كيف سيتشارك البشر والأنظمة الذكية العالم نفسه؟ كان هذا السؤال المحوري الذي طُرح خلال الندوة الأولى للتفاعل بين الإنسان والحاسوب التي استضافتها جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في أبوظبي وجمعت نخبة من المفكرين لمناقشة كيفية العيش والعمل إلى جانب الذكاء الاصطناعي.
وقد جاءت الندوة التي تُعد الأولى من نوعها تحت عنوان “مستقبل الإنسان”، وقادتها الدكتورة إليزابيث تشرشل، رئيسة قسم التفاعل بين الإنسان والحاسوب وأستاذة هذا التخصص في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي. وابتعدت الندوة عن التركيز المعتاد على الخوارزميات والبنية التحتية، مسلطة الضوء على البشر والمجتمعات التي تتأثر بهذه التكنولوجيا.
تقول تشرشل: “يدرك الناس أن الذكاء الاصطناعي سيغيّر كل شيء. وقد بدأ العالم يتنبه إلى أن للجميع دوراً في رسم المسار المستقبلي للذكاء الاصطناعي”.
وترى تشرشل أن هذا الوعي المتزايد يجعل مجال التفاعل بين الإنسان والحاسوب ضرورة لا غنى عنها. فمع تحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أنظمة أكثر قدرة على الحوار وأكثر حضوراً في الحياة اليومية، أصبحت الحاجة إلى أبحاث تربط تصميم التكنولوجيا بالاحتياجات الإنسانية الفعلية وبالرفاه طويل الأمد أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وهي توضح ذلك قائلة: “يبدأ مجال التفاعل بين الإنسان والحاسوب دائماً بالسؤال الأول: ما هي الغاية؟ فإذا بُنيت التكنولوجيا دون التفكير في الغاية منها، أو في الأشخاص الذين يُفترض أن تخدمهم، أو في كيفية دمجها في حياة الناس، فإننا سننتهي إلى أدوات غير مرغوب فيها، أو غير مفيدة، أو قد تكون ضارة أحياناً”.

تضمنت ندوة التفاعل بين الإنسان والحاسوب التي استمرت يومين ورش عمل وجلسات مكثفة.
نُظِّمت الندوة بشكل يهدف إلى تحقيق نتائج ملموسة، حيث جمعت بين الكلمات الرئيسية والعمل الجماعي المكثف. وافتتح نائب رئيس شركة “جوجل” وخبير التصميم فيها ماتياس دوارتي فعاليات اليوم الأول من خلال استعراض الجوانب التصميمية الأساسية لتطوير واجهات وتفاعلات ناضجة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بينما شهد اليوم الثاني كلمة لوالتر ويرزوفا، الأستاذ في جامعة الموسيقى والفنون الأدائية في فيينا، تناولت القواسم المشتركة بين الصوت والموسيقى والذكاء الاصطناعي في دعم رفاه الإنسان. كما تطرقت الجلسات الحوارية إلى موضوعات أعمق تتعلق بالصحة والحوكمة المتمحورة حول الإنسان والأوجه المتعددة للبيانات.
وتؤكد مارتا ري بابارو، عضوة المجلس الاستشاري في كلية المعلومات بجامعة ميشيغان، أن هذا التجمع مثّل لحظة تغيير هائل، قائلة: “لدينا اليوم تكنولوجيا جديدة تتصرف على نحو مختلف عن جميع أشكال التكنولوجيا التي درسناها من قبل. وما قامت به إليزابيث من خلال هذه الندوة يُعد حدثاً تاريخياً في هذا المجال، حيث جمعت أبرز المفكرين من مختلف أنحاء العالم للنظر بجدية في القضايا المهمة وكيفية العمل معاً لمعالجتها. حتى الآن، كان البشر هم من يسيطرون على التكنولوجيا؛ كنا نعرف ما سيحدث إذا ضغطنا زرّاً أو أدخلنا بعض المعلومات. أما اليوم، فقد أصبحت العلاقة حواراً متدفقاً بين التكنولوجيا وبيننا نحن البشر، ولم ندرس بعد بصورة كافية كيف تتشكل هذه التفاعلات وتتطور على المستوى الإنساني، فضلاً عن المستوى التكنولوجي والاجتماعي”.
وبناءً على خبرتها بوصفها المؤسسة المشاركة لأكاديمية “Design Sprint” والرئيسة العالمية السابقة للأبحاث والرؤى في نظام “ChromeOS” في شركة “جوجل”، طرحت ري بابارو على المشاركين البالغ عددهم 58 هدفاً طموحاً يتمثل في تأليف كتاب مشترك خلال 48 ساعة فقط. وهي تقول في هذا الشأن: “استخدمنا منهجية العمل الجماعي المكثف لجمع كل هؤلاء الأشخاص ووضع هدف جذاب يتمثل في كتابة هذا الكتاب خلال يومين. وقسمنا المشاركين إلى ستة فرق متعددة التخصصات، ركّز كل منها على مجال مختلف من مجالات الذكاء الاصطناعي والتفاعل بين الإنسان والحاسوب، بدءاً من علم النفس والأخلاقيات وصولاً إلى التنظيم وتجربة المستخدم، وهي جميعها جوانب سنحتاج إلى أخذها في الاعتبار مع تقدمنا في عملنا كباحثين في هذا المجال”.
ترى تشرشل أن التفاعل بين الإنسان والحاسوب يُعد علماً تطبيقياً يربط بين الجانب الفني والحياة اليومية. فالهدف لا يقتصر على إمكانية التنفيذ الهندسي، بل يتجاوز ذلك إلى فهم تأثير التكنولوجيا على السلوك والمجتمع والفرص. وتوضح ذلك بقولها: “بصفتنا مصممين وباحثين نركز في عملنا على الجانب الإنساني، فإننا نرصد الاستخدامات العملية، حيث تدعم التكنولوجيا الممارسات المستدامة وتندمج بسلاسة في الحياة اليومية، سواء كان ذلك في الصف الدراسي أو العيادة أو المنزل أو الفضاء العام”.
كما تشير إلى أن هذا المنظور يكتسب أهمية خاصة في مناطق مثل الشرق الأوسط، حيث تتفاوت مستويات الوصول إلى التكنولوجيا الرقمية وتختلف أنماط تبني المجتمعات لها. وتضيف قائلة: “يركز مجال التفاعل بين الإنسان والحاسوب على الأغلبية غير المتخصصة في الجوانب الفنية، وينقل محور الاهتمام من مطوري البرمجيات إلى الأشخاص الذين تتأثر حياتهم بالتكنولوجيا. وهذا يقتضي أن نتجاوز جاذبية العمل الهندسي المعقد لنركز على المستفيدين الحقيقيين، وأن نضمن عدم بناء التكنولوجيا لمجرد قدرتنا على ذلك، بل لأنها تخدم واقع من سيعيشون معها”.
سلطت الندوة الضوء على المكانة المميزة لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، التي تعمل، بصفتها أول جامعة في العالم مكرسة بالكامل للذكاء الاصطناعي، على بناء قسم التفاعل بين الإنسان والحاسوب فيها من نقطة انطلاق جديدة، بعيداً عن القيود المؤسسية التقليدية، وبما يتوافق مع واقع الأنظمة الذكية.
وفي هذا الصدد تقول تشرشل: “نركز منذ اليوم الأول على استقطاب أشخاص يتمتعون بفضول تقني، ويمكنهم العمل في بيئة متعددة التخصصات، ولديهم اهتمام عميق بتقييم تأثير التكنولوجيا في الحياة اليومية”، مشيرة إلى أن مجال التفاعل بين الإنسان والحاسوب في الجامعة يمثل نقطة التقاء بين الأبحاث المتقدمة في الذكاء الاصطناعي والمجتمعات المتنوعة التي ستتعايش مع هذه الأنظمة.
وتتابع كلامها قائلة: “غالباً ما يكون العاملون في مجال التفاعل بين الإنسان والحاسوب مدافعين عن الأصوات التي لا يُستمع إليها عادة في تصميم التكنولوجيا. وطبيعة جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تتيح لنا إجراء هذه الحوارات بصراحة، وفي منطقة من العالم ما تزال الأطر التنظيمية والمجتمعية للذكاء الاصطناعي فيها في طور التشكل”.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يتسارع التحول الرقمي وتؤثر التكنولوجيا الجديدة على نطاق وطني واسع، يصبح فهم كيفية تبني هذه التكنولوجيا أمراً بالغ الأهمية. وقد أشارت الندوة إلى استعداد جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي لقيادة هذا المسار نحو مستقبل تتطور فيه الأنظمة الذكية واحتياجات الإنسان جنباً إلى جنب.
ويأتي الاحتفاء بهذه المناسبة تحت شعار "رِيادة المستقبل بالذّكاء الاصطناعي والعُلوم للإنسانية"، تجسيداً لمسيرة السنوات الخمس (2020–2025).....
جمع البرنامج التجريبي الذي امتد ستة أسابيع الخريجين والطلبة لتحويل أفكارهم الريادية المبكرة إلى مشاريع ملموسة قابلة.....
لطالما استخدم صانعو الأفلام الذكاء الاصطناعي للتعبير عن آمال البشر ومخاوفهم، وطرح أسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية.