باعتبارها واحدة من أسرع شركات الاستثمار نمواً في منطقة الشرق الأوسط، رسخت “شروق” مكانتها من خلال اكتشاف ودعم رواد الأعمال الذين يسهمون في تشكيل منظومة التكنولوجيا الإقليمية منذ المراحل الأولى لمسيراتهم. فمن التكنولوجيا المالية إلى الألعاب، وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي، نجحت “شروق” في التموضع عند نقطة تقاطع الابتكار والاستثمار، عبر ربط المؤسسين بمصادر التمويل وتحويل الأفكار إلى مشاريع عالمية.
ويقف في صميم هذه المهمة الدكتور بلال بالوش، الشريك في شركة “شروق” والمشارك في إدارة صندوقها العالمي المخصص للذكاء الاصطناعي بقيمة 100 مليون دولار بالتعاون مع شركة “بريسايت”. ويُعد بالوش – الذي بدأ مسيرته خبيراً في الاقتصاد السياسي قبل أن يصبح رائد أعمال ومستثمر – نموذجاً لمسيرة مهنية غير تقليدية تحمل في طياتها الكثير من الدروس الملهمة.
وعن مساره غير الاعتيادي هذا ذكر الدكتور خلال جلسة حوارية نظّمها “مركز حضانة وريادة الأعمال” التابع لجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي أنه يعتبر نفسه مستثمرا بمحض الصدفة تماماً بدأ مسيرته وأولى خطواته المهنية في مجال أبحاث السياسة الخارجية الأمريكية ومنها إلى العمل كمدير مكتب، ثم مرحلة الانتقال إلى المجال الأكاديمي. وبحثاً منه عن وتيرة عمل أسرع، اتجه الدكتور نحو مجال الاستشارات الاقتصادية العالمية، وهي الخطوة التي شكلت بالنسبة له نقطة لانطلاق رحلته الريادية.
يذكر أن بالوش قد شارك عام 2017 في تأسيس شركة Enquire AI، وهي منصة ذكاء أعمال مدعومة بالذكاء الاصطناعي يستفيد مستخدموها من خبرات المتخصصين في الوقت الفعلي، وعرفت توسعا سريعاً في الولايات المتحدة وآسيا. وقد أوضح الدكتور أن هذه التجربة منحته فرصة فريدة لمعاينة الكيفية التي تتقاطع بها الأبحاث والسياسات والتكنولوجيا، فضلاً عن الدور المحوري لرأس المال في تحفيز الابتكار.
يواصل اليوم بالوش دعمه للمؤسسين ومساعدتهم على خوض غمار هذه التجارب المعقدة من خلال محفظة أعمال شركة “شروق” المتنامية، والتي ارتفعت أصولها المدارة من مليوني دولار إلى 500 مليون دولار منذ عام 2017.
بالنسبة للباحثين والمؤسسين ذوي المهارات التقنية الذين يتأهبون أو يريدون دخول عالم ريادة الأعمال، شدّد بالوش على أهمية الإقدام على المخاطرة – ولكن ليس بمفردهم. وقال: “ابحثوا عن شركاء يمكنهم تعزيز أو استكمال مهاراتكم، وابحثوا عنهم في وقت مبكر”، مضيفاً أن “التحدي الأكبر يكمن في تحويل الأبحاث العالمية المستوى إلى منتجات جاهزة للسوق. كما ينبغي للمؤسسين ذوي المهارات التقنية البحث عن شركاء يفهمون السياسات، والتسويق التجاري، واستراتيجيات الدخول إلى السوق، وآليات التنفيذ”.
وتابع قائلاً: “يجب أن يكون هناك توازن بين الجانبين”، مشيراً إلى أن “شروق” ترى أن وجود أكثر من مؤسس أمر مرغوب فيه لهذا السبب أو يمكن تعلم هذه المهارات – وأضاف: “أنتم أكثر من مجرد تخصص دراسي أو وظيفة سابقة. لا تكونوا أسرى للسيرة الذاتية” – فالجميع يمكن أن يصبح رائد أعمال والأمر ليس حصرا على خريجي كليات الأعمال”.
يقول بالوش: “من أهم النصائح التي أقدمها للمؤسسين هي ضرورة الفهم العميق لكيفية عمل رأس المال ومعرفة من هم هؤلاء المستثمرون الذين تحصلون منهم على التمويل؟ ومن أين يحصلون على أموالهم؟ وما هو أفقهم الزمني؟ وكم هو المبلغ الذي ينوون استثماره؟”.
تعد هذه الأسئلة أسئلة جوهرية، إذ يتوقع المستثمرون تحقيق عوائد كبيرة، تصل أحياناً إلى 10 أو 100 ضعف استثماراتهم. وأوضح أن رأس المال الاستثماري ليس مالاً مجانياً؛ بل هو رأس مال محفوف بالمخاطر يأتي مع أفق زمني محدد للعائد، ولذلك يجب على المؤسسين أن يكونوا انتقائيين في اختيار المستثمرين تماماً كما يكون المستثمرون انتقائيين في اختيارهم.
بالنسبة للمؤسسين في دولة الإمارات والمنطقة ككل، فإن الوصول لمصادر التمويل والممولين يُعد ميزة وتحدياً في الوقت ذاته؛ فبينما تتبع صناديق الثروة السيادية عمليات وإجراءات منظمة، فإن المنطقة توفر عدداً متزايداً من المنصات التي تتيح للمؤسسين التواصل والتعاون والتعلم من هذه المؤسسات. وينصح بالوش المؤسسين ببناء شبكات علاقاتهم، والتعاون، والبحث عن الموجهين.
كما أكد الدكتور أن البنية التحتية للتوجيه في منطقة الشرق الأوسط ما تزال في طور النضوج مقارنة بالولايات المتحدة، إلا أن سهولة الوصول إليها تتجاوز بكثير تلك الموجودة في الأنظمة الأقدم – وقال: “توفر منظومة الأعمال في المنطقة للمؤسسين وصولاً استثنائياً إلى أبرز الفاعلين في القطاع من خلال المنتديات العامة، والمسرّعات الاستثمارية، والشراكات التي تستضيفها جهات مثل بريسايت، وشروق، وG42، ومبادلة؛ وهذه هي ميزة عدم التواجد في سوق متشبع”.
يرى بالوش أن دولة الإمارات تتمتع بموقع فريد يؤهلها لقيادة مجال الذكاء الاصطناعي موضحاً أن الإمارات قد تجاوزت مرحلة النظر إليها كمصدر لرأس المال فقط، وأنها أصبحت شريكاً عالمياً في بناء الجيل القادم من الابتكارات.
وأشار، في السياق ذاته، إلى أن صناديق الاستثمار العالمية أصبحت اليوم تجد صعوبة في جمع التمويل من دول الخليج دون تقديم قيمة ملموسة؛ ففي الماضي، كان المستثمرون الدوليون ينظرون إلى المنطقة أساساً كمكان لجمع الأموال، أما اليوم فنشهد ديناميكية أكثر توازناً قائمة على شراكات حقيقية والتزام طويل الأمد مع وجود مزايا متعددة لبناء الشراكات وتعزيزها هنا.
ويؤكد الدكتور أن قدرة الإمارات على الموازنة بين الرؤية، والحياد، ونظرتها الطولة الأمد يمثل ميزتها التنافسية. فقد وضعت الدولة نفسها في موقع متقدم، وأصبح لدى مؤسسي شركات الذكاء الاصطناعي إمكانية الوصول إلى المواهب، والبيانات السيادية، وبنية تحتية قوية لوحدات المعالجة الرسومية، والتأشيرات الذهبية، والأطر التنظيمية المرنة التي تجعل من تجربة ريادة الأعمال تجربة أسهل في الإمارات مقارنة مع نظيرتها في أوروبا وحتى أجزاء من الولايات المتحدة.
وقال: “إذا كنت مؤسس شركة سيارات ذاتية القيادة في أوروبا اليوم، ستعلق في بيروقراطية وتنظيمات معقدة، ومن الصعب جداً الخروج للقيام بالاختبارات الميدانية. أما هنا في الإمارات، فإن تراخيص هذه الاختبارات فهي أكثر وضوحاً، مما يشجع على الابتكار”.
لكن هذا الوصول يأتي مع مسؤولية، حيث شدد بلوش على أن استراتيجية الإمارات في الذكاء الاصطناعي شاملة وعالمية التوجه، إذ تركز على الابتكار والتأثير أكثر من الملكية، وتشجع المواهب العالمية على البناء والاختبار محلياً. وقال: “ابتكر هنا، اختبر هنا، لكن طورها للعالم”، وهو المبدأ الذي يقود السياسات التعاونية للدولة.
يمزج منظور بلوش الشامل بين خلفيته الأكاديمية والاستثمارية. ويرى، استناداً إلى هذا المنظور، أن مشهد الذكاء الاصطناعي اليوم أصبح “متعدد الأقطاب” — ولم يعد مقتصراً على وادي السيليكون أو مدينة شِنجِن الصينية فقط – وقال: “لا يوجد فرق كبير من حيث المهارات، والمواهب، والخلفيات، والرؤية والأفكار بين المؤسسين هنا والمؤسسين في وادي السيليكون”.
ويضيف: “الأسواق الناشئة تساهم بثلثي الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتضم نصف مستخدمي الإنترنت في العالم، ومع ذلك لا يتجاوز نصيبها من التمويل الاستثماري 15% – واحدة من أكبر المزايا التي نتمتع بها في أبوظبي هي وفرة رأس المال والقدرات، إلى جانب النمو الاستثنائي والزخم القوي الذي شهدناه في السنوات الأخيرة”.
ويرى بلوش أن المرحلة المقبلة ستتركز على الاستثمار في تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتخصصة في مجالات حيوية مثل الرعاية الصحية، والتمويل، والتنقل، والروبوتات. ويقول: «سنركز على المنصات والتطبيقات العميقة للذكاء الاصطناعي». ويضيف: «حالات الاستخدام التي تحدث تغييراً حقيقياً وتُحسّن سير العمل في الصناعات التقليدية واسعة النطاق، والتي يبنيها خبراء متخصصون، هي ما سيحدث الفارق الأكبر”.
يؤكد بالوش أن العالم يعيش بالفعل في فقاعة ذكاء اصطناعي، لكنه يرى أن هذا أمر طبيعي في المراحل الأولى لأي ثورة تقنية كبرى. ويوضح أن هناك فرقاً جوهرياً بين الفقاعات المدمرة وتلك التي تدفع عجلة الابتكار، مشيراً إلى أن ما نشهده اليوم أقرب إلى ثورة الحواسيب منه إلى فقاعة الإنترنت. ويقول: “إنه تحول جذري سيبقى معنا، وهذه ثورة عالمية بكل المقاييس”.
ويستشهد بقول جيف بيزوس الذي قال: “هناك فقاعات تضر بالاقتصاد والمجتمع، وأخرى تسرّع الابتكار وتدفع المجتمع إلى الأمام”. ويؤكد بالوش أن الذكاء الاصطناعي ينتمي إلى النوع الثاني، وهو رأي يتفق معه كثيرون. وهذا بالضبط ما عبر عنه مؤسس أمازون خلال أسبوع التكنولوجيا في إيطاليا حيث أكد أن “الفوائد التي سيجنيها المجتمع من الذكاء الاصطناعي ستكون هائلة”.
ورغم توقعات الخبراء بحدوث تصحيحات في التقييمات في ما يخص الذكاء الاصطناعي، فإن التحول العميق في أسواق العمل والبنية التحتية والإنتاجية لا رجعة فيها. وتشير تقديرات “جارتنر” إلى أن الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي سيبلغ نحو 1.5 تريليون دولار بحلول عام 2025، مدعوماً باستثمارات رأس المال التي تواصل ضخ الزخم في السوق. ورغم تقلبات التقييمات، فإن الإمكانات طويلة الأمد للذكاء الاصطناعي تظل عامل جذب لرأس المال والمواهب على مستوى العالم.
وفي الإمارات، يبرز نهج مختلف يقوم على الانضباط والحرص في التقييمات، حيث يقول بالوش: “الانضباط في التقييمات أمر أساسي للمؤسسين، ولأصحاب رؤوس الأموال، وللسوق، خاصة ضمن منظومات ناشئة وسريعة النمو مثل هذه”.
في منطقة تشهد تحولاً سريعاً في هويتها التكنولوجية، يمثل الدكتور بلال بالوش صوتاً يجمع بين الواقعية والتفاؤل. فهو الصوت الذي يقر باحتمالية تشكل فقاعات وحدوث تصحيحات في التقييمات المرتبطة بالاستثمار في الذكاء الاصطناعي وما سيصاحب ذلك من منافسة في المستقبل، لكن من وجهة نظره، الاتجاه واضح ولا رجعة فيه. ويؤكد أنه إذا كانت شركتك تتماشى مع الأولويات الوطنية في مجالات الذكاء الاصطناعي أو البيانات أو الابتكار الصناعي، فإن فرص الحصول على التمويل في الإمارات ستكون متاحة وبقوة.
استضافت جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، بالتعاون مع مؤسسة أبوظبي للموسيقى والفنون، النسخة الرابعة من مبادرتها.....
في إطار شراكة استراتيجية، تتعاون ElevenLabs وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي لاستكشاف الدور الذي يمكن أن.....