هذا المجال بإتاحة فهم أعمق لكيفية تشكل الظواهر المختلفة، ليس فقط من خلال رصد ما يحدث، بل عبر تفسير أسباب حدوثه.
وخلال العقود الماضية، طوّر الباحثون مجموعة واسعة من النظريات والخوارزميات القادرة على استنتاج العلاقات السببية من البيانات الرصدية، وحققت هذه الأدوات نجاحات ملموسة في العديد من التطبيقات. غير أن دراسة جديدة قدمها باحثون من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي خلال المؤتمر الدولي لتعلم الآلة لعام ICML) 2024) تشير إلى أن الواقع أكثر تعقيداً مما تفترضه كثير من هذه الأساليب.
وتحاجج الدراسة بأن جزءاً أساسياً من المشكلة يكمن في طبيعة البيانات نفسها؛ فمعظم البيانات التي يعتمد عليها الباحثون لا تمثل التفاعلات السببية الحقيقية بصورة مباشرة، بل تأتي غالباً في صورة قياسات مجمعة أو متوسطات إحصائية تخفي كثيراً من التفاصيل الدقيقة التي تحدث على أرض الواقع.
يوضح شونشينغ فان، الباحث المساعد في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وأحد مؤلفي الدراسة، أن التفاعلات السببية الحقيقية تحدث عادة على مستويات دقيقة للغاية يصعب رصدها مباشرة.
ويقول: “من الصعب جداً أن يتوافق معدل جمع البيانات مع التردد الحقيقي الذي تحدث به التفاعلات السببية”. ويضيف أن هذه التفاعلات تجري غالباً على مستويات مجهرية، وأحياناً حتى على المستوى الذري، بينما تمثل البيانات التي نجمعها عادة وصفاً عاماً أو متوسطاً لسلوك النظام على نطاق أوسع.
وبعبارة أخرى، فإن ما نرصده في البيانات ليس بالضرورة ما يحدث فعلاً داخل النظام، بل نسخة مبسطة أو مختصرة منه. وتزداد هذه الفجوة اتساعاً عندما تخضع البيانات لعمليات تجميع أو تلخيص إحصائي قبل تحليلها.
ويرى الباحثون أن هذه القضية تمثل واحدة من أكثر المشكلات الأساسية في مجال اكتشاف السببية، لأنها قد تؤدي إلى استنتاج علاقات تختلف عن العلاقات الحقيقية التي تحدث في الواقع.
تشير الدراسة إلى أن البيانات الرصدية غالباً ما تكون نسخة غير مكتملة من المعلومات المتوافرة في الأنظمة الحقيقية. فقد تتضمن قيماً مفقودة، أو تتعرض لتحيزات في اختيار العينات، أو تُحوَّل إلى فئات منفصلة، أو تُختزل في متوسطات ومجاميع إحصائية.
ويقول فان إن التجميع يمثل أحد أكثر هذه الحالات أهمية، لأنه يؤدي بصورة مباشرة إلى فقدان جزء من المعلومات الأصلية.
ولتوضيح الفكرة، يستعرض الباحثون مثالاً مألوفاً يتعلق بدرجات الحرارة ومبيعات المثلجات. فمن المعروف أن ارتفاع درجات الحرارة يترافق غالباً مع زيادة مبيعات المثلجات، ما قد يدفع البعض إلى استنتاج وجود علاقة سببية مباشرة وفورية بين الظاهرتين.
لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
فارتفاع درجة الحرارة في لحظة معينة لا يؤدي فوراً إلى عملية الشراء، بل يؤثر أولاً في قرار الأفراد بالخروج أو شراء المثلجات، ثم تأتي عملية الشراء لاحقاً. أي أن العلاقة السببية الحقيقية تتضمن سلسلة من الأحداث المتعاقبة وفارقاً زمنياً بين السبب والنتيجة.
غير أن استخدام البيانات المجمعة — مثل أعلى درجة حرارة خلال اليوم وإجمالي مبيعات المثلجات في اليوم نفسه — يخفي هذه الفجوة الزمنية ويجعل العلاقة تبدو وكأنها تحدث بصورة فورية ومباشرة.
ومن هنا تنشأ المشكلة؛ إذ قد يبدو أن البيانات تشير إلى علاقة سببية مختلفة عن تلك التي تحدث فعلياً داخل النظام.
يشير الباحثون إلى أن البيانات المجمعة قد تكون كافية في كثير من الحالات إذا كان الهدف هو دراسة الارتباطات أو الأنماط العامة.
أما عندما يكون الهدف هو استعادة البنية السببية الحقيقية للنظام، فإن الأمر يتطلب معلومات أكثر تفصيلاً مما توفره المتوسطات أو المجاميع الإحصائية.
ويشرح فان أن الباحثين قد يتمكنون نظرياً من وصف العلاقة السببية بين متغيرين عند لحظات زمنية محددة، لكن البيانات المتاحة عملياً لا تمثل تلك المتغيرات نفسها، بل متوسطاتها عبر فترة زمنية معينة. ونتيجة لذلك، قد تضيع معلومات أساسية يحتاجها الباحث لفهم اتجاه التأثيرات وتسلسلها الزمني.
وتشير الدراسة إلى أن الأدبيات العلمية لا تزال تفتقر إلى فهم شامل للظروف التي يمكن فيها للبيانات المجمعة أن تعكس العلاقات السببية بصورة موثوقة، أو تفسير الكيفية التي يؤدي بها التجميع إلى تراجع أداء خوارزميات اكتشاف السببية.
جاء اهتمام فان بهذا المجال بعد دراسته للإحصاء، قبل أن يتجه إلى أبحاث السببية تحت إشراف البروفيسور كون تشانغ، انطلاقاً من قناعة بأن فهم العلاقات السببية يمثل خطوة أساسية نحو فهم العالم بصورة أعمق.
ويركز عمله الحالي على الفجوة القائمة بين النظريات الرياضية المتقدمة والتطبيقات الواقعية لاكتشاف السببية.
فعلى الرغم من أن العديد من الخوارزميات الحديثة توفر ضمانات نظرية قوية في ظل شروط معينة، فإن البيانات القادمة من العالم الحقيقي نادراً ما تلتزم بهذه الشروط بالكامل.
ولهذا السبب، يرى الباحثون أن نجاح أساليب اكتشاف السببية في البيئات النظرية لا يعني بالضرورة نجاحها بالدرجة نفسها في التطبيقات الواقعية، حيث تتداخل الضوضاء والتحيزات وعمليات التجميع مع طبيعة البيانات الأصلية.
لا تسعى الدراسة إلى التقليل من أهمية التقدم الذي تحقق في مجال اكتشاف السببية، بل تدعو إلى التعامل بحذر أكبر مع البيانات التي تُستخدم لاستخلاص العلاقات السببية، خصوصاً عندما تكون هذه البيانات ناتجة عن عمليات تجميع واسعة النطاق.
وتسلط النتائج الضوء على حقيقة أساسية غالباً ما تُغفل في عصر البيانات الضخمة: فامتلاك كميات هائلة من البيانات لا يعني بالضرورة امتلاك المعلومات الصحيحة لفهم أسباب الظواهر.
وفي الوقت الذي تواصل فيه أدوات الذكاء الاصطناعي توسيع قدرتها على تحليل الأنظمة المعقدة، تذكّر هذه الدراسة الباحثين بأن التحدي لا يكمن فقط في بناء خوارزميات أكثر تطوراً، بل أيضاً في فهم الحدود التي تفرضها طبيعة البيانات نفسها على ما يمكن استنتاجه عن العالم.
إريك مولين، العميد المؤسس لقسم علوم الحوسبة والرياضيات في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، يوضح كيف.....
فريق بحثي من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يطوّر تقنية تستطيع إزالة العلامات المائية المخفية داخل.....
كشف العلاقة السببية: دراسة حديثة تقدم خوارزمية متطورة لتحليل المتغيرات الكامنة وفهم العلاقات السببية المعقدة دون الاعتماد.....