مع تسارع التداخل بين العالمين المادي والرقمي، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة للتواصل أو وسيلة لنقل المعلومات، بل أصبحت امتداداً مباشراً للتجربة الإنسانية ذاتها. وفي ظل هذا التحول المتنامي، تتغير أشكال التفاعل والإدراك والتعبير، لتنتقل بصورة متزايدة إلى فضاءات افتراضية تعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والعالم من حوله.
وقد شكل هذا الطرح محور جلسة حوارية نظمت في “منارة السعديات”، بمشاركة إليزابيث تشرشل، رئيسة قسم التفاعل بين الإنسان والحاسوب وأستاذة هذا المجال في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، وذلك ضمن فعاليات معرض “LAYERED MEDIUM: WE ARE IN OPEN CIRCUITS“.
الجلسة، التي جاءت بعنوان “Body as medium: InterFACES: Skin/Screen“، أدارتها الكاتبة والباحثة والمحررة المستقلة سايرا أنصاري بمشاركة الفنانة والكاتبة دانا داود. وناقشت المشاركات التحولات العميقة التي فرضتها حالة فرط الاتصال الدائم والتأثير الرقمي المتنامي على مفهوم جسم الإنسان وحدوده الفيزيائية، وكيف بات الإنسان يعيد صياغة علاقته بذاته وبالآخرين وبالتكنولوجيا على حد سواء.
وقد تحدثت تشرشل عن مضمون الجلسة الحوارية قائلة: “تناول نقاشنا العلاقة بين الجسد المادي والتمثيل والحضور الرقميين. فعلى مر التاريخ، أحدثت التكنولوجيا تحولات جذرية في طرق التواصل فيما بيننا وفي كيفية تمثيلنا لذواتنا، وما نشهده اليوم ليس استثناءً. فنحن نقف على أعتاب تحول أعمق، نتلمس فيه طريقنا في عصر الذكاء الاصطناعي ونتأمل فيما تعنيه هذه التطورات بالنسبة لنا كبشر”.
وأضافت أنه مع التطور غير المسبوق في التكنولوجيا التي تتيح إنشاء امتدادات جديدة لذواتنا بدرجة متزايدة من التعقيد وسهولة الوصول، بدءاً من صور الأفاتار المتحركة والتمثيلات التفاعلية المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، وصولاً إلى الدمى الرقمية التي يُفترض أنها قادرة على التصرف نيابةً عنا في غيابنا، يصبح من الطبيعي أن نطرح مجدداً بعض الأسئلة الوجودية الأساسية من قبيل: من أنا؟ وما هي هويتي في سياق معين؟ وكيف أعبّر عن نفسي وعن ذواتي في سياق واحد وعبر سياقات متعددة؟ وكيف أوصل ما أريد قوله في سياقات مختلفة وبصيغ متنوعة؟ فهذه الأسئلة تقع في صميم هذه النقاشات، ويكمن خلفها سؤال أعمق: كيف نقاوم ما لا يصب في مصلحتنا، سواء كأفراد أو كمجتمع؟

تتمتع تشرشل، بصفتها رئيسة قسم التفاعل بين الإنسان والحاسوب في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بخبرة متميزة تتيح لها تناول هذه القضايا وغيرها فيما يتعلق بالتداخل بين العالمين الرقمي والمادي. فالتفاعل بين الإنسان والحاسوب مجال يُعنى بدراسة كيفية تفاعل البشر مع الحواسيب وغيرها من أشكال التكنولوجيا الرقمية. وهو لا يركز فقط على تصميم الأنظمة والواجهات والتقنيات بشكل يجعلها فعّالة وسهلة الاستخدام وممتعة، بل يمتد أيضاً ليشمل الجوانب الاجتماعية والأخلاقية والبدنية والنفسية وتأثيراتها. وهذا النهج يتطلب استكشافاً لتداخل الحدود بين الفضاءين المادي والافتراضي.
وهي ترى أن هذا التداخل يزداد وضوحاً يوماً بعد يوم، موضحة ذلك بقولها: “على سبيل المثال، تتيح لنا منصات التواصل الاجتماعي إنشاء صور لأنفسنا في أشكال مثل الأفاتار. وسواء كانت هذه الصور مجرد تمثيلات بصرية أو نسخاً تفاعلية أكثر تعقيداً، فإننا ننشئ هذه التمثيلات الرقمية لذواتنا ونعمل على تنسيقها وتطويرها. وتتحول هذه “الأجساد” الافتراضية وحضورنا على الإنترنت إلى امتدادات لهوياتنا المادية، مما يثير تساؤلات حول حقيقة كوننا كائنات مادية فقط، حيث تعيش عقولنا خارج حدود أجسادنا في كل الوسائل التي نعبّر بها عن ذواتنا”.
وتضيف تشرشل أن استخدام المنصات الخارجية كواجهات للتعبير يُعد ممارسة إنسانية ممتدة عبر التاريخ، مؤكدةً أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحدث تطور في هذا المسار: “لقد دأبنا على توسيع عقولنا وأفكارنا وأجسادنا، وإعادة تعريف معنى أن نكون كائنات متجسدة، بداية من الرسومات على جدران الكهوف وصولاً إلى المطبعة ومن ثم الإنترنت. وفي السنوات الأخيرة، بدأت تقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز تدمج بشكل متزايد بين العالمين المادي والافتراضي. على سبيل المثال، الحركات التي تسجلها أدوات التقاط الحركة تتحول إلى أفعال في البيئات الافتراضية، وتوأمنا الرقمي يتصرف مثلنا. وهناك أيضاً ما يسمى “تحويل الجسد إلى بيانات”، حيث تجمع الأجهزة القابلة للارتداء بيانات عن أجسادنا وسلوكياتنا، ثم تُحوِّل وجودنا المادي وتجاربنا إلى معلومات رقمية يمكن استخدامها لبناء تمثيلات رقمية لنا كأفراد أو كجزء من مجموعات تشترك في خصائص متقاربة”.
وتشير تشرشل إلى فنانين أدائيين مثل ستيلارك، الذي يستكشف موضوعات التكنولوجيا والجسد البشري منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، مؤكدة أن تداخل المادي والرقمي ظل محوراً مستمراً للاهتمام الفني، بل ويزداد أهمية مع مرور الوقت: “استكشف ستيلارك كيف تؤثر الحساسات المزروعة في أجسادنا على ما نقوم به وعلى علاقتنا بأنفسنا ككائنات متجسدة. وهذه الأفكار تتوسع أكثر فأكثر، لتدفعنا إلى طرح سؤال أكثر إلحاحاً: ما معنى أن نمتلك جسداً هجيناً يجمع بين المادي والحاسوبي والرقمي؟”
تشمل أمثلة الأعمال المعاصرة في هذا المجال تجارب الوشوم الرقمية، والتطورات في التفاعل بين الدماغ والحاسوب، والاستكشافات في مجال التفاعل العصبي بين الإنسان والحاسوب، وهو فرع من فروع التفاعل بين الإنسان والحاسوب يركز على دمج علم الأعصاب وتكنولوجيا الدماغ لتعزيز التفاعل بين الإنسان والحاسوب.
وفي الختام، تؤكد تشرشل أن تلاشي الحدود يتسارع باستمرار. وسيزداد ذلك مع اعتمادنا المتزايد على الذكاء الاصطناعي في بناء نماذج رقمية لأنفسنا وتوجيه سلوكنا والمشاركة الواعية في هذه العملية.
ملتقى التفاعل بين الإنسان والحاسوب الأول في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يبحث مستقبل تعايش الإنسان.....
اقرأ المزيدلطالما استخدم صانعو الأفلام الذكاء الاصطناعي للتعبير عن آمال البشر ومخاوفهم، وطرح أسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية.
أعلنت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي عن فتح باب التقديم لأول دفعة من برنامج الدكتوراه في.....
اقرأ المزيد