نظم الذكاء الاصطناعي: من اللغة إلى الأفكار MBZUAI

مستقبل التواصل بين نظم الذكاء الاصطناعي: من اللغة إلى الأفكار

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2025

إن قدرتنا على التواصل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة بلغتنا البشرية أمر لافت. فهي تجعل التجربة أسهل وأكثر بديهية وفهماً. لكن عندما تتواصل هذه الأنظمة مع بعضها بعضاً، قد لا تكون اللغة البشرية ضرورية، بل قد تصبح عائقاً. وهذا يطرح سؤالاً مثيراً للاهتمام: هل يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة تجاوز اللغة البشرية تماماً والتواصل ببساطة عبر قراءة أفكار بعضها بعضاً؟

هذه هي الفكرة التي طرحها فريق من الباحثين من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وجامعة كارنيجي ميلون ومختبرات “ميتا” للذكاء الاصطناعي، وعُرضت مؤخراً خلال الدورة التاسعة والثلاثين للمؤتمر السنوي لنظم معالجة المعلومات العصبية في مدينة سان دييغو بولاية كاليفورنيا الأمريكية.

يقدم الباحثون طريقة جديدة للتعاون بين الأنظمة المتعددة تتواصل فيها أنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة عبر تمثيلات داخلية كامنة تشبه الأفكار. وتُظهر الدراسة أنه عندما تتواصل هذه الأنظمة عبر الأفكار الكامنة بدلاً من النصوص، فإنها تستطيع التنسيق بفاعلية أكبر، والوصول إلى توافق أسرع، وحل المشكلات بدقة أعلى.

وتُعد هذه الدراسة الأولى التي تبحث في كيفية استخدام الأفكار الكامنة للتواصل بين أنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة. كما أنها تقدم طريقة لاستعادة هذه الأفكار وتحليلها.

شارك في إعداد الدراسة كل من يوجيا تشنغ، وتشوكاي تشاو، وزيجيان لي، وياكي شيه، ومينغزي جاو، وليتشو تشانغ، وكون زانغ.

أعلم ما الذي تفكر فيه

يقول زيجيان لي، الباحث في مرحلة ما بعد الدكتوراة في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي وأحد المشاركين في إعداد الدراسة، إن فكرة الفريق جاءت نتيجة ملاحظة القيود في طريقة تواصل أنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة حالياً. فعندما تتعاون هذه الأنظمة مع بعضها بعضاً، يجري ذلك عادةً من خلال اللغة الطبيعية. واللغة قوية بطبيعة الحال، لكنها غير فعّالة، لأنها “تسلسلية وغامضة وغير دقيقة” على حد وصف الباحثين، الذين يشيرون إلى دراسات حديثة تُظهر أن العديد من حالات الإخفاق في التعاون بين الأنظمة المتعددة تعود إلى رسائل مبهمة أو مربكة.

يوضح لي أننا نعتمد على اللغة لأننا لا نستطيع تبادل الأفكار المعقدة بوسائل أخرى مثل التخاطر. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة فليست مقيدة بهذه القيود، وربما تكون قادرة على تبادل الأفكار بصورة أبسط. وربما يمكنها تجاوز “عنق الزجاجة اللغوي الذي يحدث عادة في التواصل الشبيه بتواصل البشر”.

في الإطار الذي طوّره الفريق، تشير الأفكار الكامنة إلى البنية الأساسية التي يقوم عليها استدلال النظام أو عملية اتخاذ القرار لديه. ويصفها لي بأنها تمثيلات عالية السعة للحالة الداخلية للنموذج مجردة من أي صيغة لغوية محددة.

الأفكار بدلاً من الكلمات

يطلق الباحثون على هذا الإطار اسم “ThoughtComm”، وهو يعمل من خلال استخراج الأفكار الكامنة من الحالات الداخلية لأنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة قبل حدوث عملية التواصل. ثم تُشارك هذه الأفكار بصورة انتقائية وفق مدى صلتها بالموضوع. فبعضها يمثل أرضية مشتركة مفيدة لأكثر من نظام، بينما يكون بعضها الآخر خاصاً أو فريداً بأنظمة معينة. وتشبه هذه الفكرة الطريقة التي قد يتعامل بها شخصان مع مشكلة معينة من منظورين مختلفين. فقد تتقاطع بعض أفكارهما حول كيفية حل المشكلة، بينما تختلف أفكار أخرى بينهما.

وفي الدراسة، يوضح الباحثون الفكرة من خلال مثال لنظامين مكلفين بتحديد أفضل وسيلة نقل للذهاب إلى المطار بقصد السفر بالطائرة. حيث ينتج النظامان أفكاراً كامنة مرتبطة بالسرعة، لكن أحدهما يولد فكرة كامنة تتعلق بالأمتعة، بينما يولد الآخر فكرة تتعلق بالوصول في الموعد المحدد. وهذا الاختلاف يؤدي إلى قرارات مختلفة. فالنظام الذي يعطي أولوية لنقل الأمتعة يختار سيارة أجرة، بينما يختار الآخر القطار.

يجيب كل نظام عن السؤال نفسه من خلال اختيار مجموعة فرعية من الأفكار الكامنة. فالنظام الأول يختار السيارة استناداً إلى الحاجة إلى نقل الأمتعة، بينما يختار النظام الثاني القطار بسبب ضرورة الوصول في الموعد المحدد. وفي الوقت نفسه يشترك النظامان في فكرة السرعة.

بالنسبة لأي نظامين، يستطيع هذا الإطار تمييز الأفكار الكامنة المشتركة وتلك الخاصة بكل نظام. ومن خلال تحليل النتائج عبر أزواج مختلفة من الأنظمة، يحدد النظام كيفية توزيع الأفكار الكامنة على مجموعة من الأنظمة.

ويتحقق ذلك من خلال وحدة تُعرف باسم المُشفر التلقائي المنظم بالتناثر تستخرج الأفكار الكامنة من الحالات الخفية للنظام وتستنتج العلاقة الأساسية بين الأنظمة وأفكارها. وهذه الطريقة تتيح للأنظمة فهم ما تفكر فيه الأنظمة الأخرى والاستدلال على الأفكار المشتركة وتلك الخاصة بكل نظام.

تقوم الفكرة الأساسية على إمكانية تبادل هذه الأفكار الكامنة بين النماذج بدلاً من تبادل النصوص، مما يؤدي إلى تواصل أكثر مباشرة وأقل غموضاً. وقد صاغ الباحثون هذه العملية في إطار نموذج توليدي تُنتج فيه حالات الأنظمة من خلال الأفكار الكامنة عبر دالة غير معروفة. كما أنهم يبرهنون أن الأفكار المشتركة والخاصة على حد سواء “تعكس البنية الداخلية الحقيقية لاستدلال الأنظمة”.

تقوم هذه الطريقة على افتراض مفاده أن أي نظامين يستخدمان النموذج الأساسي نفسه سينتجان بعض الأفكار المشتركة وبعض الأفكار الخاصة. فالتشابهات تعود إلى بنية النموذج المشتركة وبيانات التدريب المسبق، بينما تنشأ الاختلافات نتيجة عوامل مثل التفضيلات المتعلمة التي لا تشترك فيها جميع الأنظمة، وفق ما يوضحه لي.

اختبار الإطار “ThoughtComm”

اختبر الباحثون عدة نماذج لغوية باستخدام مجموعتي البيانات المعياريتين الرياضيتين “MATH” و”GSM8K”، وذلك وفق أساليب تعاون مختلفة شملت الإجابة الفردية، والضبط الدقيق متعدد الأنظمة، والإطار “ThoughtComm”. وقد أظهرت النتائج أن أداء الإطار “ThoughtComm” كان أفضل من الأسلوبين الآخرين في كلا المجموعتين المعياريتين.

فقد حقق الإطار “ThoughtComm” تحسناً بنسبة 67.23% مقارنة بأسلوب الإجابة الفردية، وبنسبة 19.06% مقارنة بأسلوب الضبط الدقيق متعدد الأنظمة، وهو الأسلوب الذي يمثل حالياً أفضل أداء متاح في هذا المجال. ومع استخدام النموذج “Qwen 3-1.7B”، سجل الإطار “ThoughtComm” دقة بلغت 93% في مجموعة البيانات المعيارية “MATH”، بزيادة مطلقة قدرها 17.2% مقارنة بالضبط الدقيق متعدد الأنظمة.

كما وجد الباحثون أنه عند النظر إلى قدرة الأنظمة على الوصول إلى توافق، تفوق الإطار “ThoughtComm” على جميع النماذج الأساسية، وهو ما يشير بحسب وصفهم إلى “تحقق درجة أعلى من التوافق بين الأنظمة بفضل التواصل الفعّال المباشر بين الأنظمة”.

وعلى الرغم من أن هذه النتائج تُظهر الإمكانات الكبيرة لهذه الطريقة في مجال التعاون بين الأنظمة المتعددة، فإن لي يشير إلى وجود بعض الحالات التي لم تتفوق فيها الطريقة الجديدة على طرق التواصل التقليدية القائمة على اللغة. على سبيل المثال، لم يكن أداء الإطار “ThoughtComm” بنفس مستوى الطرق التقليدية في الحالات التي تتطلب حل المشكلات الإبداعية والمفتوحة. وفي هذا الصدد يقول لي: “قد لا تكون التمثيلات الكامنة غنية أو قابلة للتفسير بقدر اللغة الطبيعية في هذه الحالات، خاصة عندما تحتاج النماذج إلى الدخول في حوار دقيق أو في أنماط من الاستدلال يصعب التعبير عنها في صورة كامنة خالصة”.

إمكانات تتجاوز النصوص

تتمثل إحدى نقاط القوة الرئيسية لهذا الإطار في أنه لا يرتبط حصراً بالنصوص، ويمكن تطبيقه أيضاً على الصور أو الصوت أو حتى البيانات التي تجمعها أجهزة الاستشعار. وهذا يتيح لأنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة التنسيق في مهام تتطلب معلومات حسية أكثر تعقيداً، أو تنطوي على أنشطة مثل التحكم في الروبوتات، والتعرّف على الأجسام، أو تفسير المشاهد الطبيعية.

ومع تطلع الباحثين إلى المستقبل، فإنهم يتصورون إمكانية استخدام هذه الطريقة بشكل يتيح التواصل بين أعداد كبيرة من الأنظمة، حيث يؤكد لي أنه إذا كان المستقبل سيشهد وجود المليارات، وربما التريليونات، من أنظمة الذكاء الاصطناعي المساعدة التي تعمل على عدد لا يحصى من المهام، فمن المرجح أن تحتاج هذه الأنظمة إلى وسيلة للتواصل أكثر كفاءة من اللغة البشرية. ويختم كلامه قائلاً: “من خلال تجاوز النصوص ومشاركة التمثيلات الداخلية مباشرة، يمكننا تمهيد الطريق أمام أنظمة متعددة أكثر تقدماً وذكاءً وقدرة على التكيف”.

أخبار ذات صلة

thumbnail
الخميس، 25 ديسمبر 2025

الذكاء الاصطناعي وكيف تخيله الفن السابع على مر العقود

لطالما استخدم صانعو الأفلام الذكاء الاصطناعي للتعبير عن آمال البشر ومخاوفهم، وطرح أسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية.

  1. الذكاء الاصطناعي ,
  2. الفن السابع ,
  3. السينما ,
  4. الخيال ,
  5. الخيال العلمي ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الاثنين، 08 ديسمبر 2025

مقياس جديد يساهم في تحسين أداء خوارزميات تخطيط مسار مركبات التوصيل ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية

مقياس مبتكر لتقييم أداء خوارزميات تخطيط مسارات مركبات التوصيل، يساهم في تعزيز كفاءة وفعالية الخدمات اللوجستية الحديثة.

  1. المؤتمرات ,
  2. neurips ,
  3. الرؤية الحاسوبية ,
  4. البحوث ,
  5. اللوجستيات ,
  6. مقياس معياري ,
  7. خدمات التوصيل ,
  8. تعلّم الآلة ,
اقرأ المزيد