في وقتٍ أصبح فيه الذكاء الاصطناعي ركيزة أساسية في الاقتصادات المتقدمة، يواصل أبناء الإمارات تأكيد حضورهم في صدارة المشهد؛ إذ يعمل كلٌّ من سلطان المنصوري وهند المرزوقي على تطوير مهاراتهما المهنية عبر الالتحاق ببرنامج الماجستير في الذكاء الاصطناعي التطبيقي في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي – أحد أبرز الصروح الأكاديمية المتخصصة في هذا المجال.
ويمثّل وجودهما ضمن الدفعة الافتتاحية للبرنامج خطوة تعكس إصرار الكفاءات الإماراتية على اكتساب المعرفة المتقدمة وتطبيقها في مسارات تخدم أولويات الدولة. كما يعكس التزاماً واضحاً بالرغبة في الاسهام في تعزيز مكانة أبوظبي كمركز عالمي للابتكار وتطوير الذكاء الاصطناعي، وليس مجرد نقطة إقليمية على خارطة التكنولوجيا.
إن اختيار عدد كبير من الكوادر الإماراتية الالتحاق بالجامعة يعكس إدراكا بأهمية التحول من المعرفة النظرية إلى المعرفة التطبيقية التي من شأنها إحداث أثر فعلي في بيئات العمل في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي أداة استراتيجية لا غنى عنها، وضرورة تحتم اكتساب مهارات متخصصة تمكن من ربط البحث العلمي بالتحديات الواقعية.
ويصف سلطان – أخصائي أول في تمكين الذكاء الاصطناعي في شركة “مبادلة” – تجربته في هذا البرنامج بقوله:
“معرفة الذكاء الاصطناعي شيء، وتطبيقه شيء مختلف تماماً.. ومشاركتي في هذا البرنامج أتت متماهية مع طموحي للإسهام في تحويل أبوظبي إلى منصة عالمية للذكاء الاصطناعي، وليس مجرد نقطة إضافية على خارطة التكنولوجيا.“
أما هند – محللة البيانات في صندوق أبوظبي للمعاشات – فتشير إلى أن اختيارها للبرنامج جاء بدافع الحاجة المهنية المباشرة، خصوصاً في ظل توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي في الخدمات الحكومية – وتوضح: “نحن نعيش مرحلة تتسارع فيها المتطلبات، والمعرفة التطبيقية أصبحت ضرورة لا ترفاً.. وأعتقد أن التحاقي بالبرنامج سيساعدني على نقل المشاريع من مرحلة النموذج التجريبي إلى خدمات تشغيلية فعالة ذات قيمة مضافة واضحة وسريعة”.
يشار إلى أن برنامج الماجستير في الذكاء الاصطناعي التطبيقي، يعد برنامجاً قويا بطبيعته التي تجمع بين المعرفة النظرية والتدريب العملي، وقدرته على سد الفجوة بين الابتكار العلمي ومتطلبات السوق، ما يمنحه أهمية خاصة في سياق التوجه الوطني للتحول الرقمي.
دخل كل من سلطان وهند البرنامج بخلفيات مهنية قوية، لكن التحديات اليومية في عملهما كانت الدافع الأكبر للتعمق في هذا التخصص؛ فسلطان، الذي يعمل في قطاع يعتمد على تدفق هائل من البيانات، رأى أن هناك فرصاً كبيرة ما تزال غير مستغلة يمكن للذكاء الاصطناعي فتحها – ويقول: “إن التعامل مع كميات ضخمة ومتزايدة من البيانات مسألة معقدة، لكن جميع القطاعات – وليس فقط الاستثمار – يمكنها تجاوز هذه التعقيدات والتطور عبر تسخير قدرات الذكاء الاصطناعي وامكانياته”.
ومن جانبها تواجه هند تحدياً مختلفاً يتمثّل في طبيعة عملها في قطاع خدمي حساس. ويكمن التحدي الأساسي، بالنسبة لها، في نقل النماذج التجريبية الناجحة إلى أنظمة عملية – وتوضح: “التحدي دائماً هو الانتقال من الفكرة إلى الإنتاج.. ومشاركتي في البرنامج تمنحني أدوات لمساعدتي في رفع هذا التحدي.. وأعتقد أن الفرصة تكمن في تبسيط الإجراءات وتحويلها إلى خطوات واضحة قابلة للتطبيق على نطاق واسع”.
تجربة فاقت التوقعات
يرى كل من سلطان وهند على أن البرنامج لم يلبِّ توقعاتهما فحسب، بل تجاوزها، سواء من حيث جودة التدريب العملي أو البيئة التعاونية التي شكّلت جزءاً محورياً في رحلتهما في هذا البرنامج – ويقول سلطان: “كان التركيز على التطبيق العملي أكبر مما توقعت، وهذا ما مكّنني من فهم جوهر الذكاء الاصطناعي التطبيقي.. ورغم صعوبة التوفيق بين العمل والدراسة، إلا أن الدعم الجماعي من الزملاء صنع فرقاً واضحاً.“
ومن جانبها أضافت هند: “كنت أتوقع برنامجاً عملياً، وهذا ما وجدته.. لكن ما لم أتوقعه هو حجم ما تعلّمته من زملائي، حيث إن تنوّع الخبرات داخل الدفعة أثرى طريقة تفكيري بقدر ما أضافه الأساتذة وفرص العمل على تطوير نماذج تجريبية أولية”.
شكل الجانب التطبيقي الواضح في البرنامج عاملاً رئيساً في نجاح تجربة كل من سلطان وهند اللذين يؤمنان بأن التعلّم لا يبقى داخل القاعات الدراسية، بل يصحبهما أيضاً في بيئة العمل.
وبالنسبة لـ سلطان، فإن القيمة الحقيقية للبرنامج تكمن في ربط المفاهيم بالواقع بطريقة مباشرة – ويقول: “التعلّم لا يكتمل بالمحاضرات وحدها كما أن الإنسان لا يتقن ما يتعلمه إلا بالممارسة.. وأهم ما نكتسبه هنا هو القدرة على تطبيق الذكاء الاصطناعي في أي نطاق يحتاجه عملنا”.
ومع تولّيه دوراً جديداً في مختبر الذكاء الاصطناعي في شركة “مبادلة”، وجَد سلطان أن أثر محتوى البرنامج ينعكس فوراً على عمله اليومي ويوضح: “إن تزامن انضمامي للبرنامج مع توسع مسؤولياتي، كان له بالغ الأثر على كل خطوة جديدة أخطوها في المختبر وما كانت تتطلب من مهارات وأدوات عمل جديدة اكتسبتها في هذا البرنامج”.
أما هند، فترى أن البرنامج قدّم لها تجربة تعليمية تجمع بين الفضول والانضباط والتجربة العملية – وتقول: “أحمل عقلية الطالبة معي أينما ذهبت، لكن داخل الجامعة يكون الفضول أعمق والرغبة في التعلم أكبر وهذا ما يجعل التجربة ملهمة”.
وتتابع موضحة أن البرنامج يتميّز بإيقاع سريع وحضور قوي للمجتمع الأكاديمي حيث تقول أن: “القيمة لا تأتي فقط من المحتوى، بل من قربنا من الأساتذة ومن سرعة التطوير، حيث إن بعض الأفكار تتغير وتتبلور خلال ساعات لا أسابيع“.
وتؤكد هند أن قوة البرنامج تكمن في مزيجه المتوازن بين العمق العلمي والواقعية العملية – وتقول: “يتسم البرنامج بطابعه التطبيقي، لكنه يحافظ على أساس علمي راسخ، حيث تقدم المختبرات تجارب تحاكي تحديات العمل الحقيقي، فيما تتيح الفصول الدراسية الصغيرة تفاعلاً مباشراً”.
يمضي كلٌّ من سلطان وهند في رحلتهما مع الذكاء الاصطناعي برؤية تتجاوز حدود التطوير المهني، نحو الإسهام في بناء منظومة وطنية متقدمة قادرة على قيادة التحول الذي تشهده دولة الإمارات في هذا المجال.
ويرى سلطان أن دوره في “مبادلة” يأتي في لحظة مفصلية تشهد فيها المؤسسة توسعاً كبيراً في تبنّي الذكاء الاصطناعي لتعزيز قرارات الاستثمار وصياغة مستقبل الشركة – ويقول: “ تتحرك مبادلة بسرعة في اتجاه اعتماد الذكاء الاصطناعي، ويسعدني أن أكون جزءاً من الفريق المؤسس لهذا التوجه الاستراتيجي الذي يفتح آفاقاً جديدة لبناء قيمة مستدامة.”
ويمثل ما اكتسبه سلطان من البرنامج سنداً عملياً لتسريع هذا التوجه، عبر توظيف الذكاء الاصطناعي في عمليات التحليل، والتخطيط، واتخاذ القرار.
أما المرزوقي، فتركز على بناء منظومة مؤسسية متكاملة تجعل الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من دورة العمل في القطاع الحكومي. وتوضح رؤيتها: “هدفي هو تأسيس مركز تميز للذكاء الاصطناعي، وتطوير خدمات قابلة لإعادة الاستخدام مثل التقييم والتوقع والإرشاد، مع تعزيز الحوكمة ودمج ممارسات MLOps وبناء فرق تمتلك المهارات اللازمة.”
وتشير هند في معرض كلامها إلى خطوات عملية تشمل تحويل أحسن التطبيقات العملية إلى خدمات، وبناء مكونات مشتركة كالنماذج الجاهزة وقواعد البيانات، وتنظيم ورش عمل تساعد حتى الفرق غير التقنية على تبنّي التقنيات واستخدامها بكل ثقة.
مع توسّع دائرة استخدام الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، يلاحظ كلٌّ من سلطان وهند أن التحول التقني لا يغيّر طرق العمل فقط، بل يعيد تشكيل مفهوم القيادة نفسه، ويفتح الباب أمام نماذج جديدة من التأثير وصناعة القرار.
ويرى سلطان أن الذكاء الاصطناعي يخفف من الفجوة التي كانت الخبرة تشكلها، ويمنح الشباب فرصة أسرع للقيادة القائمة على المعرفة والتحليل – ويقول: “خلال السنوات المقبلة، سنشهد عدداً أكبر من القادة الشباب؛ فالذكاء الاصطناعي يقلل أثر سنوات الخبرة ويجعل التفكير التحليلي أكثر أهمية”.
وترى هند أن مفهوم القيادة يشهد تحولاً جذرياً في ظل التطورات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد القائد يعتمد على التوجيه المباشر بقدر ما يستند إلى قدرته على تمكين فرق العمل، وبناء منصات مشتركة تعزز التعلم المستمر وتسرّع وتيرة التطور. وتوضح هند رؤيتها قائلة إن الذكاء الاصطناعي “ينقل القادة من موقع الآمر والموجّه إلى موقع صانع البيئة الداعمة”، مضيفة أن هذا التحول يقلل من مركزية القرار ويزيد من أهمية التنسيق الذكي بين البيانات والفرق والخدمات التي تتطور بشكل متزامن.
تؤكد هند أن التنوع الذي تحتضنه جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي يشكّل أحد أهم عناصر تميّزها، إذ يضيف لتجربة التعلّم عمقاً يتجاوز حدود القاعات الدراسية – وتوضح قائلة: “الجامعة تجمع بين قوة البحث العلمي والاهتمام بالقضايا المؤثرة مجتمعياً، وهذا ما يجذب الأشخاص الراغبين في بناء أنظمة تُحدِث قيمة حقيقية، لا مجرد إضافة ورقة بحثية جديدة.”
وتلفت هند النظر إلى أن بيئة الجامعة تسهّل انتقال الأفكار إلى حيّز التطبيق العملي بشكل أسرع وأكثر وضوحاً، مضيفة: “تربط الجامعة الطلاب مباشرة بالهيئة الأكاديمية، وبالبنية التحتية الحاسوبية المتقدمة، وبشركاء من جهات حكومية وصناعية.. وتجعل هذه المنظومة دورة تطوير الفكرة — من المفهوم إلى التجربة — أكثر سرعة وتنظيماً.. كما أن ثقافة العمل هنا قائمة على الشفافية والقياس والمسؤولية؛ وهي عناصر أساسية لبناء ذكاء اصطناعي يثق به المجتمع ويستخدمه فعلياً.”
أما سلطان، فيوجّه نصيحة مباشرة للمهنيين الراغبين في دخول هذا المجال – قائلا: “من المهم أن يحب الإنسان الذكاء الاصطناعي، لا أن يتعامل معه كموضة عابرة.. الذكاء الاصطناعي ليس ظاهرة جديدة، والتميّز فيه يتطلّب شغفاً حقيقياً بما تقوم به.”
ويقدّم برنامج الماجستير في الذكاء الاصطناعي التطبيقي بالجامعة نموذجاً مصمّماً خصيصاً للمهنيين، من خلال نظام دوام جزئي يشمل حصصاً مسائية وخلال عطلات نهاية الأسبوع، ما يمنح الدارسين فرصة للارتقاء بمهاراتهم من دون الإخلال بالتزاماتهم الوظيفية – باب التقديم لفصل خريف 2026 مفتوح الآن وهي فرصة جديدة للراغبين في الانضمام إلى واحد من أبرز البرامج المتخصصة في الذكاء الاصطناعي التطبيقي في المنطقة.
ويأتي الاحتفاء بهذه المناسبة تحت شعار "رِيادة المستقبل بالذّكاء الاصطناعي والعُلوم للإنسانية"، تجسيداً لمسيرة السنوات الخمس (2020–2025).....
ورشة عمل "الذكاء الاصطناعي من أجل الجنوب العالمي" تجمع أصواتاً متنوعة من مختلف القارات لصياغة ملامح التحديات.....
في إطار سلسلة المحاضرات المتميزة في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، ناقش السير مايكل برادي مستقبل.....