بناء الجسور العصبية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي - MBZUAI MBZUAI

بناء الجسور العصبية بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

الاثنين، 10 نوفمبر 2025

بالنسبة إلى أوليفييه أولييه، بدأ شغف العلومُ لديه من تأمل السكون. ففي طفولته جنوب فرنسا، شُخِّصت حالته تشخيصاً خاطئاً منعه لفترةٍ من الجري أو ممارسة الرياضة، فأخذ عوضاً عن ذلك يتأمل ويراقب اللاعبين.

يقول أولييه وهو أستاذٌ زائرٌ ممارس في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي في التفاعل بين الإنسان والحاسوبمسترجعاً ذكرياته “لم أستطع اللعب، فبدأت أُراقب، فحاولتُ توقُّع ما سيفعله الناس تالياً، وكيف يتفاعلون مع بعضهم البعض ومع البيئة من حولهم. أظنّ أن تلك كانت أول تجربة لي في جمع البيانات”.

ذلك الفضول الهادئ تحوّل إلى مسعى حياتي لفهم الدماغ البشري والسلوك، وتُوِّج هذا السعي بتصميم وطرح تقنيات تُراقب وتتنبأ بكيفية تعاملنا مع الآلات واتخاذنا للقرارات.

بدأ أولييه بدراسة علم الحركة قبل أن ينتقل إلى علم الأعصاب وتصوير الدماغ الوظيفي، مستكشفاً ديناميات التنسيق والإدراك المُتجسّد: فكرة أن الأفكار والمشاعر متجذّرةٌ في الجسد وتفاعلاته مع البيئات. وبعد نيله درجة الدكتوراه وإتمامه أبحاث ما بعد الدكتوراه في الأنظمة المعقّدة في الولايات المتحدة، أصبح لاحقاً أستاذاً حاصلاً على رتبة التثبيت الأكاديمي في علوم السلوك والدماغ بجامعة إيكس‑مارسيليا في فرنسا.

نقطة التحول الكبيرة حدثت حين أسند إليه رئيس وزراء فرنسا مهمة تصميم وقيادة أول برنامجٍ على الإطلاق للبلاد في علوم الأعصاب والسياسة العامة، فقاده نجاح هذا البرنامج إلى اختياره كأحد القادة العالميين الشباب من قبل المنتدى الاقتصادي العالمي.

يقول أولييه: “ذلك التكريم غيّر كل شيء، فللمرة الأولى، كنت محاطاً بأشخاص لا يرفضون رؤيتي متعددة التخصصات لجعل واجهات الدماغ والحاسوب سلعةً يومية؛ بل شجّعوها ومنحوني سبل تحويلها إلى واقع”.

في المنتدى الاقتصادي العالمي، أصبح أولييه الرئيس العالمي للصحة وصناعات الرعاية الصحية، وصمّم وقاد أكبر تحالف للرعاية الصحية القائمة على القيمة حتى الآن عبر شراكاتٍ بين القطاعين العام والخاص لمعالجة عدم الاتساق في تقديم الرعاية لخفض التكاليف وتحسين نتائج المرضى.

لاحقاً، بصفته رئيس شركة EMOTIV الرائدة في تقنيات الأعصاب في كاليفورنيا، ساعد أولييه في إدخال علوم الأعصاب إلى الحياة اليومية عبر أجهزةٍ عصبية قابلة للارتداء بأسعارٍ معقولة، بما فيها أول سدّادات أذن مُستشعِرة للدماغ للاستخدام التجاري، ومنصةٍ لجمع بيانات الدماغ عن بُعد على نطاقٍ واسع.

اندماج الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط مع واجهات الدماغ والحاسوب

في عام 2022، شارك أولييه في تأسيس شركة Inclusive Brains (أدمغة شمولية)، التي طورت نموذج أساسٍ عصبي وأنظمة ذكاءٍ اصطناعي مساعدة متعدد الوسائط تُمكن الآلات والبيئات الرقمية من استشعار من هم مستخدموها، وكيف يشعرون، وماذا يفعلون.

وعلى خلاف النماذج المُدرَّبة على النصّ أو الصور فقط، يدمج نظامهم المحايد للأجهزة أيضاً إشاراتٍ عصبية‑فسيولوجية وسلوكية. فهو يجمع بين بيانات موجات الدماغ، وتتبّع العينين، وتعابير الوجه، ونبضات القلب، والصوت، والحركة، بما يتيح للآلات بناء تمثيلٍ للعالم أقرب إلى الذي يُشكّله دماغنا. وميزات هذا الابتكار تحويلية، بل هي مُغيرة للحياة لاسيما بالنسبة إلى أصحاب الهمم.

حق منتج شركة Inclusive Brains الذي أطلقت عليه اسم بروميثيوس واجهة الدماغ-الحاسوب وطُوِّر بالشراكة مع Allianz Trade، عدداً من السبق العالمي في واجهات الدماغ والحاسوب غير الجراحية (BCI) ، ومن بين إنجازاته اللافتة، مكّن أشخاصاً ذوي إعاقاتٍ معرفية وحركية شديدة من حمل الشعلة الأولمبية عبر هيكلٍ خارجيٍّ مُتحكَّمٍ به عقلياً، وإتمام صياغةٍ وتقديم تعديلٍ برلماني، والتواصل دون أيدٍ ولا صوت مع رئيس فرنسا إيمانويل ماكرون على منصّات التواصل الاجتماعي.

بالنسبة إلى أولييه، هذه الإنجازات التي تُجرى دائماً حيّاً أمام جماهير كبيرة ليست عروضاً، بل براهينٌ على ما هو ممكن.

“تمكّن واجهات الدماغ والحاسوب من التحكّم في الأشياء المتصلة، أو المركبات، أو محطات العمل من دون الحاجة إلى الكلام أو اللمس أو الحركة—وهو ما يُشار إليه غالباً بـالأوامر الذهنية”، يقول “صديقي رودريغو هوبنر مينديز تحكّم عقلياً بسيارة فورمولا 1 حقيقية على مضمارٍ حقيقي. وآخرون كتبوا رسائل أو عزفوا الموسيقى دون أن يتحركوا أو يتكلموا وكل ذلك بفضل واجهاتٍ عصبيةٍ غير جراحية مدعومةٍ بالذكاء الاصطناعي”.

“عملنا إذن ليس إمكانية الاستفادة من الخدمة فحسب؛ بل هو بمثابة تحقيق للإنصاف والعدل أيضاً. يجب أن يكون التصميم الشامل هو القاعدة المفترضة، لا الاستثناء. إن الذكاء الاصطناعي يجعل هذا ممكناً ليس في عروضٍ فردية وحسب، بل بطرقٍ قابلةٍ للتوسّع ومُيسّرة التكلفة للجميع. ومع ذلك، فإن الرحلة توسعة انتشار هذه الحلول بصورة حقيقية ليس بالأمر السهل”.

غالباً ما تُقدِّم وسائل الإعلام Inclusive Brains باعتبارها  “الحل للربط العصبي”، لكن أولييه أكثر تحفّظاً فيوضح “إن هدفنا هو جعل هذه التقنية في متناول الجميع لهذا حلولنا متوافقة مع مختلف الأجهزة وغير جراحية فهي لا تتطلب تدخلاً جراحياً ولا زرعات، وبالتالي يمكن استخدامها في مختلف البيئات اليومية”.

وعلى المدى الأبعد، يتصوّر أولييه ذكاءً اصطناعياً سياقياً: آلات لا تكتفي بمعالجة المعلومات بل تفهم الذاكرة والعواطف، وقادرة على تعيين العالم الذي تعمل فيه لتصبح متكيفةً وتنبؤيةً بحق. ولتحقيق هذا الهدف، اختبرت  Inclusive Brains و”آي بي إم” شريك جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، أكثر من  350,000 توليفةٍ خوارزمية ضمن شراكةٍ للبحث والتطوير تهدف إلى تحسين واجهات الدماغ والحاسوب باستخدام المعلوماتية الكمّية. ويلخص أولييه الأمر بقوله “لا تصبح العلوم ابتكاراً إلا عندما تلبي حاجةً إنسانيةً وحاجة في السوق، ولا يصبح الابتكار تقدّماً إلا حين يُحسّن الحياة”.

قسم التفاعل بين الإنسان والحاسوب في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي: حليمة بخش، لورا كوستن، إليزابيث تشرشل، أوليفييه أولييه.

التفاعل بين الإنسان والحاسوب في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي

خلال عام 2025، انضمّ أولييه إلى قسم التفاعل بين الإنسان والحاسوب  في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، تحت قيادة إليزابيث تشرشل.

كانت تشرشل في السابق مديرةً تنفيذيةً في غوغل، ولها خلفية كباحثةٍ رئيسية في شركاتٍ رائدة مثل شركات و”إيباي” و”ياهو” و”بارك”، وتُعدُّ من أبرز الأسماء في التفاعل بين الإنسان والحاسوب وأبحاث الأنظمة المعرفية.

يؤمن أولييه بأن الاكتشافات الكبرى القادمة في الذكاء الاصطناعي ستنبع من علوم الأعصاب، مع تركيزٍ رئيسي على التعاون المتعدد التخصصات. وبوجوده في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، فإنه يُحاط بباحثين عالميّي المستوى في الروبوتات، والرؤية الحاسوبية، وتعلّم الآلة، ومعالجة اللغة الطبيعية، وغيرها. ويعلق أولييه: “لا يمكنك أن تجد في أي مكانٍ آخر في العالم هذا العدد من أفضل باحثي الذكاء الاصطناعي يعملون معاً تحت سقفٍ واحد”.

ويستشهد أولييه بإصدار نظام الاستدلال المفتوح المصدر K2 Think من معهد النماذج الأساسية في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي دليلاً على ما يمكن أن يُحقّقه التعاون: علمٌ متقدّم، تصميمُ واجهات، استراتيجيةٌ سوقية، وتنفيذٌ لإطلاقٍ عالمي. بالنسبة للطلبة، يُعدُّ النظام الفريد في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي محوِّلاً للمسار: “يتخرّجون بمعايير تميّزٍ علمي، ويمكنهم أيضاً اكتساب مهارات تطوير المنتجات والدخول إلى السوق”.

في الرعاية الصحية، يتعاون مع “مجموعة بايو تيك  لطب الأسنان” لتطوير منتجات ذكاءٍ اصطناعي تُعزّز أداء الجرّاحين وتُحسّن العافية ونتائج المرضى. وفي جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، يركّز في أحد المسارات على كيف يمكن للذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط تحسين ديناميات التنسيق بين الجرّاحين والروبوتات داخل غرفة العمليات.

ويشير إلى أن “العمل يومياً مع أعلامٍ مثل إريك شينغ في تعلّم الآلة، وإليزابيث تشرشل في قسم التفاعل بين الإنسان والحاسوب، وسامي حدادين، يوشيرو ناكامورا وتشيزاري ستيفانيني في الروبوتات، وتيم بالدوين في معالجة اللغة الطبيعية، وإيان ريد وهاو لي في الرؤية الحاسوبية—والقائمة تطول—هو السبب الرئيس لوجودي في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي”.

في التعليم، إلى جانب تشرشل ومع الأستاذة المساعدة لورا كوستن في قسم التفاعل بين الإنسان والحاسوب، يطور بيئات تعلمٍ تكيفية تُعدّل إيقاعها وفق كل طالب، عبر التخصيص الفردي للتدريس الأكاديمي وكذلك التدريب المهني ورفع المهارات. وتكشف ابتكاراته المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الزمن الحقيقي حالات التوتر، والتركيز، والإجهاد، وفرط الحمل المعرفي لدى المستخدمين، وتتكيّف تبعاً لذلك لتعزيز الأداء مع الحفاظ على الصحة البدنية والنفسية سواءً في الفصول الدراسية، أو مستشفيات أبوظبي، أو مواقع البناء.

يهتم أولييه أيضاً بـالذكاء الاصطناعي المسؤول، ويوضح قائلاً “يتطوّر الذكاء الاصطناعي بإيقاع الاكتشاف والحوسبة والتنظيم، ومسؤوليتنا هي ضمان أن يظلّ الابتكار أخلاقياً، وشاملاً، ويعود بالنفع عل الجميع. بينما تقع على عاتق المنظِّمين مسؤولية ألا يُبطئوا أو أن يقوموا بما هو أسوأ من ذلك وهو إعاقة إطلاق ابتكاراتٍ مدعومةٍ بالذكاء الاصطناعي يمكن أن تحسّن حياة الناس أو حتى تنقذ الأرواح”.

من الملاحظات في ساحة المدرسة إلى أنظمة ذكاءٍ اصطناعي تكيفية، تبقى رسالة أولييه متمثلة في مد الجسور بين البيولوجي والاصطناعي. “الدماغ بمفرده لا ينفع؛ إنما يجد هدفه حين يتواصل ويشارك، والعلوم تعمل بالطريقة نفسها فوقود ازدهارها هو التعاون وليس العزلة”.

أخبار ذات صلة

thumbnail
الثلاثاء، 16 ديسمبر 2025

جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي تفتح باب التقديم لأول دفعة من برنامج الدكتوراه في التفاعل بين الإنسان والحاسوب

أعلنت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي عن فتح باب التقديم لأول دفعة من برنامج الدكتوراه في.....

  1. HCI ,
  2. Human–computer interaction ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الاثنين، 24 نوفمبر 2025

جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي ومؤسسة أبوظبي للموسيقى والفنون تستكشفان تأثير الذكاء الاصطناعي في الفنون خلال النسخة الرابعة من «مبادرة مَيْلس»

استضافت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع مؤسسة أبوظبي للموسيقى والفنون، النسخة الرابعة من مبادرتها.....

  1. collaboration ,
  2. art ,
  3. Mailis ,
  4. music ,
  5. creativity ,
  6. culture ,
  7. HCI ,
  8. partnership ,
اقرأ المزيد
thumbnail
الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

فهم معنى البيانات في عصر الذكاء الاصطناعي

الأستاذة المساعدة في مجال التفاعل بين الإنسان والحاسوب، لورا كوستن، توضح سبب سعيها لجعل فهم البيانات والتفاعل.....

  1. البيانات ,
  2. التفاعل بين الإنسان والحاسوب ,
اقرأ المزيد